ريشة لا تنكسر.. الكاريكاتير المصري بين الإرث ومعركة البقاء

“الآلة ترسم.. لكنها لا تبتكر”.. عمرو سليم: ريشة الكاريكاتير لن يهزمها الذكاء الاصطناعي

إسلام محمد: رسام الكاريكاتير الذي لم يرسم كوميكس فاته الكثير

يعد فن الكاريكاتير واحدًا من أبرز أشكال التعبير الصحفي التي رافقت المجتمع المصري عبر مختلف مراحله، فلم يكن مجرد رسومات ساخرة تهدف إلى إضحاك القارئ، بل أداة تعكس قضايا الشارع وهموم المواطنين، وتتناول الأحداث السياسية والاجتماعية بأسلوب بسيط ومؤثر، وعلى مدار تاريخه، لعب الكاريكاتير دورًا مهمًا في توثيق التحولات التي شهدتها مصر، حتى أصبح بمثابة مرآة تعكس نبض المجتمع وتعبر عما يدور في أذهان المصريين، بلغة يفهمها الجميع وتتجاوز أحيانًا تأثير الكلمات والمقالات المطولة.

بدأت الملامح الحقيقية للكاريكاتير السياسي المؤثر تتشكل بوضوح في ثلاثينيات القرن الماضي، مع تأسيس المجلات الساخرة الكبرى، وعلى رأسها مجلة “روز اليوسف” في تلك الحقبة التي عانت فيها مصر من وطأة الاحتلال البريطاني وفساد الحياة الحزبية، ظهر الفنان ألكسندر صاروخان، كأحد الآباء المؤسسين لهذا الفن، وقد نجح صاروخان في ابتكار شخصية “المصري أفندي” الشهيرة، وهي الشخصية التي كانت تجسد المواطن المطحون بملامحه الحائرة وطربوشه المميز، وتعبر عن تطلعاته ونقده للاستعمار، وتُعد الأعداد المؤرشفة لمجلتي “روز اليوسف” و”آخر ساعة” من أهم المصادر التاريخية التي توثق دور “صاروخان” ورسوماته التي كانت بمثابة وقود للحركة الوطنية آنذاك.

وفي قراءة لواقع هذا الفن اليوم وتراجع مساحاته، أوضح الفنان عمرو سليم، رئيس قسم الكاريكاتير بجريدة المصري اليوم، أن الغياب الحالي للكاريكاتير في بعض الصحف لا يعود إلى سياسة تعتيم أو منع متعمد، بقدر ما يعود إلى أزمة مساحات وأزمة جيل قادر على ملء الفراغ الذي تركه الكبار، مستدلاً على ذلك بالتفاوت بين الصحف، ففي حين تخصص جريدة “المصري اليوم” سبع مساحات يومية للكاريكاتير، وتتمسك جريدة “الأخبار” بإرث ومساحة الفنان الراحل مصطفى حسين، وتواصل مجلة “روز اليوسف” نشر نحو عشرين موضوعًا كاريكاتيريًا أسبوعيًا، نجد في المقابل صحفاً عريقة كـ “الأهرام” قد خلت تمامًا من أي مساحة رسمية لهذا الفن.

وأضاف “سليم” أن الإشكالية الحقيقية تكمن في شقين أولهما قرار بعض الصحف بالاستغناء عن مساحة الكاريكاتير كليًا، وثانيهما هو البحث عن “الرسام البديل” فالأزمة ليست في غلق الأبواب بقدر ما هي في مدى قدرة الرسامين الجدد على العثور على ريشة قوية قادرة على “عصر نفسها” لملء وتحمُل ثقل مساحة كان يشغلها قامات بحجم صلاح جاهين، وبذلك، يصبح التحدي الراهن أمام فن الكاريكاتير في مصر هو تحدي بقاء واستمرارية، مرهون بمدى مرونة الصحف في إتاحة المساحات، وبوجود الموهبة الجسورة القادرة على قيادة هذه المساحات والتعبير عن نبض الشارع بكفاءة الجيل الذهبي.

أما عن التخوفات الراهنة من زحف تقنيات الذكاء الاصطناعي وتأثيرها على مستقبل الفن، فأوضح عمرو سليم، أن ريشة الكاريكاتير ستظل محصنة تماما ضد هذا الغزو الرقمي، لكون هذا الفن يعتمد بالدرجة الأولى على “الابتكار الإنساني والقدرة على خلق الفكرة الخاطفة” فالذكاء الاصطناعي، بأدواته المتطورة، يمكنه ببساطة تنفيذ أوامر بصرية محددة كأن يطلب منه المستخدم رسم شخص يضحك أو لوحة لرجل يقف خلف الأهرامات، وهو ما يجعل مصممي أغلفة الكتب من وجهة نظري الفئة الأكثر تضررًا من هذه التكنولوجيا لسهولة محاكاتها رقميًا، لكن الآلة تعجز تمامًا عن توليد “الفكرة الساخرة” أو التقاط المفارقة الفلسفية من طيات الواقع.

واستدل “سليم” على هذه الاستحالة الرقمية بالعمق النفسي والبصري الذي كان يقدمه رواد الفن، فعلى سبيل المثال، عندما كان الرسام الأسطوري صلاح جاهين، يرسم شخصية “الانفتاحي” في السبعينيات بـ “كرش ضخم وساقين نحيفتين”، وسُئل عن السر وراء هذا التناقض الجسدي، أجاب بأن هذا الشخص “محدث نعمة” فهو ليس سميناً في الأصل، ولكن الثراء المفاجئ تضخم في منتصف جسده كرمز لظهور النعمة الطارئة هذه اللمسات الإنسانية الفلسفية، النابعة من فهم عميق لسيكولوجية المجتمع وتحولاته، هي تفاصيل يستحيل على خوارزميات الذكاء الاصطناعي ابتكارها أو فهم أبعادها، مما يجعل خطر التكنولوجيا غائبًا تمامًا عن ريشة رسام الكاريكاتير، الذي سيظل مالكًا حصريًا لسر الصنعة “الفكرة والروح المصرية الخالصة”.

معارك تاريخية خاضها الكاريكاتير المصري
لم يكن الكاريكاتير في الصحافة المصرية مجرد مساحة سريعة لرسم البسمة على وجوه القراء، بل كان على مدار عقود طويلة سلاحًا نقديًا حادًا ومحركًا للأزمات السياسية والاجتماعية، ففي أواخر عشرينيات القرن الماضي، وتحديدًا عام 1927، شهدت الساحة الوطنية أولى الأزمات الكبرى التي فجرها الرسم الساخر عندما نشرت مجلة “الكشكول” برئاسة سليمان فوزي، رسمًا للفنان ألكسندر ساروكان، يمس الزعيم الوطني أحمد عرابي، أثار الرسم موجة غضب عارمة بين السياسيين والشغف الشعبي، واعتُبر محاولة للتقليل من قيمة الثورة العرابية، مما فتح بابًا واسعاً للمطالبات القضائية لمحاكمة المجلة وإغلاقها، لتكون هذه الواقعة سابقة تاريخية في تحديد حدود النقد الساخر للشخصيات والرموز الوطنية.

ومع حلول ثلاثينيات القرن العشرين، وتحديدًا خلال فترة حكومة إسماعيل صدقي باشا، الحاضرة في الذاكرة بالقبضة الحديدية، دخل الكاريكاتير في مواجهة مباشرة مع رأس السلطة التنفيذية، ابتكر الفنان ساروكان بالتعاون مع المؤسسة الصحفية “روز اليوسف” رسومات تحاكي الشارع السياسي وتهاجم قرارات صدقي باشا بإلغاء دستور 1923 والتضييق على الحريات العامة، حيث جسدت الرسومات الحكومة في قالب نقد قاسي لم تتحمل السلطة قوة التأثير الشعبي للرسومات، فصدر قرار رسمي بمصادرة أعداد المجلة وإغلاقها، متبوعًا بأحكام وملاحقات، ليرسخ هذا التصادم حقيقة أن الصورة الساخرة باتت تُحسب لدى أجهزة الدولة كمعارضة سياسية مكتملة الأركان.

وفيما يتعلق بالجدل المثار حول ما إذا كان “الكوميكس” (القصص المصورة) قد أصبحت بديلاً لفن الكاريكاتير التقليدي، حسم عمرو سليم هذا الطرح بالرفض مؤكدًا أن الكوميكس لا يمكن أن يزيح الكاريكاتير عن عرشه، نظرًا لاختلاف طبيعة العمل والتركيبة الفنية بينهما، فالكوميكس غالباً ما يقوم على آلية إنتاج مشتركة بين شخص يكتب الفكرة وآخر يرسمها، أو فنان يجمع بين الاثنين معًا ليروي قصة متسلسلة، وهو الفن الذي عرفته الصحافة المصرية بشكل مكثف بعد ثورة يناير، وتحديدًا في تجربة جريدة “التحرير” هذا التتابع القصصي يختلف جوهريًا عن الكاريكاتير الذي يظل محكومًا بمساحة صحفية محددة ومكثفة ومكبلة بشروط اللقطة الواحدة السريعة.

وأوضح “سليم” أن العلاقة بينهم هي علاقة تداخل وليست إلغاء، فالرسام يلجأ أحياناً لتقديم كاريكاتير يحمل روح الكوميكس، وهو ما يُعرف في أروقة هذا الفن باسم الـ “ستريبس”  هذا التكنيك يعتمد على تقسيم الرسمة إلى ثلاثة كادرات بصرية متتالية تنتهي بمفاجأة أو “إيفيه” سياسي لاذع، وهي مساحة صحفية ليست غريبة على الفن المصري، بل برع فيها الأستاذ محي الدين اللباد في حقبة الستينيات تحت اسم “أشرطة الكاريكاتير”، حيث كان يرسم ثمانية كادرًا متتابعاً مصفوفة على عمود واحد في الصفحة الثالثة وبذلك، تظل الكوميكس رافداً مغذياً ومكملاً، لكنها لا تلغي خصوصية الكاريكاتير وقدرته الفريدة على اختزال المشهد كله في خطوط ريشة واحدة.

ومع الانتقال إلى حقبة الستينيات والسبعينيات، شهد الكاريكاتير المصري تحولاً فلسفيًا واجتماعيًا كبيرًا تجسد في مدرسة مجلة “صباح الخير”، التي رُفع شعارها الشهير “للقلوب الشابة والعقول المضيئة” في هذه الفترة، برز الفنان أحمد حجازي بأسلوبه الفريد وخطوطه البسيطة التي التقطت تفاصيل الحياة الريفية والمدنية ناصرةً الفقراء والمهمشين ضد البيروقراطية الحكومية، وبالتوازي معه قدم الفنان بهجت عثمان رسومات سياسية جريئة تخطت الحدود المصرية لتناقش قضايا الوطن العربي ككل، وهو ما وثقه لاحقاً في ديوانه الكاريكاتيري الشهير “بهجاتوس” ويمثل أرشيف مؤسسة روز اليوسف، إلى جانب الكتب السيرية التي تناولت حياة هؤلاء الفنانين، مصدراً غنياً لدراسة تلك المرحلة التي تحول فيها الكاريكاتير إلى أداة للتغيير الاجتماعي.

أما الذروة الجماهيرية لفن الكاريكاتير في الصحافة اليومية، فقد تحققت من خلال الثنائية الأسطورية التي جمعت بين الكاتب الساخر أحمد رجب، والفنان مصطفى حسين، على الصفحة الأخيرة لجريدة “الأخبار”، حيث نجح هذا الثنائي في تحويل الرسومات اليومية إلى ظاهرة مجتمعية ينتظرها الملايين، وذلك عبر ابتكار شخصيات كاريكاتيرية حية تعكس عيوب فئات مختلفة في المجتمع، ومن أبرز هذه الأعمال شخصية “فلاح كفر الهنادوة” الذي كان يواجه رئيس الوزراء مباشرة بلسان حال المواطن البسيط، وشخصية “كمبورة” التي رمزت لفساد المجالس النيابية، و”عبده مشتاق” اللاهث وراء المناصب ويظل أرشيف دار أخبار اليوم، والكتب المجمعة لأعمالهما، الشاهد الأقوى على كيف يمكن للكاريكاتير أن يصبح القوة الناعمة الأكثر تأثيراً في الرأي العام.

ولم يتوقف تطور الفن عند حدود النكتة الصحفية المباشرة، بل امتد ليتخذ أبعادًا بصرية وفلسفية أعمق على يد فنانين مثل محي الدين اللباد، فاللباد لم يتعامل مع الكاريكاتير كرسومات عابرة، بل كدراسة للهوية البصرية العربية وتشريح لثقافة الصورة، وهو ما قدمه ببراعة في سلسلة كتبه الشهيرة “نظر” الصادرة عن دار الشروق هذه الأعمال فتحت آفاقاً جديدة لربط الكاريكاتير بالفنون التشكيلية وأدب الطفل، لتؤكد أن ريشة الرسام المصري لم تكن تهدف للترفيه فحسب، بل كانت وما زالت أداة لتشكيل الوعي، وتوثيق التاريخ، وصناعة الأمل من قلب السخرية والألم.

ومن جانبه، أكد الفنان إسلام محمد، رئيس قسم الكاريكاتير بجريدة الوطن، أن تراجع مساحات الكاريكاتير ليس حالة معزولة، بل هو جزء من تراجع عام طال الفنون الصحفية الساخرة بمختلف أشكالها، بما في ذلك الكتابة الساخرة التي كادت تختفي تمامًا، فبعد أن كان وجود قسم الكاريكاتير شرطاً أساسياً وشكلاً مقدساً في هيكل أي صحيفة مصرية، باتت المساحات اليوم تضيق بشدة، وهو ما يرجعه إسلام إلى غياب “الحس الفني” لدى بعض القائمين على رأس المؤسسات الصحفية الحالية، والذين يفتقرون للقدرة على تذوق هذا الفن واستيعاب قيمته التنافسية.

واستدعى رئيس قسم الكاريكاتير بجريدة “الوطن” المقولة التاريخية لـ مصطفى أمين، الذي كان يصف الكاريكاتير بأنه “مزيكة الصحافة” والرسام بأنه “الموسيقار الصحفي”، ليؤكد أن أزمة غياب هذا الفن تكمن في تخبط الإدارات الصحفية التي لم تعد تدرك ما الذي يقوي صحفها ويجذب القارئ غير أن المسؤولية من وجهة نظري لا تقع على عاتق المؤسسات وحدها بل يتحملها جيل الرسامين الجدد أيضاً الذين تراجع مستواهم الفني مقارنة بالجيل الأول ففي الماضي، كان الرسامون المبتدئون يذهبون إلى قلاع مثل “روز اليوسف” و”صباح الخير” ليتتلمذوا على أيدي الأساتذة الكبار، ويستمعوا إلى توجيهاتهم، وهو الشغف والتقليد المهني الذي يكاد يكون مفقوداً تماماً في واقعنا المعاصر.

ومن واقع تجربة عملية وشخصية مع أدوات التكنولوجيا الحديثة، أوضح الفنان إسلام محمد أن الذكاء الاصطناعي يقف عاجزًا عن تهديد جوهر فن الكاريكاتير لسببين جوهريين أولهما “التنوع البصري والخطوطي” فمن أهم مميزات الكاريكاتير المصري هو التباين الشديد بين بصمات فنانيه حيث تختلف ريشة أحمد حجازي تماماً عن مصطفى حسين، كما يختلف أسلوبي عن أسلوب عمرو سليم أو هاني شمس، أما الذكاء الاصطناعي، فهو سجين “النمطية الواحدة”، إذ يعتمد على قوالب مكررة تمنحك نفس خط الرسم والروح تقريبًا، مما يجعل التعرف على آليته سهلاً، ويفقده ميزة التنوع الإنساني المبهر التي ميزت هذا الفن تاريخياً.

وتابع “إسلام” أن عدم قدرة الآلة على منافسة الإنسان يكمن في “صناعة الفكرة والاشتباك مع الواقع”، فالذكاء الاصطناعي قد يمنحك رسمًا كاريكاتيرياً، لكنه يعجز تماماً عن صياغة فكرة سياسية أو اجتماعية لاذعة تعبر عن نبض الشارع وهموم الناس فالخوارزميات الرقمية لا تعيش بين المواطنين، ولا تسير في شوارع مصر، ولا تدرك تفاصيل معاناتهم اليومية ومفارقات حياتهم، وبذلك يظل الكاريكاتير الحقيقي ابنًا شرعيًا للمعاينة الحية والمعايشة الإنسانية، وهو ما لا تملكه أي آلة أو تكنولوجيا مهما بلغت دقتها.

وفي ختام رؤيته حول جدلية العلاقة بين الكوميكس والكاريكاتير، رفض إسلام محمد بشكل قاطع فكرة أن يكون الكوميكس بديلاً مهدداً للكاريكاتير، بل يذهب إلى أبعد من ذلك باعتبار الكوميكس “ابناً شرعياً وشكلاً من أشكال الكاريكاتير نفسه” موضحًا أن الكاريكاتير فن واسع ومتعدد القوالب فكما أن هناك “الكاريكاتير البانورامي” و”كاريكاتير الكادر الواحد”، فإن الكوميكس يمثل جزءاً لا يتجزأ من هذه العائلة الفنية، مستدلاً على ذلك بتجربته الشخصية، مشيراً إلى أن الصفحات الكاريكاتيرية التي يقدمها بانتظام ما هي إلا معالجات “كوميكس” بطبيعتها.

وتابع رئيس قسم الكاريكاتير بجريدة “الوطن” أن صعود الكوميكس وظهوره المكثف في المشهد الحالي هو أمر إيجابي لا يدعو للقلق أبداً، بل يمثل مساحة تعبيرية غنية مؤكداً في ختام حديثه أن “رسام الكاريكاتير الذي لم يرسم كوميكس، قد فاته الكثير من متعة هذا الفن وتطوره”.

ولم تقتصر مواجهات الريشة على السلطة السياسية فحسب، بل امتدت لتتقاطع مع المؤسسات الدينية والأوساط الفكرية ولعل الأزمة الأشهر في العصر الحديث هي ما وقع عقب نكسة 1967، حين نشر الفنان الكبير صلاح جاهين في جريدة الأهرام عام 1968 رسماً يتهكم فيه على ردود أفعال بعض الشيوخ تجاه المحاكمات الشهيرة لضباط الطيران، اعتبر الشيخ محمد الغزالي وعلماء الأزهر الرسم مساسًا بالزي الأزهري والمؤسسة الدينية، وخرجت مظاهرات غاضبة من الجامع الأزهر تندد بالرسم والجريدة ورغم تدخل الكاتب الأستاذ محمد حسنين هيكل لحماية جاهين، إلا أن الأزمة تركت جرحاً عميقاً لدى الفنان الكبير وكان لها أثر بالغ في اعتزاله الرسم لفترة.

وفي تسعينيات القرن الماضي، أثبت الكاريكاتير قدرته على إثارة الأزمات حتى على المستوى الدبلوماسي حيث تسبب رسم للفنان جمعة فرحات في جريدة “الأهرام ويكلي” يسخر فيه من التدخلات الأجنبية في الشؤون الداخلية في أزمة مع السفارة الأمريكية بالقاهرة، والتي قدمت احتجاجاً رسمياً اعتُبر فيه الرسم تجاوزًا للحدود الدبلوماسية كما لم تسلم الأجهزة الحكومية متعاقبة من هجوم الثنائي الشهير أحمد رجب ومصطفى حسين عبر جريدة الأخبار، حيث تحولت شخصيات مثل “عبد المشتاق” و”كمبورة” إلى رموز تُسقط على وزراء ومسؤولين بعينهم، مما أثار سجالات ساخنة تحت قبة البرلمان وفي أروقة مجلس الوزراء حول حدود التشويه والنقد الصحفي.

ولم تتوقف هذه المواجهات مع انتقال الفن الساخر من المطبوعات الورقية إلى المنصات الرقمية ففي أوائل عام 2016، اندلعت أزمة حديثة أثارت جدلاً واسعاً في الوسط الصحفي والإعلامي عندما تم القبض على الفنان الشاب إسلام جاويش صاحب رسم “الورقة” واقتحام مقر الشركة التي يعمل بها وعلى الرغم من أن التبريرات الرسمية قالت إن القبض عليه يتعلق بتراخيص الموقع والنشر، إلا أن الرأي العام والوسط الصحفي ربطا إلقاء القبض عليه مباشرة برسوماته الكاريكاتيرية الساخرة التي انتقدت الأوضاع السياسية والاجتماعية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتسببت الواقعة في موجة تضامن عارمة وسجال تحت قبة البرلمان، حتى تم إطلاق سراحه، لتثبت الواقعة أن الكاريكاتير حتى في عصره الرقمي ما زال يحتفظ بقدرته ذاتها على إقلاق السلطة وإثارة الرأي العام.