حسام الخشت
حسام الخشت

القرية المنتجة والهجرة الداخلية.. عندما تنفصل المبادرات عن المعرفة

هناك ظاهرة أصبحت تتكرر في إدارة كثير من ملفات التنمية في مصر، فكلما أعلنت الحكومة مبادرة جديدة، بدا وكأنها تبدأ من الصفحة الأولى، بينما تظل الصفحات السابقة ممتلئة بالدراسات والخطط والاستراتيجيات التي لا يعود إليها أحد.

وقد فرض هذا المعنى نفسه عليّ خلال الأيام الماضية وأنا أتابع ملفين بدا للوهلة الأولى أنهما منفصلان، بينما هما في الحقيقة وجهان لقضية واحدة.

الملف الأول كان دراسة حديثة صادرة عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية كشفت عن تحولات لافتة في خريطة الهجرة الداخلية في مصر، والملف الثاني كان إعلان الحكومة مشروع “المائة قرية المنتجة” الذي ناقشته داخل لجنة الصناعة بمجلس النواب، وتقدمت بشأنه بطلب إحاطة، كما سبق أن تقدمت بطلب إحاطة آخر بشأن نتائج دراسة الهجرة الداخلية.

وعندما وضعت الملفين جنبًا إلى جنب، وجدت أن السؤال الحقيقي ليس: كيف ننشئ قرية منتجة؟ وإنما: لماذا ما زال ملايين المصريين يغادرون قراهم أصلًا؟.

فالدراسة أوضحت أن عدد المهاجرين داخليًا تجاوز ثمانية ملايين مواطن، وأن الهجرة لم تعد مجرد انتقال من الريف إلى القاهرة، بل أصبحت تعبيرًا عن اختلال توزيع فرص العمل والخدمات والاستثمار بين المحافظات، والأخطر أن الانتقال إلى المدن لا يؤدي دائمًا إلى تحسين مستوى المعيشة، بما يُعني أن الهجرة أصبحت في كثير من الأحيان هروبًا من نقص الفرص، لا انتقالا إلى فرص أفضل.

ومن هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل يكفي أن ننشئ مائة قرية منتجة حتى تتغير هذه المؤشرات؟

الإجابة في تقديري: لا.

ليس لأن فكرة القرية المنتجة خاطئة، بل لأن أي مشروع تنموي لا يبدأ من فهم أسباب المشكلة، سيظل يدور حول نتائجها.

فمصر ليست فقيرة في الأفكار، لدينا السردية الوطنية للتنمية، وبرنامج الإصلاحات الهيكلية، وبرنامج التنمية المحلية في صعيد مصر، وعشرات الدراسات عن سلاسل القيمة، والتكتلات الإنتاجية، والميزة النسبية للمحافظات، وأنماط الهجرة الداخلية، والخرائط الاستثمارية، والتجمعات الصناعية والحرفية، وتجارب واسعة في المجمعات الصناعية والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.

لكن السؤال الذي لا نجد له إجابة هو: أين تذهب كل هذه المعرفة؟.

لماذا تبدو كل مبادرة جديدة وكأنها لم تطلع على ما سبقها؟.

ولماذا لا تتحول الدراسات التي تنفق عليها الدولة إلى مرجعية ملزمة عند صياغة السياسات الجديدة؟.

المشكلة في رأيي ليست نقص التخطيط، وإنما ضعف التراكم المؤسسي.

فنحن نكتب دراسة، ثم نكتب بعدها دراسة أخرى، ثم نطلق مبادرة جديدة، ثم لجنة جديدة، ثم عنوانًا جديدًا، بينما تظل المشكلات الأساسية كما هي.

لقد تعلمت الدول التي نجحت في التنمية أن المصنع ليس بداية التنمية، بل نتيجتها.

في إيطاليا سبقت التكتلات الصناعية بناء المصانع، وفي ألمانيا سبقت المؤسسات بناء الشركات، وفي الصين سبقت إصلاحات الإدارة والزراعة التوسع الصناعي.

أما نحن، فما زلنا نبدأ غالبًا بالمشروع قبل أن نبني البيئة التي تضمن نجاحه.

ولهذا فإن القرية المنتجة لن تصبح منتجة بمجرد إقامة مصنع داخلها، وإنما عندما تصبح جزءًا من اقتصاد محلي متكامل، يرتبط بالتعليم الفني، والتمويل، والتسويق، وسلاسل القيمة، والنقل، واللوجستيات، والأسواق، والصناعات الأكبر.

وقبل ذلك كله، يجب أن تكون مبنية على قراءة دقيقة لأنماط الهجرة الداخلية، والتركيب السكاني، والميزة النسبية لكل منطقة، والفرص الاقتصادية الحقيقية، وما نجح وما فشل من التجارب السابقة.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فشل مبادرة المائة قرية المنتجة، وإنما أن تصبح حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المبادرات التي تبدأ من الصفر، وتنتهي إلى الصفر، لأنها لم تبدأ من حيث انتهى الآخرون.

إن مصر ليست في حاجة إلى مائة قرية منتجة فقط، بل في حاجة إلى حكومة تمتلك ذاكرة مؤسسية، تبني كل سياسة جديدة على ما سبقها، وتتعلم من أخطائها قبل أن تكررها.

ومصر ليست في حاجة إلى مائة مصنع جديد فحسب، بل إلى مائة عقل يقرأ، ويحلل، ويربط بين الدراسات والسياسات، ويحول المعرفة إلى قرارات.

فالتنمية لا تبدأ بإطلاق مبادرة، وإنما تبدأ عندما تصبح الدولة قادرة على البناء فوق ما أنجزته بالأمس، لا أن تعيد اختراع العجلة في كل مرة.