زيارة الرئيس الصيني إلى كوريا الشمالية.. الدولة المشاغبة تتحول من الانعزال إلى لعب أدوار جيوسياسية

زار الرئيس الصيني شي جين بينغ، كوريا الشمالية في أول زيارة له إلى الجارة منذ سبع سنوات تقريبًا، استقبل كيم جونغ أون، الرئيس الصيني، باحتفالات باذخة استمرت يومين في بيونج يانج، واصفًا العلاقات مع الصين بأنها “أولوية قصوى”، في رسالة واضحة مفادها أن بكين لا موسكو، لا تزال الشريك الأهم لكوريا الشمالية في علاقة تمتد لسبعين عامًا.

ستتيح هذه الزيارة لشي جين بينج فرصة لتسليط الضوء على الصين كإحدى القوى العالمية القليلة القادرة على التواصل مع جميع الأطراف في عالم يزداد انقسامًا، وتأتي هذه الزيارة، وهي الأولى للرئيس شي جين بينج، خارج الصين، هذا العام، بعد استضافته الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، والرئيس الروسي، فلاديمير بوتين في بكين الشهر الماضي.

يتجاوز وصف “كيم” للعلاقة بأنها -أهم عمل استراتيجي ذي أولوية قصوى- مجرد الخطابات المعتادة، إذ يشير إلى عودته تدريجيًا نحو الصين بعد سنوات من التقارب مع موسكو، وكانت هذه المرة الأولى التي يصرح فيها الزعيم الكوري الشمالي بذلك لشي جين بينج، رغم أن “كيم” كان قد وصف “بوتين” بأنه “أعز أصدقائه”.

وتأتي زيارة “شي” بعد حضور كيم عرضًا عسكريًا كبيرًا في بكين في سبتمبر من العام الماضي، وقد سعت الصين وكوريا الشمالية الحليفتان التاريخيتان، مؤخرًا إلى تعزيز العلاقات الثنائية من خلال خطوات مثل استئناف خدمات القطارات والطائرات بين عاصمتيهما، وزار وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، كوريا الشمالية في أبريل الماضي والتقى كيم، وأكد على الروابط الاشتراكية بين البلدين، مضيفًا أنه ينبغي على الجانبين تعزيز التنسيق في الشئون العالمية والإقليمية الرئيسية.

أهمية زيارة “شي”
بلغ متوسط ​​زيارات شي جين بينج، الخارجية حوالي 14 زيارة سنويًا بين عامي 2013 و2019، لكنها انخفضت إلى ست زيارات تقريبًا سنويًا بين عامي 2022 و2025، وفقًا لجمعية آسيا، وفي عام 2020، قام برحلة خارجية واحدة فقط، ولم يقم بأي رحلة في عام 2021، نظرًا لانشغال الصين بمواجهة جائحة كوفيد-19.

الاختلاف بين كيم جونج إيل وابنه
ورث “كيم” السلطة بأولويات تختلف عن أولويات والده، فبينما كان كيم جونج إيل، يزور الصين مرارًا ويعتمد على دعم بكين، سارع ابنه إلى تسريع البرنامج النووي لكوريا الشمالية، وفي السنوات الست الأولى من حكمه، أشرف “كيم” على نحو 90 تجربة صاروخية باليستية وأربع تفجيرات نووية، أكثر مما أجراه والده وجده مجتمعين، ما أثار هذا قلق بكين، ثم جاء إعدام عم كيم جانغ سونغ ثايك، الذي كانت الصين تنظر إليه كشخصية استقرار، ليعمق الخلاف.

رد  الرئيس الصيني شي جين بينج، بإشارات دبلوماسية نادرة تعبرعن استيائه، فزار كوريا الجنوبية عام 2014 قبل أن يلتقي كيم جونج أون، وهي خطوة اعتبرت على نطاق واسع بمثابة تجاهل مهين، لترد كوريا الشمالية بوصفها الصين بـ”الخائنة وعدوتنا”.

لم يقم كيم جونج أون بأول رحلة خارجية معروفة له إلا في عام ٢٠١٨، مع بدء تأثير العقوبات المفروضة عليه بسبب برنامجه النووي.

النصب التذكاري للصداقة
زار كلا الزعيمين “شي” و”كيم” برفقة زوجتيهما، نصبًا تذكاريًا للصداقة يخلد ذكرى الجنود الصينيين الذين قتلوا وهم يقاتلون إلى جانب القوات الكورية الشمالية خلال الحرب الكورية “1950-1953″، وكانت هذه الزيارة بمثابة تذكير رمزي بمكانة كوريا الشمالية الفريدة كحليف عسكري رسمي وحيد للصين بموجب “معاهدة الصداقة والتعاون والمساعدة المتبادلة بين الصين وكوريا الشمالية” التي تحتفل بذكراها الخامسة والستين هذا العام -وقعت في عام 1961 وتتميز المعاهدة بالتجديد التلقائي كل 20 عامًا أي أنها لازالت سارية حتى العام 2041-.

الملف الاقتصادي.. الشراكة البراجماتية
لا تستطيع بيونغ يانج خسارة أكبر مصدر للمساعدات للاقتصاد الكوري الشمالي، وقد ارتفعت صادرات الصين إلى كوريا الشمالية إلى حوالي 2.3 مليار دولار العام الماضي، وهو أعلى مستوى لها في ست سنوات، وهو يعد جهد محسوب من بكين لإعادة بيونج يانج إلى فلكها.

وبالنسبة لكيم فالصين هي الخيار العملي، فإذا انتهت الحرب في أوكرانيا، قد تتضاءل حاجة روسيا للدعم الكوري الشمالي، وعلى عكس “بوتين” المنعزل يرحب شي جين بينغ، بقادة العالم في بكين، لذا يحتاج “كيم” إلى ضمان عدم اعتماده على شريك يضعف مع مرور الوقت.

التعاون العكسري
وفقًا لوكالة يونهاب للأنباء، كان هذا الاجتماع أول مرة يثار فيها التعاون العسكري بين الصين وكوريا الشمالية بشكل صريح على مستوى القمة منذ تولي كيم جونج أون السلطة، وضم الوفد الصيني وزير الدفاع دونج جون، وهو إضافة ملحوظة نظرًا لعدم مشاركة سلفه في زيارة شي جين بينغ عام 2019.

وبينما لا يزال النطاق الدقيق للتعاون العسكري غير واضح، حيث لم تبدي كل من بكين وبيونج يانج أي تعاون عسكري فعلي يذكر، وحتى بعد الزيارة سيعد من الغريب رؤية أي تطور للعلاقات العسكرية، إلا أن كوريا الشمالية تكثف جهودها لتطوير أسلحتها، حيث استعرض “كيم” منشأة جديدة لإنتاج المواد النووية قبل أيام قليلة من وصول شي جين بينغ.

قطاع السياحة
يتيح توسيع العلاقات الثنائية بين بكين وبيونج يانج، ليشمل قطاع السياحة، وهو قطاع غير خاضع للعقوبات، وهو أحد مصادر الدخل لبيونج يانج، إلا أن الأخيرة لم تسمح إلا بتدفق محدود للسياح الوافدين والذين أغلبهم من روسيا، ومن المتوقع أن يزداد التدفق السياحي مع الخطوة الأخيرة لاستئناف الرحلات الجوية الثنائية وتشغيل قطارات الركاب.

نزع السلاح النووي
يبدو أن الزعيم الكوري الشمالي قد عزز تنازلاً هامًا بشأن الأسلحة النووية، حيث تجنب الزعيم الصيني أي ذكر علني لنزع السلاح النووي، وهو الهدف السياسي الصيني طويل الأمد والرسالة الرئيسية لزيارته عام 2019، وقد غابت هذه اللغة عن البيانات الصينية الرسمية منذ زيارة كيم لبكين في سبتمبر، مما أثار تكهنات بأن الصين قد قبلت ضمنيًا بكوريا الشمالية كقوة نووية بحكم الأمر الواقع.

يعد نزع سلاح بيونج يانج النووي غاية نهائية وليست هدفًا عمليًا في المستقبل القريب، إلا أنه يمكن القول أن السعى المباشر لنزع السلاح النووي من بيونج يانج سيؤدي إلى خلق العداء ولن يحقق النزع بأي حال من الأحوال، وعندما سُئل المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، لين جيان، الإثنين الماضي، عما إذا كانت بكين لا تزال تسعى لنزع السلاح النووي، قال:” تحافظ الصين على ثبات موقفها وسياستها بشأن قضية شبه الجزيرة الكورية”.

وتزعم الولايات المتحدة أن نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية هدف مشترك مع الصين، لكن بكين لم تؤكد علنًا وجود مثل هذا الاتفاق، ونفت شقيقة كيم الادعاء الأمريكي ووصفته بأنه “باطل”.

الشريك الاستراتيجي
لطالما كانت بكين الداعم الرئيسي لكوريا الشمالية، حيث قدمت لها دعمًا اقتصاديًا حيويًا في ظل استمرار الولايات المتحدة وحلفائها في فرض عقوبات على النظام المعزول، إلا أن العلاقات بينهما شهدت فتورًا مع تقارب بيونج يانج مع موسكو، وتعهده بتقديم “دعم غير مشروط” للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وإرساله قوات كورية شمالية لمساعدته في حربه ضد أوكرانيا.

يأتي ميل بيونغ يانغ نحو بكين في وقت لا تزال فيه الجهود التي تقودها الولايات المتحدة للتوسط في السلام في أوكرانيا متعثرة، بينما تتكبد القوات الروسية خسائر متزايدة وسط حالة الجمود العسكري.

موقف كوريا الجنوبية من الزيارة
في مؤتمر صحفي عُقد في سيول بالتزامن مع وصول شي جين بينج إلى بيونج يانج، صرح الرئيس الكوري الجنوبي، لي جاي ميونج، بأن نزع السلاح النووي لبيونج يانج هدف لا يمكن التخلي عنه، محذرًا من تداعيات نووية محتملة.

ويسعى “لي” منذ توليه منصبه العام الماضي إلى تحقيق توازن في علاقات كوريا الجنوبية مع الصين والولايات المتحدة، في تحول عن نهج سلفه الذي كان يركز على إعطاء الأولوية للولايات المتحدة، ولا يزال من غير الواضح مدى نجاح هذه الجهود، ولا سيما مساعي سيول للحصول على مساعدة بكين في استئناف الحوار مع كوريا الشمالية، في تحقيق نتائج ملموسة، نظرًا لتركيز شي وكيم على تعزيز علاقاتهما، إن دعم الصين وروسيا لكوريا الشمالية، دون اشتراط نزع السلاح النووي، يجعل بيونغ يانغ أقل حاجة أو حافزًا للانخراط مع سيول.

غياب جو آي كيم عن استقبال الزعيم الصيني
غابت ابنة الزعيم الكوري جو آي كيم، عن الصور الرسمية لاستقبال الرئيس شي، وكان الكثيرين يترقبون ظهورها، والذي كان من شأنه تعزيز مزاعم وكالة الاستخبارات الكورية الجنوبية بأنها تعد لخلافة والدها.

كما شاركت والداها كيم في زيارته إلى بكين العام الماضي، وتظهر معه في صور بانتظام، إلا أنها لم تظهر في صور الرحلة التي نشرتها وسائل الإعلام الرسمية الصينية والكورية الشمالية، ومن المفهوم غيابها حيث يتماشى مع أسلوب الصين الصارم والحازم في الزيارات الرسمية.

تعد كوريا الشمالية للصين الجارة التي لا تستطيع بكين السيطرة عليها ولا تتحمل خسارتها، لذا تسعى الصين إلى تحقيق الاستقرار على حدودها وتعزيز نفوذها في بيونج يانج، دون الانجرار إلى الأزمات الناجمة عن طموحات كوريا الشمالية النووية.

كما تشكل كوريا الشمالية حاجزًا وعبئًا على الصين في آنٍ واحد، فهي تبقي القوات الأمريكية على مسافة، لكن تجاربها النووية تزعزع استقرار المنطقة، وفي الوقت نفسه يريد “كيم” الحماية الصينية، دون السيطرة الصينية، كما لا يثق أي من الطرفين بالآخر ثقة كاملة، لكن في الوقت الراهن، يعتقد كل منهما أنه بحاجة إلى الآخر، وهذا يكفي لاستمرار الحوار بينهما.