محمد فؤاد
محمد فؤاد

قطاع الطاقة: بين السداد والتعافي

لا خلاف على أن الوصول بمستحقات شركات البترول الأجنبية إلى الصفر يمثل تطورًا إيجابيًا ومهمًا، فالدولة أوفت بالتزاماتها أخيرًا، وأغلقت ملفًا ظل لسنوات أحد أكبر مصادر القلق لدى المستثمرين وشركاء مصر في قطاع الطاقة، ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك إيجابًا على ثقة الشركات وقدرتها على اتخاذ قرارات استثمارية جديدة، كما أنه يحسب لوزارة البترول الحالية التي جعلت من هذا الملف أولوية منذ اليوم الأول.

والإنصاف يقتضي أيضًا أن نقول إن هذه ليست معركة بدأت اليوم، فقبل سنوات كان الوزير السابق طارق الملا، يحذر من أن تراكم المتأخرات يهدد الاستثمار والإنتاج، وأن تكلفة التأجيل ستكون أعلى كثيرًا من تكلفة الحل، لكن الظروف الاقتصادية وأزمة النقد الأجنبي التي مرت بها البلاد لم تكن تسمح وقتها بإغلاق الملف بالكامل، كما أن من الصعب فصل ما حدث عن التحولات الأوسع التي شهدها الاقتصاد المصري خلال العامين الماضيين، إذ إن قدرة الدولة على تدبير النقد الأجنبي وتحسن إدارة الملف النقدي كانا شرطًا أساسيًا للوصول إلى هذه النتيجة، فوزارة البترول لا تملك الدولار، وإنما تتحرك داخل منظومة أوسع تضم وزارة المالية والبنك المركزي وبقية مؤسسات الدولة.

ولعل أرقام الضمانات الحكومية تفسر لماذا كان إغلاق هذا الملف أولوية للدولة كلها وليس للقطاع وحده، فقطاع الطاقة يستحوذ على نحو 65% من إجمالي الضمانات الحكومية بما يزيد على 3.4 تريليون جنيه، وهو ما يعكس حجم الانكشاف الحكومي على القطاع ويجعل أي تعثر فيه قضية اقتصادية ومالية تتجاوز حدود وزارة البترول نفسها.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول سداد المستحقات من خطوة صحيحة إلى رواية كاملة عن نجاح القطاع، فهناك فارق كبير بين سداد الفواتير وبين استعادة الإنتاج، وبين إزالة أحد العوائق وبين تحقيق التعافي.

فإذا نظرنا إلى الصورة الأكبر سنجد أن المتأخرات التي شغلت الرأي العام لسنوات بلغت نحو ستة مليارات دولار، لكن تكلفة تأخير حل المشكلة كانت أكبر بكثير من قيمة المشكلة نفسها، فخلال سنوات التراجع فقدت مصر جزءًا كبيرًا من إنتاجها المحلي من الغاز الطبيعي، واضطرت إلى تعويض هذا النقص بواردات متزايدة من الغاز والوقود، وتشير التقديرات إلى أن فاتورة استيراد الطاقة خلال السنوات الأخيرة قاربت أربعين مليار دولار. أي أننا دفعنا أضعاف قيمة المتأخرات نتيجة تأخر معالجة أصل الأزمة.

ولا يتعلق الأمر بالماضي فقط، فالدولة تستعد خلال أشهر الصيف المقبلة لتدبير ما يقرب من ثمانية مليارات دولار لتأمين احتياجات الكهرباء من الغاز والوقود، وهو رقم يتجاوز قيمة المستحقات التي ظل الجميع يتحدث عنها لسنوات، ولذلك فإن الاحتفال بإغلاق ملف المتأخرات يجب أن يكون مصحوبًا بإدراك أن فاتورة الطاقة لم تختف، وأن التحدي الحقيقي ما زال قائمًا.

والحقيقة أن الأزمة لم تكن يومًا أزمة مستحقات فقط، فالمتأخرات كانت أحد أعراض مشكلة أعمق تتعلق بالإنتاج نفسه، فمنذ ذروة عام 2021 تراجع إنتاج الغاز الطبيعي بنحو 45%، بينما هبط إنتاج الزيت الخام إلى أدنى مستوياته منذ عقود، وفي الوقت نفسه تحولت مصر خلال سنوات قليلة من دولة تحقق فوائض مهمة في تجارة الغاز إلى دولة تواجه عجزًا بتروليًا متزايدًا وتتحمل فاتورة استيراد ضخمة عامًا بعد عام.

ومن هنا يصبح السؤال الأهم: ماذا بعد؟

وهنا أعتقد أن التحدي الحقيقي لم يعد ماليًا فقط، بل أصبح يتعلق بإدارة التوقعات، فمنذ تولي المهندس كريم بدوي الوزارة ارتفع سقف الطموحات بصورة ملحوظة، أصبحنا نسمع بشكل شبه يومي عن اكتشافات جديدة واتفاقيات جديدة وخطط لزيادة الإنتاج، وكل ذلك جيد ومطلوب، لكن جزءًا من الخطاب العام بدأ يوحي بأن زيادة الإنتاج أصبحت وشيكة، وأن الأزمة تقترب من نهايتها.

بينما الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير.

فصناعة البترول ليست تطبيقًا على الهاتف المحمول يمكن تحديثه بين ليلة وضحاها، وحتى إذا اتخذت كل القرارات الصحيحة اليوم، وتم توفير التمويل بالكامل، وأزيلت كل العقبات الإدارية، فإن أثر ذلك على الإنتاج يحتاج عادة ما بين ثمانية عشر شهرًا وعامين حتى يظهر بصورة ملموسة، هذه ليست وجهة نظر متشائمة، بل طبيعة الصناعة نفسها، فهناك قرارات استثمار وحفر آبار وإنشاء تسهيلات إنتاج واختبارات تشغيل قبل أن يصل الغاز إلى الشبكة.

ولهذا فإن المبالغة في رفع سقف التوقعات قد تتحول إلى مشكلة في حد ذاتها، لأن المواطن لا يقيس النجاح بعدد المؤتمرات أو الاتفاقيات أو البيانات الصحفية، وإنما بالنتيجة النهائية، وعندما يسمع وعودًا متكررة عن طفرة إنتاجية ثم لا يراها على الأرض، تبدأ فجوة الثقة في الاتساع.

وقد رأينا ذلك من قبل، ففي 2023 سمعنا حديثًا عن قرب العودة إلى الاكتفاء الذاتي، ثم قيل إن التراجع مؤقت، وبعد ذلك تكرر الحديث عن قرب استعادة مستويات الإنتاج السابقة، واليوم يتكرر الحديث عن قفزات إنتاجية خلال سنوات قليلة، لكن الأرقام الفعلية للإنتاج لا تزال تتحرك في اتجاه مختلف.

ولهذا فإن ما يحتاجه القطاع الآن ليس المزيد من إدارة الترند، بل المزيد من إدارة الواقع، فبعض الأمور التي يتم تقديمها أحيانًا باعتبارها إنجازات استثنائية هي في الحقيقة جزء طبيعي من عمل أي وزارة بترول، سداد المستحقات واجب، متابعة الشركات واجب، التفاوض على الاتفاقيات واجب، تشجيع الاستثمار واجب، وحتى استئجار وحدات التغويز ليس إنجازًا بحد ذاته، بل إجراء فرضته الضرورة نتيجة الفجوة القائمة بين الإنتاج والاستهلاك، أما الإنجاز الحقيقي فهو أن يرتفع الإنتاج وأن تتراجع الواردات وأن يعود القطاع إلى توليد الدولار بدلًا من استهلاكه.

أتذكر هنا تعليقًا ساخرًا لأحد خبراء الطاقة على هامش مؤتمر دولي حين قال:” لو أن كل الاكتشافات التي يُعلن عنها في مصر دخلت الإنتاج بنفس السرعة التي تُعلن بها في الأخبار، لأصبحت مصر أكبر منتج للغاز في العالم”، ورغم الطابع الساخر للجملة، فإنها تلخص المشكلة بدقة. لدينا ميل دائم للاحتفال بالإعلان أكثر من الاحتفال بالنتيجة.

ومن وجهة نظري فإن الأولوية خلال السنوات القادمة يجب ألا تكون البحث عن قصة جديدة كل أسبوع، وإنما التركيز على ما هو موجود بالفعل تحت الأرض، فلدينا احتياطيات مكتشفة أو محتملة تتراوح بين 20 و25 تريليون قدم مكعب في حقول لم تُنمَّ بعد أو تأخرت تنميتها لسنوات طويلة، وهذه هي الفرصة الأسرع والأقل تكلفة، المطلوب مراجعة هذه الحقول واحدًا تلو الآخر، وفهم أسباب التأخير، ثم اتخاذ قرار واضح: إما تحفيز التنمية أو إعادة طرح الامتيازات على مستثمرين آخرين، وبالتوازي مع ذلك يجب إعطاء أولوية قصوى لإدارة الخزانات والحفاظ على الضغوط الطبيعية للحقول وعدم تكرار أخطاء الماضي التي دفعت الدولة ثمنها لاحقًا في صورة تراجع إنتاج وارتفاع واردات.

وفي تقديري، لا يقل الإصلاح المؤسسي أهمية عن الإصلاح الفني والمالي، فمن غير المنطقي أن تظل دولة يعتمد أكثر من 70% من إنتاج كهربائها على الغاز الطبيعي بينما تدار منظومة الغاز في وزارة، ومنظومة الكهرباء في وزارة أخرى، لقد تأخر كثيرًا قرار إنشاء وزارة موحدة للطاقة تجمع البترول والكهرباء تحت مظلة واحدة، وتتعامل مع أمن الطاقة باعتباره ملفًا واحدًا لا ملفين منفصلين. فالدولة لا تستهلك الغاز من أجل الغاز، وإنما من أجل إنتاج الكهرباء وتشغيل الاقتصاد، وإدارة جانبي المعادلة بمعزل عن بعضهما البعض لم تعد ترفًا يمكن تحمله.

في النهاية، لا أحد يقلل من أهمية الوصول بالمستحقات إلى الصفر، بل على العكس، هذه خطوة ضرورية وتأخرت كثيرًا، لكن من الخطأ أن نخلط بين سداد فاتورة قديمة وبين حل الأزمة نفسها، ما تحقق حتى الآن هو إزالة أحد العوائق الرئيسية أمام التعافي، أما التعافي ذاته فسيُقاس بشيء واحد فقط: هل عاد الإنتاج إلى النمو؟ وهل تراجعت الواردات؟ وهل عاد قطاع الطاقة إلى إنتاج الدولار بدلًا من استهلاكه؟.

عندما يحدث ذلك يمكننا الاحتفال بحق، أما الآن، فالأفضل أن نتمسك بالواقعية، فالحقيقة ليست سُبة، والواقعية ليست تشاؤمًا، ومن حق الناس أن تعرف الفارق بين سداد الفواتير وبين عودة الغاز.