خُمس إنتاج الكهرباء يُهدر مجانًا.. والحل “جيب المواطن”

20% من الكهرباء تُهدر قبل وصولها للمستهلك.. أين تذهب خُمس الطاقة المنتجة؟

زيادة جديدة في شرائح الكهرباء.. تعرف على الأسعار المطبقة

“بقينا نختار بين الفاتورة واحتياجات البيت”.. شهادات المواطنين لـ”ليبرالي” من قلب المعاناة

سرقات التيار وتقادم الشبكات.. أبرز أسباب الفقد في منظومة الكهرباء

منذ 2014.. كيف تطورت أسعار الكهرباء وخطة رفع الدعم؟

داخل أروقة البيوت المصرية، لا تُقرأ فواتير الكهرباء بالأرقام المدونة عليها فقط، بل تُقاس بمدى قدرتها على اقتطاع جزء جديد من “لقمة العيش”، ومع سريان الزيادة الجديدة في شرائح استهلاك الكهرباء – مطلع أغسطس الجاري-، باتت أجهزة التكييف والإنارة ليست مجرد أدوات معيشية، بل أرقامًا متغيرة في معادلة ميزانية الأسرة الشهرية.

وشهدت أسعار شرائح استهلاك الكهرباء المنزلية زيادات جديدة، مع الإبقاء على سعر الشريحة الأولى دون تغيير، حيث تستمر الشريحة التي يتراوح استهلاكها بين 0 و50 كيلووات/ساعة عند 68 قرشًا للكيلووات/ساعة، بينما ارتفع سعر الشريحة الثانية، التي تغطي استهلاك 51 إلى 100 كيلووات/ساعة، إلى 98 قرشًا بدلًا من 78 قرشًا، بزيادة قدرها 20 قرشًا للكيلووات/ساعة.

كما ارتفع سعر الشريحة الثالثة، الخاصة بالاستهلاك من 0 حتى 200 كيلووات/ساعة، إلى 115 قرشًا بدلًا من 95 قرشًا للكيلووات/ساعة، فيما زاد سعر الشريحة الرابعة، التي تشمل الاستهلاك من 201 إلى 350 كيلووات/ساعة، إلى 173 قرشًا بدلًا من 155 قرشًا.

الزيادة الجديدة في أسعار شرائح الكهرباء
وفي الشرائح الأعلى استهلاكًا، ارتفع سعر الشريحة الخامسة، التي تغطي الاستهلاك من 351 إلى 650 كيلووات/ساعة، إلى 214 قرشًا للكيلووات/ساعة، مقارنة بـ195 قرشًا سابقًا.

أما في حالة تجاوز الاستهلاك الشهري 650 كيلووات/ساعة، فيتم تطبيق أسعار الشرائح الأعلى، حيث ارتفع سعر الشريحة السادسة، الخاصة بالاستهلاك من 0 حتى 1000 كيلووات/ساعة، إلى 251 قرشًا بدلًا من 210 قروش للكيلووات/ساعة.

وبالنسبة للشريحة السابعة، التي تُطبق على الاستهلاك الذي يزيد على 1000 كيلووات/ساعة شهريًا، فارتفع سعر الكيلووات/ساعة إلى 274 قرشًا بدلًا من 258 قرشًا، لتكون بذلك أعلى شرائح الاستهلاك من حيث قيمة التعريفة الجديدة.

حجم الدعم الذي تتحمله الدولة
في حين كشف جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك، عبر موقعه الرسمي، عن الجدول التفصيلي لأسعار شرائح استهلاك الكهرباء للمنازل بعد الزيادة الأخيرة، متضمنًا قيمة الزيادة المقررة لكل شريحة، وحجم الدعم الذي تتحمله الدولة، وقيمة ما يسدده المواطن وفقًا لمعدلات الاستهلاك المختلفة، بما يعكس استمرار سياسة توجيه الدعم للفئات الأقل استهلاكًا.

وأوضح الجهاز أن الدولة لا تزال تتحمل النسبة الأكبر من تكلفة الكهرباء لصالح محدودي الاستهلاك، إذ يصل الدعم في الشريحة الأولى، التي يتراوح استهلاكها بين صفر و50 كيلووات/ساعة شهريًا، إلى نحو 75% من قيمة الفاتورة، ولم تشهد هذه الشريحة أي زيادة في سعر الكيلووات، حيث يسدد المواطن نحو 34 جنيهًا فقط، بينما تتحمل الدولة نحو 103 جنيهات دعمًا شهريًا.

وأضاف أن الشريحة الثانية، التي تتراوح بين 51 و100 كيلووات/ساعة، شهدت زيادة قدرها 20 قرشًا لكل كيلووات، إلا أن الدولة ما زالت تتحمل نحو 70% من قيمة الفاتورة، إذ يدفع المواطن 83 جنيهًا شهريًا، مقابل دعم حكومي يبلغ 191 جنيهًا.

استمرار دعم الشرائح منخفضة ومتوسطة الاستهلاك
وفي الشريحة التي يصل استهلاكها إلى 200 كيلووات/ساعة، ارتفع سعر الكيلووات بواقع 20 قرشًا، ليبلغ ما يسدده المشترك نحو 230 جنيهًا، بينما تتحمل الدولة دعمًا يصل إلى 318 جنيهًا شهريًا، استمرارًا لسياسة دعم الشرائح منخفضة ومتوسطة الاستهلاك.

وأشار الجهاز إلى أن قيمة الدعم الحكومي تراجع تدريجيًا مع زيادة معدلات الاستهلاك، في إطار خطة تستهدف توجيه الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجًا، وتشجيع المواطنين على ترشيد استهلاك الكهرباء.

وفي الشريحة الرابعة، التي يتراوح استهلاكها بين 201 و350 كيلووات/ساعة، بلغت الزيادة 18 قرشًا للكيلووات، ويصل إجمالي الفاتورة عند استهلاك 300 كيلووات إلى نحو 403 جنيهات، بينما تتحمل الدولة نحو 419 جنيهًا من التكلفة الفعلية.

الدعم ينتهي بالكامل عن الشريحة التي يزيد استهلاكها على 1000 كيلووات/ساعة
أما الشريحة الخامسة، التي تغطي الاستهلاك من 351 إلى 650 كيلووات/ساعة، فقد ارتفع سعر الكيلووات بنحو 19 قرشًا، ويبلغ إجمالي الفاتورة عند استهلاك 400 كيلووات نحو 597 جنيهًا، مقابل دعم حكومي قدره 500 جنيه، وعند استهلاك 500 كيلووات، يسدد المواطن 811 جنيهًا، بينما تتحمل الدولة 560 جنيهًا، فيما ترتفع الفاتورة إلى 1025 جنيهًا عند استهلاك 600 كيلووات، مقابل دعم يبلغ 620 جنيهًا.

وفيما يتعلق بالشريحة السادسة، التي تشمل الاستهلاك حتى 1000 كيلووات/ساعة، أوضح الجهاز أن سعر الكيلووات ارتفع بنحو 31 قرشًا، في حين تراجعت نسبة الدعم إلى نحو 12% فقط، إذ يدفع المشترك عند استهلاك 1000 كيلووات نحو 2410 جنيهات، بينما تتحمل الدولة 330 جنيهًا.

وأكد الجهاز أن الدعم الحكومي ينتهي بالكامل بالنسبة للشريحة التي يزيد استهلاكها على 1000 كيلووات/ساعة، حيث يتحمل المشترك التكلفة الفعلية كاملة دون أي دعم، مع زيادة بلغت 16 قرشًا للكيلووات، لتصل قيمة الفاتورة عند استهلاك 2000 كيلووات/ساعة إلى نحو 5480 جنيهًا.

لما تزود الكهرباء..كأنك بتقولي “ماتأكليش عيالك وعيشي في الضلمة”!
ما سبق من الإعلان عن الزيادات الأخيرة في الأسعار، وما لحقه من الإعلان عن الدعم الحكومي، لم يكن محل اهتمام من المواطنين، والذين لا يشغلهم إلا قدرتهم المالية على دفع قيمة الفاتورة بعد الزيادة الأخيرة.

مها عبد العظيم، ربة منزل، وتبلغ من العمر 45 عامًا وتقطن في مدينة السلام، تسرد صدمتها من زيادة أسعار الكهرباء، قائلة:” إزاي في وسط أزمة الغلاء اللي إحنا فيها دي وتمن كل حاجة مولع، تطلع الحكومة قرار تزود علينا الكهربا كمان؟”، متسائلة:” المواطن البسيط هيجيب منين ولا منين؟”.

وبنبره لا تخلو من الحزن والغضب، واصلت مها حديثها لـ”ليبرالي”، بأن زوجها عامل باليومية، وأسرتها مكونة  من 6 أفراد منهم 4 أبناء في المراحل التعليمية المختلفة، قائلة:” لما تزود عليا الكهرباء، يبقى كأنك بتقولي ماتأكليش عيالك وعيشي في الضلمة”.

إحنا عاوزين حد يفهم إن المواطن البسيط شايل فوق طاقته بمراحل
ومن حيث انتهت مها عبد العظيم، واصل الحاج محمد قدري، موظف بالمعاش، ويبلغ من العمر 65 عامًا، ويقطن بحي المطرية، متسائلًا:”  إزاي الحل دايمًا يكون على حساب المواطن؟، وكل ما الأزمة الاقتصادية تزيد، أول حاجة يفكروا فيها إنهم يرفعوا الفاتورة على الناس اللي بتعاني أصلًا علشان تعرف تعيش؟!”.

وأضاف “قدري” في حديثه لـ”ليبرالي”، أن الكهرباء ليست رفاهية، بينما تُعد عصب كل بيت، قائلًا:” لما تزودها في الوقت ده، أنت بتجبر الناس تقطع من قوت عيالها، إحنا عاوزين حد يفهم إن المواطن البسيط شايل فوق طاقته بمراحل، وزيادة أسعار الخدمات في الظروف دي بتزود الاحتقان والضغط النفسي جوه كل بيت.”

معاناة المواطن وتسائله المشروع من الزيادة في أسعار الكهرباء، ولماذا الإصرار دائما على المواطن في تحمل زيادة الأسعار، تضامن معها الدكتور أمجد الوكيل، خبير الطاقة، ورئيس هيئة المحطات النووية السابق، وقال في الوقت الذي يسعى فيه المواطن إلى مواجهة ضغوط المعيشة وتكافح فيه القطاعات الإنتاجية للحفاظ على تنافسيتها يأتي قرار رفع أسعار شرائح الكهرباء بنسبة 12% ليعيد طرح هذا السؤال الجوهري: هل يظل رفع الأسعار هو الخيار الأول أم أن هناك بدائل أكثر كفاءة واستدامة يمكن أن تحقق نفس الأهداف مع تخفيف الأعباء عن المواطنين؟.

تقليل جزء من الفقد قبل تحميل المواطنين أعباءً إضافية
وأضاف “الوكيل”، أن التقديرات تشير إلى أن الفقد في شبكات نقل وتوزيع الكهرباء يبلغ نحو 20% أي ما يعادل خُمس الطاقة المنتجة، وبعبارة أخرى فإن كيلووات.ساعة من كل خمسة كيلووات.ساعة، يتم إنتاجها لا يصل إلى المستهلك النهائي بالصورة التي تحقق عائده الاقتصادي الكامل، وهنا يبرز تساؤل مشروع: أليس من الأولى العمل على تقليل جزء من هذا الفاقد قبل تحميل المواطنين والقطاعات الإنتاجية أعباءً إضافية؟.

وتسائل:” أين تذهب هذه الطاقة؟”، موضحًا أن الفقد ينقسم إلى نوعين رئيسيين، الفقد التجاري “غير الفني”: ويشمل سرقات التيار والتوصيلات غير القانونية والتلاعب بالعدادات، وهو يمثل تحديًا يؤثر على كفاءة المنظومة ويخل بمبدأ العدالة حيث يتحمل المستهلك الملتزم تكلفة الكهرباء التي يستهلكها غيره دون مقابل.

والفقد الفني: وينتج عن فقد الطاقة أثناء النقل والتوزيع نتيجة تقادم بعض الخطوط والمحولات وانخفاض كفاءة الشبكاتن ويمكن تقليصه من خلال تحديث البنية التحتية وتحسين التشغيل.

مواجهة التحديات لا تعتمد فقط على زيادة تعريفة الكهرباء
وأكد رئيس هيئة المحطات النووية السابق، على أن  قطاع الكهرباء يواجه تحديات حقيقية، لكن مواجهة هذه التحديات لا تعتمد فقط على زيادة التعريفة بل أيضًا على رفع كفاءة المنظومة وتسريع تطوير الشبكات وتطبيق القانون بحزم.

ولفت “الوكيل” إلى أنه عند فقد خُمس ما ننتجه من الكهرباء فإن إعطاء أولوية أكبر لتقليل هذا الفقد يُحقق وفرات كبيرة ويخفف الحاجة إلى زيادات مستقبلية في الأسعار، منوهًا بأن الإدارة الرشيدة للموارد إلى جانب تطوير الشبكات ورفع كفاءة التشغيل والتوسع في مصادر الطاقة منخفضة التكلفة التشغيلية تمثل الطريق الأكثر استدامة لتحقيق التوازن بين استقرار قطاع الكهرباء وتعزيز كفاءته وتخفيف الأعباء عن المواطنين.

وبدأت الحكومة في يوليو 2014 تنفيذ برنامج لإعادة هيكلة دعم الكهرباء، ضمن خطة للإصلاح الاقتصادي استهدفت تقليص الفجوة بين تكلفة إنتاج الكهرباء وسعر بيعها للمستهلك، مع الإعلان عن جدول زمني لرفع الدعم تدريجيًا على عدة سنوات، وكانت تلك الزيادة الأولى في أسعار الكهرباء منذ بدء البرنامج، وشملت مختلف شرائح الاستهلاك مع الإبقاء على دعم نسبي للشرائح الأقل استهلاكًا.

زيادة أسعار الكهرباء من 2014 إلى الآن
ومنذ 2014، أصبحت الزيادة السنوية في أسعار الكهرباء نهجًا متكررًا، إذ شهدت الأعوام 2015 و2016 و2017 و2018 و2019 و2020 مراجعات دورية لتعريفة الاستهلاك، في إطار خطة الحكومة للوصول تدريجيًا إلى أسعار تعكس التكلفة الفعلية للإنتاج. وخلال هذه الفترة، ارتفعت أسعار بعض الشرائح بنسب كبيرة، بينما استمرت الدولة في تقديم دعم جزئي للشرائح محدودة الاستهلاك لتخفيف الأعباء الاجتماعية.

وفي عام 2020، أعلنت وزارة الكهرباء مد فترة تنفيذ برنامج رفع الدعم، بعدما كان مقررًا انتهاؤه في 2022، ليُمدد حتى العام المالي 2024/2025، مبررة القرار بالظروف الاقتصادية التي فرضتها جائحة كورونا، وما ترتب عليها من ضغوط على الاقتصاد المحلي والعالمي. كما أعلنت الوزارة في ذلك الوقت جدولًا استرشاديًا للأسعار حتى عام 2025، لإتاحة رؤية أوضح للمستهلكين والقطاع الصناعي.

وبعد فترة من تثبيت الأسعار، عادت الحكومة إلى تحريك تعريفة الكهرباء في 2024، مع استمرار ارتفاع تكلفة إنتاج الكهرباء نتيجة زيادة أسعار الوقود وتغيرات سعر الصرف، وهو ما انعكس على قيمة فواتير الاستهلاك، خاصة للشرائح الأعلى، بينما استمرت الشرائح الأقل استهلاكًا في الحصول على قدر من الحماية مقارنة بباقي الفئات.

وفي 2026، أعلنت وزارة الكهرباء زيادة جديدة استثنائية على بعض شرائح الاستهلاك، مؤكدة أن القرار جاء نتيجة الارتفاع الحاد في تكاليف موارد الطاقة عالميًا، وأن الزيادات استهدفت في الأساس الشرائح الأعلى استهلاكًا وبعض الاستخدامات التجارية، مع الإبقاء على إعفاء أو تثبيت أسعار أغلب الشرائح منخفضة الاستهلاك، في محاولة لتحقيق توازن بين احتواء التكلفة وحماية محدودي الدخل.