ميزانية الدفاع تهز أوروبا.. استقالة وزير الدفاع البريطاني تدق المسمار الأخير في نعش حكومة “ستارمر”

استقال وزير الدفاع البريطاني، جون هيلي، بشكل مفاجئ نهاية الأسبوع الماضي، معللاً ذلك بأن الحكومة غير مستعدة لإنفاق ما يكفي على الجيش في ظل تصاعد التهديدات، ووجهت هذه الاستقالة ضربة أخرى لرئيس الوزراء، كير ستارمر، الذي يواجه بالفعل مطالبات من زملائه في حزب العمال بالاستقالة، وأبلغ هيلي ستارمر، في رسالة أن خطة الحكومة للاستثمار الدفاعي أقل بكثير مما هو مطلوب في هذا الوقت العصيب.

شغل “هيلي” منصب وزير الدفاع البريطاني، منذ انتخاب حكومة حزب العمال في يوليو 2024، ويُعرف بكونه وزيرًا كفؤًا وجادًا، كما لعب دورًا محوريًا في تعزيز الدعم الدولي لأوكرانيا وتشكيل تحالف دولي للمساعدة في ضمان الأمن في حال التوصل إلى وقف إطلاق النار، كما ساهم “هيلي” في قيادة قوة أمنية بحرية من شأنها المساعدة في إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا أمام الملاحة في حال انتهاء الحرب مع إيران.

أسباب الاستقالة
تعهد “ستارمر” برفع الإنفاق الدفاعي البريطاني إلى 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2027، وإلى 3% بحلول عام 2035، لكن العديد من العسكريين يرون أن هذه الخطوة غير كافية، بينما صرح “هيلي” بأن خطة الإنفاق التي قدمتها وزارة الخزانة، والتي عُرضت عليه يوم الإثنين الماضي، سترفع الإنفاق الدفاعي إلى 2.68% فقط في عام 2030، بعد أن يصل إلى 2.6% في العام المقبل.

ويقارن هذا بخطط ألمانيا لإنفاق 3.7% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع بحلول عام 2030، أما فرنسا، فمن المتوقع أن يكون إنفاقها الدفاعي أقل من بريطانيا حيث سيبلغ 2.5%.

قال “هيلي” إن ذلك غير كاف في ظل تزايد المطالب الدفاعية والالتزامات العسكرية البريطانية، مستشهدًا بالحرب الإيرانية، والغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، والتهديدات من موسكو، وكتب “هيلي” في رسالة استقالته:” لم تتمكنوا، ولم ترغب وزارة الخزانة، في تخصيص الموارد التي تحتاجها البلاد للدفاع عنها في ظل تصاعد التهديدات”، مضيفًا:” لم يتبق لي الآن خيار سوى تقديم استقالتي”.

بينما قالت الحكومة إنها تقدم أكبر زيادة مستدامة في الإنفاق الدفاعي منذ الحرب الباردة، وأضافت في بيان لها:” هذا البلد أكثر أمانًا بفضل القرارات التي اتخذها كير ستارمر، وسنواصل العمل بما يخدم مصالحنا الوطنية”.

الانهيار الجماعي
وتبع “هيلي” في الاستقالة بعد ساعات قليلة “آل كارنز”، وهو محارب قديم حائز على أوسمة وشغل منصب وزير الدولة لشئون القوات المسلحة في وزارة الدفاع، وقال “كارنز” إنه لا يستطيع الدفاع عن مستوى استثمار يعلم أنه غير كافٍ للمهمة، وقد تم ترشيح “كارنز” كمرشح محتمل في الانتخابات المرتقبة لتحدي “ستارمر” على زعامة الحزب.

ويعد “هيلي” هو الوزير السادس الذي يستقيل من الحكومة منذ الهزيمة الكارثية التي لحقت بحزب العمال في انتخابات الشهر الماضي، وهو رابع وزير في الحكومة يستقيل من حكومة “كير ستارمر” بعد “لويز هايج””وأنجيلا راينر” و”ويس ستريتينج”وزيرة الصحة، في حكومة ستارمر الشهر الماضي، متهمًة رئيس الوزراء بالافتقار إلى الرؤية.

أعرب “ستارمر” في رسالة إلى “هيلي” عن أسفه لرحيله، لكنه أصر على أن خطة التمويل ستوفر زيادات مستدامة وعادلة في الإنفاق، بما يضمن أمن المملكة المتحدة، ومن المرجح أن تؤجج استقالة “هيلي” التكهنات حول قرب انتهاء ولاية ستارمر كرئيس للوزراء، فبعد سلسلة من الأخطاء التي ارتكبها حزب العمال منذ عودته إلى السلطة قبل أقل من عامين، واجه “ستارمر” دعوات داخل حزبه للتنحي.

الصراع على زعامة حزب العمال
في مؤشر على تراجع سلطته، يبدو أن “ستارمر” لم يتمكن من رأب الصدع بين وزير الدفاع هيلي، ووزيرة الخزانة راشيل ريفز، بشأن الإنفاق الدفاعي، ومن المتوقع أن ينافس على نطاق واسع عمدة مانشستر الكبرى “آندي بورنهام” منافس “ستارمر” اللدود على زعامة الحزب، في حال عودته إلى البرلمان في الانتخابات الخاصة المقررة في 18 يونيو.

كما طالب نحو ربع نواب “ستارمر” بتقديم استقالته بعد أن واجه حزب العمال الذي ينتمي إليه في أوائل مايو، بأكبر خسائر يتكبدها أي رئيس وزراء بريطاني في الانتخابات المحلية منذ أكثر من ثلاثة عقود.

“جارفيس” خلفًا لـ”هيلي”
في وقت متأخر من مساء الخميس، عين رئيس الوزراء “دان جارفيس” وزير الأمن السابق وظابط المظلات الأسبق، وزيرًا للدفاع، ولا يزال من غير الواضح إلى متى سيستمر جارفيس في منصبه، نظرًا لأن مستقبل رئيس الوزراء نفسه يكتنفه الغموض بسبب الانتخابات الفرعية المقررة الأسبوع المقبل، وتأتي هذه الاستقالات قبيل إعلان الحكومة عن آلية تمويل عملية إصلاح شاملة ضرورية للدفاعات البريطانية، والمتوقع قبل قمة الناتو الأسبوع المقبل في تركيا، وقد تأجل نشر هذه الخطط عدة مرات وسط خلافات عميقة داخل الحكومة.

وزير الدفاع الإيطالي يواجه معضلة “هيلي”
لاقت استقالة “هيلي” تعاطفًا من وزير الدفاع الإيطالي “غيدو كروسيتو”، الذي يواجه هو الآخر تهديدات بخفض الإنفاق الدفاعي في إيطاليا وسط ارتفاع تكاليف الطاقة نتيجة للصراع الأمريكي الإيراني.

وكتب “كروسيتو” ردًا على استقالة “هيلي”:” أتفهم تمامًا دوافعك والأسباب التي دفعتك لاتخاذ هذا القرار، إنه خيار لا يمكن أن يترك أيًا منا نحن زملائكم، الذين نواجه التحديات نفسها، غير مبال”، مضيفًا:” أجد نفسي متفقًا مع كل ما كتبتموه تقريبًا، والأفكار التي نشرتموها اليوم هي في كثير من الأحيان أفكاري أيضًا”.

حلف الناتو
قال الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، خلال مؤتمر صحفي في بروكسل، بعد أن أبلغته وكالة أسوشيتد برس باستقالة “هيلي”، إن “هيلي” شخص أكن له احترامًا كبيرًا، مضيفًا:” نشهد في جميع أنحاء الحلف زيادة في استثمارات الدول الدفاعية، وهذا ليس بالأمر السهل، حيث لا بد من وجود مقايضة مع نفقات أخرى لا تقل أهمية”.

ومثل غيرها من أعضاء حلف الناتو، تتعرض المملكة المتحدة لضغوط لزيادة الإنفاق الدفاعي استعدادًا لمواجهة محتملة مع روسيا التي تحولت إلى اقتصاد حربي، حيث تنفق ما يقدر بنحو 8% من الناتج المحلي الإجمالي على الجيش، وتشير تقييمات الاستخبارات البريطانية إلى أن روسيا قد تكون مستعدة لمهاجمة دول الناتو بحلول عام 2030.

كما تزايدت الشكوك حول التزام بريطانيا ببرنامج مقاتلات الجيل السادس GCAP، الذي تشارك فيه مع اليابان وإيطاليا، وفي الشهر الماضي وقعت المملكة المتحدة عقدًا مؤقتًا لاستمرار العمل على البرنامج لمدة ثلاثة أشهر، والآن يتطلع الشركاء لمعرفة الأموال المتاحة في خطة الاستثمار الدفاعي لضمان استمرار تمويل GCAP بعد ذلك.

المخرج المحتمل
يوجد مخرج للأزمة التى تواجهها القارة العجوز، وهو الاقتراض المشترك للدفاع مع حلفاء أوروبيين في الناتو، ما يتيح إنشاء أصول آمنة مقومة باليورو – وهو ما تسعى إليه الأسواق المالية منذ بدء أزمة ديون منطقة اليورو عام 2010، ولا تزال فكرة سندات اليورو من المحظورات السياسية في ألمانيا، لكن برلين وافقت على اقتراض مشترك لمرة واحدة لدعم اقتصاد الاتحاد الأوروبي خلال جائحة كورونا، وسيتعين أن تكون سندات الدفاع إجراءً استثنائيًا آخر تبرره حالة الطوارئ الجيوسياسية الاستثنائية، حيث لا يمكن لأوروبا الانتظار حتى تهاجم روسيا فعليًا أحد حلفاء الناتو في دول البلطيق.

منحت المفوضية الأوروبية دول الاتحاد الأوروبي هامشًا إضافيًا للاقتراض العام الماضي ضمن حزمة من الإجراءات الرامية إلى تعزيز الإنفاق الدفاعي، حيث يسمح للدول الأعضاء باقتراض 1.5% إضافية من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري، بما يتجاوز الحد الأقصى لعجز الموازنة المعتاد للاتحاد الأوروبي البالغ 3% دون التعرض لإجراءات تأديبية من بروكسل، وهو ما لم تستخدمه معظم الدول في المفوضية والتي كان من المفترض أن تُدرّ 650 مليار يورو إضافية للإنفاق الدفاعي في جميع أنحاء القارة.

الحقت استقالة “هيلي” ضررًا بـ”ستارمر” على الساحة الدولية، فمن المقرر أن يحضر اجتماع مجموعة السبع في فرنسا المقرر عقدها خلال الفترة من 15 إلى 14 يونيو، حيث سيلتقي دونالد ترامب، للمرة الأولى منذ خلافهما بشأن الصراع مع إيران، ومن المرجح أن يواجه انتقادات من الرئيس الأمريكي، وربما من أعضاء آخرين في مجموعة السبع بسبب فشل الحلفاء في تأمين خطة دفاعية ممولة.

ويبقي السؤال الأهم هو كيف ستتعامل الحكومة، أو الحكومة التي ستخلفها، مع التنازلات الهائلة التي تترتب على الرغبة في زيادة الإنفاق الدفاعي بشكل كبير؟ وأين ستقع التخفيضات في مجالات أخرى؟ وما تأثير ذلك على الاقتراض؟ وما تأثيره على الضرائب؟.