استطلاعات الرأي تشير لصعود وزير الأركان الأسبق وصعود نجم حزبه

بدأ البرلمان الإسرائيلي “الكنيست” عملية حله المطولة تمهيدًا للانتخابات العامة المقبلة، حيث يجب أن تُجرى الانتخابات في موعد أقصاه 27 أكتوبر المقبل، وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، منتصف يونيو، نيته الترشح في الانتخابات المقرر إجراؤها في وقت لاحق من هذا العام، وذلك في ظل الانتقادات الداخلية التي يواجهها بشأن قيادته خلال الحرب، وهنا يبرز السؤال الأهم: هل سيبقى بنيامين نتنياهو، رئيسًا للوزراء؟.
ويأتي السؤال وسط ما يثار حول شعبية “نتنياهو” وحلفائه من اليمن المتطرف، بعدهجمات حماس في أكتوبر 2023، وحروب “نتنياهو” الطويلة وغير الحاسمة في غزة ولبنان وإيران، ومدى تأثير ذلك على مكانته ومكانة حزبه “الليكود” اليميني.
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الليكود سيظل على الأرجح الحزب الأكبر، لكن ائتلاف “نتنياهو” الحاكم فقد جزءًا من شعبيته، وهو في طريقه لعدم الحصول على 61 مقعدًا اللازمة للأغلبية، وذلك إذا ما اتحدت أحزاب المعارضة الكافية بعد الانتخابات لتشكيل ائتلاف، فبإمكانها هزيمة “نتنياهو” وحلفائه من أحزاب اليمين المتطرف والأحزاب الدينية المتشددة.

الأحزاب المتنافسة في انتخابات الكنيست
حزب الليكود: نشر حزب الليكود على حسابه الرسمي على منصة X خمس كلمات “لا وجود لغادي بدون الطيبي”، ورافق الرسالة القصيرة مقطع فيديو تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي، يظهر السياسيين، غادي آيزنكوت وأحمد الطيبي، يقفان معًا أمام البرلمان الذي غطته غيوم داكنة.
وجاء في نهاية المنشور:” لا يمكن لآيزنكوت أن يشكل حكومة بدون العرب”، في إشارة إلى “الطيبي”، وهو نائب عربي بارز، ما يبرز عاملين مهمين في حملة الليكود، أولهما أن “نتنياهو” سيلجأ مجددًا إلى الخطاب المعادي للعرب الذي دأب حزبه على استخدامه لسنوات، وثانيهما أن رئيس الأركان السابق لإسرائيل آيزنكوت، ينظر إليه الآن على أنه التهديد السياسي الرئيسي لأطول زعيم في تاريخ البلاد.
حزب ياشار: الأشهر على الساحة الآن هو حزب “ياشار” والذي يعني (صادق أو مستقيم بالعبرية)، تأسس قبل عام ويتزعمه “آيزنكوت” رئيس الأركان الأسبق، وكان يعاني من تراجع شعبيته في معظم استطلاعات الرأي حتى وقت قريب، أما الآن، فتشير معظم الاستطلاعات إلى تقارب شعبيته مع حزب الليكود، وتقدمه على القائمة المشتركة التي شكلها بينيت ورئيس الوزراء السابق يائير لابيد، وسعى الاثنان إلى ضم آيزنكوت إلى كتلة موحدة مناهضة لنتنياهو، لكنه رفض واختار الترشح بشكل مستقل، وقد تفوق عليهما الآن في العديد من استطلاعات الرأي.
قد لا يكون اسم آيزنكوت معروفًا على الصعيد الدولي بعد، لكنه في إسرائيل بات يبرز بشكل متزايد، ليحل محل اسم رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، كمنافس رئيسي لنتنياهو.

التحول من نتنياهو إلى آيزنكوت
أظهر استطلاع رأي أجرته القناة الثانية عشرة مؤخرًا أن حزب آيزنكوت سيحصل على 21 مقعدًا في الكنيست، ليحتل بذلك المركز الثاني بعد حزب الليكود الذي حصل وفقًا للاستطلاعات على 23 مقعدًا، متقدمًا على حزب “بينيتلابيد” الذي حصل على 18 مقعدًا، وعند سؤال المشاركين عن المرشح الأنسب لرئاسة الوزراء، اختار 38% منهم آيزنكوت، بينما قال 36% إن نتنياهو هو الأنسب. وتشير استطلاعات رأي أخرى إلى اتجاه مماثل.
وينعكس هذا التحول في خطاب حزب الليكود، الذي بدأ يصور آيزنكوت كمنافس رئيسي لنتنياهو بعد أن كان يركز سابقًا على بينيت، كما انتشرت مقاطع فيديو دعائية تسخر من لكنة آيزنكوت الإنجليزية الواضحة، في تناقض صارخ مع أسلوب “نتنياهو” الدولي الراقي، الذي تخرج من مدرسة ثانوية في بنسلفانيا.
لكن هذا التناقض قد يكون أيضًا جزءًا من جاذبية آيزنكوت، فهو من حيث الأسلوب والشخصية العامة، نقيض نتنياهو تمامًا، أكثر من أي منافس آخر منذ سنوات، فهو هادئ الطباع، متواضع، وغير مثير للضجة، وليس من النوع الذي ينتشر على الإنترنت، وهو مخطط عسكري سابق يركز على الإجراءات والاستراتيجية.

مقارنة بين الاثنين
“نتنياهو” البالغ من العمر 76 عامًا، نجل مؤرخ ونشأ في أوساط النخبة في القدس، وخدم في وحدة الكوماندوز المرموقة “سيريت متكال”، أما “آيزنكوت” البالغ من العمر 66 عامًا، فهو الثاني بين تسعة أبناء لمهاجرين مغاربة، نشأ في طبريا وإيلات، خارج مراكز القوة والنفوذ التقليدية في إسرائيل، وكجندي ترقى في لواء جولاني ليصبح رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي باختيار “نتنياهو” من عام 2015 إلى عام 2019.
قال “نتنياهو” في حفل تقاعد “آيزنكوت” عام 2019:” تحت قيادتك يا غادي، أنجز جيش الدفاع الإسرائيلي عملا عظيمًا، نحييكم على ما قدمتموه من امتيازات عديدة كمقاتل وقائد”.

سبب تميز “آيزنكوت”
ترأس آيزنكوت في عام 2016، محاكمة إيلور عزاريا، وهو مسعف ميداني أدين بقتل مهاجم فلسطيني جريح في الخليل، وهي قضية أصبحت نقطة توتر سياسي حاد حول أخلاقيات الجيش وقواعد الاشتباك، وقد أيد “آيزنكوت” الإجراءات القانونية للجيش رغم الضغوط اليمينية الكبيرة، بما في ذلك من نتنياهو نفسه.
دخل “آيزنكوت” معترك السياسة عام 2022 تحت قيادة رئيس أركان عسكري سابق آخر “بيني غانتس” وانضما معًا إلى حكومة “نتنياهو” الحربية الطارئة بعد 7 أكتوبر، ومع مرور الوقت ازداد انتقاد “آيزنكوت” لسلوك الحكومة خلال الحرب وغياب استراتيجية واضحة، لا سيما فيما يتعلق بالرهائن المحتجزين في غزة.
كما أثرت الحرب على حياته الشخصية، بعد شهرين من بدء القتال، قتل ابنه الأصغر غال، في غزة، وقتل اثنان من أبناء إخوته لاحقًا في المعارك، كل ذلك بينما أمضى يائير نجل نتنياهو جزءًا كبيرًا من الحرب في ميامي، ولم يخدم في الاحتياط، وانسحب آيزنكوت وجانتس من حكومة الحرب الطارئة في 2024، معللين ذلك بعدم وجود خطة نهائية، وبعد عام انفصل آيزنكوت عن جانتس ليؤسس حزبه الخاص، الذي اكتسب زخمًا متزايدًا.

خلفيته كعامل تميز
قد تحمل خلفيته أهمية سياسية، فالناخبون المزراحيون، وهم يهود من أصول شرق أوسطية وشمال أفريقية، يشكلون تقليديًا قاعدة أساسية لحزب الليكود، لكن إسرائيل لم تشهد قط رئيس وزراء مزراحيًا، حتى النائب عن حزب الليكود ديفيد بيتان، أقر مؤخرًا في مقابلة بأن خلفية آيزنكوت وقصته الشخصية تمنحه ميزةً بالغة الأهمية.
يقول “أنشيل فايفر” مراسل مجلة الإيكونوميست في إسرائيل، ومؤلف إحدى سير نتنياهو، إن أيزنكوت يتميز عن منافسيه السابقين، فهناك اختبار إسرائيلي مستمر منذ عام 1996 للبحث عن الشخص القادر على إسقاط نتنياهو، أولئك الذين نجحوا، مثل إيهود باراك وأرييل شارون، فعلوا ذلك باختلافهم الجذري، أما الذين فشلوا، فغالبًا ما حاولوا تقليده، وهو نمط يصفه فايفر بـ”الطامحين إلى نتنياهو”، ويرى فايفر أن “آيزنكوت” لا يتبع هذا النهج، حيث لا يوجد سوى نتنياهو واحد، “آيزنكوت” هو أول من يحاول منذ سنوات التغلب على “نتنياهو” من خلال كونه نقيضه.

تحديات أمام نتنياهو وآيزنكوت
شبح إكمال المدة: في النظام التعددي الإسرائيلي المجزأ، نادرًا ما يكمل رؤساء الوزراء ولايتهم التي تمتد لأربع سنوات، حيث تنهار الائتلافات وتتشكل تحالفات جديدة، لهذا السبب وعلى الرغم من عدم شعبية “نتنياهو” سيظل من الصعب على أي من منافسي رئيس الوزراء تشكيل ائتلاف واسع بما يكفي لإزاحته.
التجنيد الإجباري: تتبنى حملة “آيزنكوت” شعار “خدمة للجميع”، في إشارة إلى إلزامية الخدمة العسكرية للطوائف الحريدية في إسرائيل، وهي طوائف متشددة تمتلك نفوذًا سياسيًا، وقد تجد هذه الحجج صدى لدى الإسرائيليين الذين سئموا الحرب أو إرسال أحبائهم للقتال.
إشراك العرب في الحكومة: سيتعين على من سيحكم الحكومة البت في مسألة إشراك الأحزاب التي يقودها العرب لتجاوز العتبة الانتخابية الـ61 مقعداً، وهو ما استغله نتنياهو وحلفاؤه من اليمين المتطرف كذريعة للهجوم على آيزنكوت.

طريقة الانتخابات الإسرائيلية
لن يدلي الناخبون بأصواتهم مباشرةً لنتنياهو أو لأحد منافسيه، بل سيصوتون لقوائم الأحزاب، التي قد تضم مرشحين من أكثر من حزب،وقد تتشكل أحزاب جديدة، ومن المتوقع أن تقوم بعض الأحزاب بتقسيم قوائمها أو دمجها، ويمكنها القيام بذلك حتى ستة أسابيع قبل الانتخابات، وعند إغلاق باب التسجيل، سيكون لهذه التغييرات تأثير كبير على ديناميكيات الحملة الانتخابية واتجاهات استطلاعات الرأي في المرحلة الأخيرة من السباق.يكفي أن تفوز القائمة بنسبة 3.25% فقط من الأصوات على مستوى البلاد للحصول على أي مقاعد،وفي عام 2022 تجاوزت عشر قوائم هذا الحد، كما ستفقد الأصوات المخصصة للقوائم التي لا تتجاوز العتبة، مما قد يؤثر على التوازن بين الكتل.
وبعد توزيع مقاعد الكنيست البالغ عددها 120 مقعدًا، سيتشاور الرئيس مع الأحزاب البرلمانية لتحديد الزعيم الذي سيكلف بتشكيل ائتلاف الأغلبية، قد تستغرق المفاوضات عدة أسابيع، بل وحتى أشهر قبل أن تسفر عن تشكيل حكومة جديدة.

سيناريوهات الانتخابات
فوز نتنياهو: في حاله فوزه فلا شك أن المجتمع الدولي سيتساءل عن سبب استمرار الناخبين الإسرائيليين في إعادة انتخاب رئيس وزراء لم تعد علاقاته مع قادة العالم خارج البيت الأبيض كما كانت.
فوز شخص آخر: لا يهم إن كان نفتالي بينيت، أو غادي آيزنكوت، أو غيرهما، فإذا شكّل أي شخص آخر غير نتنياهو حكومة، ستكون هذه فرصة ذهبية لتحسين صورة إسرائيل، ويجب اغتنامها فورًا.
قد لا يؤدي فوز “آيزنكوت” إلى أي تخفيف كبير في السياسة الإقليمية الإسرائيلية المتشددة التي أثارت غضب منتقدي “نتنياهو” الغربيين وساهمت في تراجع شعبية إسرائيل في الولايات المتحدة حليفتها الرئيسية، كما أن “نتنياهو” أشبه بهوديني سياسي، فهو يجد مخرجًا من مآزق لا تحل كل مرة.





