
من طفل يتعلم السباحة في النيل إلى قائد فريق ينتشل الغرقى
بينما يهرب الجميع من المياه المضطربة والمنطقة والتيارات الغامضة، يختار هو ورفاقه الاتجاه المعاكس، يصارعون المياه الضحلة، الظلام، السكون، والخوف، ينزلون إلى الأعماق التي يخشاها الآخرون، بحثا عن جثمان مفقود، لانتشال غريق ينتظره ذويه على أمل للأسرة أن تنهي أيام القلب والألم، كما ينتظر الجثمان أن يواري ثراه مكرما في الأرض.
هذه هي حكاية أحد غواصي الخير في مصر، الذي بدأت علاقته بالمياه منذ طفولته المبكرة، وتحولت مع مرور السنوات إلى رسالة إنسانية ومهنة شاقة تجمع بين الخبرة والشجاعة والعمل التطوعي
يقول الغواص مصطفى كساب : “كنت وحيد والدي، وكانت بيوتنا بجوار النيل، ومن شدة خوفه عليّ علمني السباحة والغوص منذ سن صغيرة جداً. كنت أغوص دون معدات وأصطاد السمك بيدي.”ويضيف أن والده كان مثله الأعلى، خاصة بعدما شاهده بعينيه ينقذ منقذاً وغريقاً في وقت واحد من الغرق، وهو المشهد الذي زرع بداخله عشق البحر والنيل حتى أصبح جزءاً من حياته، لكن حادثة غرق أحد الأطفال أثناء السباحة معهم تركت أثراً عميقاً في نفسه، وجعلته يدرك مبكراً أن المياه تخفي وجهاً آخر لا يراه الكثيرون.

شرم الشيخ.. البداية
بعد سنوات وعندما شب “كساب” انتقل إلى مدينة شرم الشيخ، حيث حصل على دورات متخصصة في الإنقاذ البحري وعمل “لايف جارد”، ثم أكمل تدريباته في الغوص الاحترافي وعمل لسنوات طويلة في مجال الغوص بالبحر الأحمر.
سمكة قرش تصارع وتأكل قدم سائحة
ويروي موقفاً لا ينساه سبق تراجع الحركة السياحية في شرم الشيخ بفترة قصيرة، يقول: “كنت أجلس على الشاطئ في يوم هادئ، والناس كلها مستمتعة، لكن قلبي كان منقبضاً بشكل غريب رغم أنني كنت أول من ينزل البحر كل يوم، فإنني لم أنزل ذلك اليوم، “وبينما كان يجلس مع أحد أصدقائه، شاهدا جسما بعيدا على سطح المياه يشبه سمكتين تتصارعان، استقلا زورقا مطاطيا “زودياك” صغيراً واتجها نحو الموقع، لتكون المفاجأة أن ما رأياه كان سمكة قرش كبيرة تفترس سمكة أبو سيف ضخمة، عادا سريعا وأبلغا شرطة السياحة، لكن البلاغ لم يؤخذ على محمل الجد، وبعد أقل من نصف ساعة، دوى الصراخ من أحد الشواطئ المجاورة.، يقول: “وجدنا سائحة ألمانية تصارع الموت وسط المياه التي تحولت إلى بركة من الدماء، انطلقنا بالزورق، وتمكنا من الوصول إليها، لكن القرش كان قد التهم كامل فخذها الأيسر”، ويعتبر أن تلك الحادثة كانت من الأحداث التي أثرت بقوة على الحركة السياحية في تلك الفترة، قبل أن تأتي أحداث ثورة يناير وما تبعها من توقف شبه كامل للعمل.

انتشال غريق وسط بحيرة تماسيح
بعد عودته إلى المنزل في إجازة، تلقى اتصالاً من صديق عمل معه سنوات طويلة في شرم الشيخ، كان الخبر صادماً.، أحد أقارب صديقه سقط من مركب صيد وغرق في بحيرة ناصر بأسوان.
يحكي مصطفى الغواص: “قلت له إن المهمة شديدة الخطورة، وقد لا نجد الجثمان أصلاً، لأن بحيرة ناصر تضم واحدة من أكبر تجمعات التماسيح في المنطقة وممكن يكون التماسيح أكلت الجثمان” لكن الأسرة أصرت على الاستعانة به وبفريقه، بسبب خبرتهم الطويلة في أعمال البحث والانتشال، وبالفعل تم الذهاب إلى بحيرة ناصر وقبل النزول نقول دعوات الحفظ ثم نتحرى المكان وتم تجميع زوارق على شكل دائري في المنطقة المحتمل تواجد الغريق بها وبالفعل ظهرت فقاعات واحدة تلو الأخرى، حيث تعد الفقاعات دليل لوجود الجثمان وانتفاخه وانطلاق الهواء منه، وبالفعل تم تحري تواجد الجثمان ونزلت زلت لانتشال الغريق.
ومنذ ذلك الوقت توالت المهمات الصعبة في النيل والترع والبحيرات ومناطق الغرق المختلفة في أنحاء مصر.

https://vt.tiktok.com/ZSQ2HpNNk/
أخطر أماكن الغوص
يؤكد الغواص مصطفى أن بعض مناطق النيل تعد من أخطر أماكن العمل بالنسبة للغواصين بسبب شدة التيارات، وضعف الرؤية، وكثافة الحشائش والعوائق الموجودة تحت سطح المياه.ويشير إلى أن العمل في هذه البيئات يختلف تماماً عن الغوص الترفيهي في البحر، حيث يتحرك الغواص أحياناً وسط ظلام شبه كامل، معتمداً على خبرته وإحساسه بالمكان أكثر من اعتماده على الرؤية.

غواصو الخير
ورغم أن الفريق الذي أنشأه مصطفى يعمل في مجال الغوص التجاري والإنشاءات البحرية بشكل احترافي، فإن عمليات البحث عن الغرقى وانتشال الجثامين تتم بشكل تطوعي كامل.
يقول: “لا نتقاضى أي أجر مقابل انتشال جثامين الغرقى، كل ما نطلبه من أهل المتوفى هو توفير وسيلة انتقال للمعدات والغواصين”ولهذا السبب أطلق عليهم الأهالي اسم “غواصي الخير”، ويعمل الفريق في مجالات متعددة تشمل الفحص والتفتيش البحري، والقطع واللحام تحت المياه، والبحث والانتشال، ورفع وتعويم الأهداف الغارقة، إضافة إلى أعمال الإنشاءات البحرية المختلفة.


رسالة إلى المجتمع
وتأتي رسالة الغواص للمجتمع من خلال عمله هي أن”المياه ليست مكانا للاستهانة أو التحدي، معظم حوادث الغرق تبدأ بخطأ بسيط أو لحظة ثقة زائدة، رسالتي للناس أن تحترم النيل والبحر، وألا تنزل المياه إلا في الأماكن الآمنة وتحت إشراف المختصين، “ويؤكد أن الهدف الحقيقي لفريقه لم يكن الشهرة أو المكاسب المادية، بل مساعدة الأسر التي تعيش أصعب لحظات حياتها، ومنحها فرصة أخيرة لوداع أبنائها وذويها.
صور مجموعة غواصو الخير










