من السوق السوداء إلى الترع والمصارف.. كيف تحولت تجارة التماسيح إلى خطر يهدد المصريين؟

في شهر ديسمبر من العام السابق، عاش أهالي قرية الزوامل التابعة لمركز بلبيس بمحافظة الشرقية أيامًا من القلق والخوف بعد تداول مقاطع فيديو وصور لتمساح يظهر داخل مصرف مائي قريب من المناطق السكنية، وبعد عمليات بحث وتمشيط استمرت عدة أيام، نجحت فرق وزارة البيئة بالتعاون مع الجهات المحلية في الإمساك بالتمساح ونقله تمهيدًا لإعادته إلى بيئته الطبيعية ببحيرة ناصر ، حيث يُعد تمساحا نيليا صغير الحجم، ويرجح أن يكون قد أُطلق عمدًا في المصرف بعد تربيته لدى أحد الأفراد.

المشهد تكرر مرة أخرى، في شهر يونيو الجاري ألتقطت إحدى عدسات المواطنين فيديو لتمساح نيلي في ترعة بحر اليوسف بمركز أهناسيا بمحافظة بني سويف.

تمساح يسبح في احدى ترع مركز أهناسيا بمحافظة بني سويف-توثيق مواطنيين صيف يونيو 2026

تتبع أسباب وقائع ظهور التماسيح

صورة مختلفة أخرى تؤكد أسباب استمرار تلك الشواهد والوقائع، حيث أظهرت مقاطع فيديو متداولة على وسائل التواصل الإجتماعي إقتناء عددا من المُربين لتماسيح صغيرة للترويج عن تواجدها وتربيتها وإطعامها تمهيدا لبيعها.

المشهد الأول فيديو متداول، أطلعت عليه ليبرالي، يُظهر شابا يقوم بتربية التماسيح داخل منزله ويقوم ببيعها في أون لاين وعبر الأسواق، مع مجموعة أخرى من من الطيور والحيوانات مثل: الثعابين، الصقور، الغزلان، القرود، البغبغانات ألخ…، أما المشهد الثاني لشاب يقوم بعمل مزرعة مائية لتربية التماسيح بجوار مجرى مائي ” ترعة ” في أحد مناطق الشرقية.

تظهر حالات التتبع لوجود سوق سرية للبيع والإتجار بالتماسيح الصغيرة ليتم نقلها من بحيرة ناصر إلى مناطق أخرى شمال مصر، مما يؤدي إلى اضطراب التنوع البيئي والبيولوجي وخروج التماسيح من مناطقها الطبيعية لمناطق أخرى وبيئات مائية مختلفة مما يٌعرض المواطنين لمخاطر عير متوقعة، خصوصا من المتعاملين مع البيئة المائية والزراعية أو المارين بها، أو القاطنين بجوارها.

هذه الوقائع فتحت ملفًا قديمًا يتعلق بتجارة الحيوانات البرية والزواحف النادرة داخل مصر، وعلى رأسها التماسيح التي تُباع بشكل غير قانوني قبل أن تتحول من حيوانات صغيرة للزينة والتباهي والتعامل معها كونها أليفة في الصغر قبل أن تكبر ويتم رميها في المصارف المائية القريبة لتتحول إلى مصدر خطر قريب ومحيط بالمواطنين أضف لمحاطر التعرض الماشية إلى الإلتهام، وإرهاق الدولة في عمليات التمشيط والبحث عن التماسيح في مناطق ظهورها.

تجارة تبدأ بتمساح صغير

بحسب خبراء البيئة، فإن ظهور التماسيح في الترع والمصارف المصرية لا يمكن اعتباره ظاهرة طبيعية، الأرجح أنه يتم شرائه والمتاجرة به حيث أن انتقال التماسيح طبيعيًا من بحيرة ناصر إلى الشرقية شبه مستحيل بسبب السد العالي والحواجز المائية، ما يعزز فرضية نقلها بواسطة البشر أو تجار الحيوانات البرية” وفقا لما أكده خبراء البيئة ونقيب الفلاحين في تصريحات سابقة” .

يقول الخبير البيئي هشام إبراهيم، إن انتشار التماسيح في بعض المناطق يمثل خطوره كبيرة على النظام البيئي والبيولوجي، كما أن نقص الرقابة البيئية وتغير مسارات المياه قد يكونان من أهم الأسباب انتشار التماسيح بجانب الاتجار بها ويتطلب الأمر تدخلًا علميًا لرصد الظاهرة وتقليل المخاطر على السكان والتوازن البيئي.

وفقا لتتبع مسارات بيع التماسيح فأنه، يتم بيعه وإقتنائه بطول 20 سنتيمترًا لالتقاط الصور والتباهي به، لكن بعد سنوات قليلة يتحول إلى مفترس يصعب السيطرة عليه، فيُلقى في الترع والمصارف ليبدأ فصل جديد من الخطر على المواطنين والحيوانات ” الماشية” والبيئة المحيطة.

مشكلة ظهور التماسيح في الترع والمصارف تحدث عنها مٌدرب الغوص والمنقذ مصطفى كساب، كونه دائن التعامل مع المياه لإنقاذ وانتشال الغرقى، حيث نوه في لقائه مع ليبرالي لخطورة تواجد التماسيح النيلية في عير مناطقها بسبب البيع السري مما يُسهم في تكاثرها وتواجدها في مناطق غير بيئاتها الطبيعية مما يعرض المواطنين للخطر حيث ظهر تمساح عند كوبري المظلات مما أثار ذهر المواطنيين وفقا ماتناقله شهود عيان، وشرح زميله المنقذ مصطفى درار كيف تم إستخراج إحدى الجثث والرأس غير موجودة مما يقد يعزز فرضية مخاطر تكاثر التماسيح في الترع والمصارف وتعرض المواطنين لمخاطر الموت أو الإلتهام بعد الغرق.

أسعار التمساح النيلي وتواجده وخطورته

ووفقا لحصر أسعار التمساح المصري والمعروف علميا باسم ” Crocodylus niloticus “، والاسم الشائع ” Crocodylidae ” أن الأسعار تختلف بحسب النوع والحجم والعمر، إلا أن أسعار صغار التماسيح في السوق السوداء قد تبدأ من نحو 3000 إلى 5000 جنيه مصري، ويزن التمساح الصغير من 1 إلى 5 كيلوجرامات، بينما يصل وزن التمساح متوسط الحجم من 20 إلى 100 كيلوجرام، أما التمساح البالغ فقد يتجاوز 500 كيلوجرام في بعض الأنواع الكبيرة، ويصل طول بعض التماسيح إلى أكثر من 5 أمتار، ويكون طول التمساح الصغير حوالي 20 سنتيمتر.

عضة التمساح تفوق عضتي الكلب والأسد بعشرات المرات

وفقا لتوثيق دراسات الحياة البرية، فإن التمساح النيلي يمتلك فكًا قادرًا على إطباق عظام فريسته وسحقها بقوة قد تتجاوز ثلاثة آلاف رطل لكل بوصة مربعة، وهي قوة تفوق عضة الأسد بعدة مرات، وتفوق عضة الكلب بعشرات المرات، وتجعل من التمساح أحد أقوى الكائنات الحية من حيث قوة الفك على سطح الأرض، كما أنه قادر على السباحة السريعة والاختباء لفترات طويلة تحت الماء، ما يجعله خطيرًا عند وجوده بالقرب من التجمعات السكانية.

لكن تجدر الإشارة إلى أن خطورة التمساح لا تعتمد فقط على قوة العضة، بل أيضًا على أسلوب الصيد المعروف بـ”لفة الموت”، حيث يمسك الفريسة ويدور بجسده بسرعة في الماء لتمزيقها أو كسر أطرافها.

تشير الدراسات والتقديرات الدولية إلى أن أعداد التماسيح النيلية في البرية تتراوح بين 250 ألفًا و 500 ألف تمساح، منها ما بين 50 ألفًا و70 ألفًا من الأفراد البالغة القادرة على التكاثر على مستوى قارة إفريقيا، أما في مصر تُعد منطقة بحيرة ناصر من أهم مواطن التمساح النيلي في مصر، وقدرت بعض الدراسات الميدانية أعداد التماسيح هناك بين 6 آلاف و30 ألف تمساح، مع صعوبة الوصول إلى رقم دقيق بسبب اتساع البحيرة وطبيعة البيئة المائية.

ويعبر البعض أن التماسيح النيلية نادرة لأنها اختفت من أجزاء كثيرة من مجرى النيل شمال مصر منذ عقود طويلة، وأصبحت مشاهدتها خارج نطاق جنوب مصر وبحيرة ناصر أمرًا غير معتاد، لذلك يثير ظهور أي تمساح في الترع أو المصارف اهتمامًا إعلاميًا كبيرًا، ومع ذلك، على المستوى العالمي فهي ليست من الحيوانات النادرة حاليًا، بل يُصنف حاليًا ضمن فئة “الأقل إثارة للقلق” على القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحماية الطبيعة (IUCN)، بعد أن تعافت أعداده في كثير من الدول الأفريقية عقب عقود من الحماية القانونية.

ويحذر خبراء البيئة و التنوع البيولوجي من الاقتراب من أي تمساح يتم رصده أو محاولة الإمساك به، مع ضرورة إبلاغ الجهات المختصة فورًا للتعامل معه بصورة آمنة وصحيحة لإرجاعه في مناطق نموه.