بين التفاهم والمواجهة.. هل تحسم معركة “المضيق” صراع الإرادة بين ترامب ومجتبى؟

في الوقت الذي بلغت فيه الحرب الأمريكية الإيرانية شهرها السادس، وتوقع المتابعون امتدادها لفترات قد تمتد لأسابيع، فاجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العالم، في واحدة من فقراته الاستعراضية، بإعلانه وقف الهجمات على إيران، والتي كان مخططًا لها ـ حسب تقارير دولية ـ أن تأخذ منحنى تصاعديًا، ويشارك بها الكيان المحتل.

وليظل وضع الحرب بعد هذا الإعلان من قبل ترمب رهن دائرة الغموض، إذ يصر الرئيس الأمريكي على أن المحادثات بين طهران وواشنطن جارية الآن، بينما صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي قائلًا لا نجري حاليًا أي مفاوضات مع الولايات المتحدة.

فبحسب طهران لم تجرِ أي مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة منذ أبريل، مع أن كلا الجانبين يقران بتمرير الرسائل عبر وسطاء إقليميين. كما خلصت وكالات الاستخبارات الأمريكية إلى أن إيران من غير المرجح أن تغير موقفها التفاوضي أو أن تهزم في المدى القريب.

المقترح العُماني:

في الأسبوع الماضي، أرسلت عُمان إلى طهران مقترحًا لإعادة فتح مضيق هرمز، يقضي بتقسيم حركة الملاحة البحرية بالتساوي بين الطرق على طول سواحل البلدين. كما اقترحت مسقط نظامًا للمساهمات الطوعية من المنظمات غير الربحية والدول والشركات المهتمة، لتمويل خدمات الملاحة والصيانة والضمانات البيئية للمضيق.

على غرار النظام المستخدم في سنغافورة وماليزيا وإندونيسيا، المطلة على مضيق ملقا، وهو ممر تجاري دولي حيوي بين المحيطين الهادئ والهندي، قد يمثل النظام المقترح وسيلة لحفظ ماء الوجه لإيران للتخلي عن الرسوم والضوابط التي طالبت بها، والتي صرح ترامب وقادة عالميون آخرون بأنه لا يمكن السماح بها.

وفي مؤتمر صحفي عُقد الإثنين في طهران، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن إيران تتفاوض فقط مع عُمان بشأن ضمان المرور الآمن للسفن التجارية عبر المضيق، ولم تجر أية محادثات مع الولايات المتحدة. وقال بقائي إن المضيق لم يغلق بسبب خلافات بين إيران وعُمان، بل تعرض للاضطراب منذ مارس الماضي نتيجة العدوان العسكري الأمريكي والنظام الصهيوني في إسرائيل.

في حال دخول هذا الاتفاق حيز التنفيذ، فقد يكون له ثمن باهظ، إذ سيؤكد سيطرة طهران على ما كان قبل الحرب، ممرًا مائيًا دوليًا مفتوحًا. ومن المقرر في الاتفاق أن تعبر السفن المتجهة إلى الخليج العربي من قناة تسيطر عليها إيران، بالقرب من سواحلها، أما السفن المغادرة للخليج فستسلك قناة قرب عُمان.

ويقول مسؤولون إيرانيون إنه على الرغم من عدم فرض أي رسوم، إلا أن الاتفاق يتضمن “رسوم خدمة” لتغطية الأثر البيئي للشحن، وتوفير الأمن لسفن الشحن وناقلات النفط وتوفير الطاقم. وأوضح مسؤولان إيرانيان أن العائدات ستقسم بالتساوي بين إيران وعُمان.

يمنح الاتفاق إيران وعُمان 60 يومًا للتفاوض بشأن فتح المضيق، وينص على أن تستأنف الولايات المتحدة وإيران خلال هذه الفترة مناقشاتهما حول مستقبل مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، والبالغ 11 طنًا، بما في ذلك نحو نصف طن من الوقود الذي بات قريبًا من مستوى التخصيب اللازم لصنع قنبلة نووية.

حل المشكلة الأكثر إلحاحًا

قد تسهم هذه الصفقة بالنسبة للرئيس ترامب إن أبرمت في حل مشكلته السياسية الأكثر إلحاحًا، وهي السماح بتدفق السفن مجددًا. ومن جانبهم صرحّ مسؤولون إيرانيون بأن المضيق سيظل مغلقًا بغض النظر عن أي اتفاق، إلى حين رفع الولايات المتحدة حصارها البحري عن الموانئ الإيرانية في الخليج العربي، وعودة البلدين إلى الخطة المكونة من 14 بندًا والواردة في مذكرة التفاهم بين إسلام آباد.

يصمم الجانب الإيراني الاتفاق لتأكيد قدرتهم على السيطرة على المضيق، وبالتالي الاحتفاظ بنفوذ استراتيجي لم يكن لديهم قبل الحرب. لكن إذا ما أصرت إيران في نهاية المطاف على استمرار سيطرتها على المضيق، فقد يكون لفتحه ثمن جيوسياسي باهظ.

كما أن مثل هذه القيود تخالف بشكل مباشر الهدف الذي حدده وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي صرح مرارًا وتكرارًا خلال الأشهر الأخيرة بضرورة عودة مضيق هرمز إلى وضعه كممر مائي مفتوح كما كان قبل الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير. وقد تخفف الولايات المتحدة الضغط على السوق بشكل أكبر إذا قررت منح استثناءات من العقوبات المفروضة على إيران، ما يسمح لها ببيع النفط وتوريده بشكل قانوني. ولكن روبيو خرج اليوم الثلاثاء، ليعلن عن تفاءله لإمكانية التوصل لاتفاق حول مضيق هرمز.

فشل الجولة الأخيرة من الضربات

جاء هذا التطور الأخير بعد فشل الموجة الأخيرة من الهجمات في كسر سيطرة طهران على المضيق، بل وامتداد الحرب إلى البحر الأحمر، مما ينذر بتداعيات أكبر على الاقتصاد العالمي. كما أدى سقوط ضحايا أمريكيين جدد وارتفاع أسعار الطاقة إلى تفاقم الضغط الداخلي على الرئيس ترامب الذي بدا عازمًا على تصعيد الصراع ثم تراجع في اللحظة الأخيرة.

جاء إعلان الرئيس ترامب إلغاء الهجوم بعد أن حثت وزارة الخارجية الأمريكية السبت  الماضي الأمريكيين في جميع أنحاء الشرق الأوسط على التفكير في مغادرة المنطقة أو الاستعداد للمغادرة في غضون مهلة قصيرة.

كما أن إيران تسعى إلى إبرام اتفاق مع سلطنة عُمان يحظى بدعم دول خليجية أخرى، والذي ستستخدمه للضغط على الولايات المتحدة لرفع حصارها البحري. والذي سيمكن إيران من أن تصور الأمر ليس فقط للعُمانيين ودول الخليج بل للعالم أجمع، على أن العقبة الوحيدة الآن أمام حرية الملاحة في مضيق هرمز هي الحصار البحري الأمريكي.

أسعار النفط

انخفضت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط بنسبة 0.86% لتصل إلى 79.65 دولارًا للبرميل يوم الثلاثاء. وفي المقابل ارتفع خام برنت، بنسبة 0.23% ليصل إلى 83.58 دولارًا للبرميل.

وأشار محللون في جولدمان ساكس في مذكرة الأسبوع الماضي إلى أن المتداولين يسعرون علاوة مخاطرة معتدلة فقط على الرغم من استمرار حالة عدم اليقين الكبيرة بشأن إمدادات الشرق الأوسط. كما يتم افتراض أن سعر خام برنت سيبقى ضمن نطاق 80-90 دولارًا حتى يتم تأكيد اتفاق جديد بين الولايات المتحدة وإيران أو حدوث تصعيد كبير في الهجمات والأهداف.

إن إيران مصممة على الحفاظ على نفوذها على المضيق لأنها تعتبره إنجازها الوحيد من الحرب، والاتفاق مع عُمان سيضع إيران في موقف أفضل مما كانت عليه قبل جولة القتال الحالية. وتوصلت إيران إلى أن أفضل استراتيجية لها هي تعظيم الضرر الذي يمكنها إلحاقه بالولايات المتحدة وشركائها في المنطقة.

وكلما طال أمد المواجهة، ازداد الضغط على إدارة ترامب نتيجة ارتفاع أسعار النفط، وتراجع شعبيته، وتناقص المخزون من الذخائر واستياء الكونغرس. أن أي حل يبقي إيران مسيطرة على المضيق سيكون صعباً للغاية على الرئيس ترامب، ولكن لا يوجد حل عسكري أيضاً لإخراج إيران من سيطرتها على المضيق. فخيارات الرئيس ترامب الآن محصورة بين حرب خاسرة وسلام غير مقبول.