
بداية الأزمة
خلال الأيام القليلة الماضية، تصاعد الجدل تحت قبة البرلمان بعد إيقاف مئات الآلاف من البطاقات التموينية بسبب مخالفات تتعلق بالبناء والكهرباء والزراعة، تقدم عدد من أعضاء مجلس النواب منهم النائب تامر عبدالقادر، والنائب بسام الصواف، والنائب أحمد العرجاوي، بعدد من طلبات الإحاطة للمطالبة بوقف الحذف العشوائي لنحو 850 ألف مواطن من الدعم، وإعادة تفعيل البطاقات التموينية لمن تم إيقافهم.
توصيات اقتصادية النواب
وعقب مناقشة طلبات الإحاطة، أوصت اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب، بوقف عمليات الحذف التمويني الناتجة عن تلك المخالفات وإعادة المحذوفين إلى منظومة الدعم، مؤكدة أن حرمان المواطن من التموين كعقوبة لمخالفة بناء أو كهرباء هو إجراء غير دستوري ولا يجوز معاقبة المواطن مرتين.
التموين تتمسك بالإيقاف
وجاءت توصيات اللجنة الاقتصادية بمثابة رسائل طمأنينة للمواطنين، وأن الأزمة على وشك الانتهاء، إلا أن وزارة التموين تفاجئنا أمس الخميس ببيان تتجاهل فيه توصيات اللجنة الاقتصادية للنواب وتؤكد أن الإيقاف لا يتم إلغاؤه إلا بانتهاء المخالفة.
وقالت وزارة التموين والتجارة الداخلية في بيانها نصًا إن إيقاف بعض البطاقات التموينية في الحالات المرتبطة بالمخالفات المنصوص عليها بقرارات مجلس الوزراء ومنها التعدي بالبناء على الأراضي الزراعية أو البناء المخالف أو سرقة التيار الكهربائي أو صرف معاشات بدون وجه حق يعد إجراءً مؤقتاً يستمر طالما استمرت المخالفة.

لكن بيان الوزارة لم ينه الجدل، بل أعاد الأزمة إلى نقطة الصفر فتح الباب أمام موجة جديدة من الانتقادات داخل البرلمان، خاصة بعدما اعتبر عدد من النواب أن الوزارة تجاهلت توصيات اللجنة الاقتصادية، بالإضافة إلى استيائهم أيضا من تصريحات الدكتور شريف فاروق، وزير التموين والتجارة الداخلية بشأن ذات القضية إذ قال “نحن جهة تنفيذ ولسنا جهة قرار” ،معربين عن نيتهم في تصعيد الأمور ومخاطبة مجلس الوزراء.
تصريحات وزير التموين تشعل الجدل

من جانبه قال النائب تامر عبدالقادر، للأسف تصريحات وزير التموين أنها جهة تنفيذ فقط تنم عن عدم مسئولية ، وخلل واضح في سياسة الحكومة التي تظهر أمام الرأي العام أنها في جزر منعزلة، وهذا ينعكس بالسلب ويرمي إلي التنصل من المسؤولية.
خطوات تصعيدية محتملة
وأكد “عبدالقادر” في تصريح خاص لـ”ليبرالي” أنه في حال عدم إلتزام الحكومة بتوصيات المجلس سيكون هناك خطوات تصعيدية أخرى باستخدام الأدوات الرقابية.
وشدد على ضرورة أن تراجع الحكومة نفسها نحو سرعه تطبيق الدعم النقدي دون تشغيل تجريبي يرصد السلبيات ويعالجها أولا ، حتي لا تحرم ملايين البسطاء من دعم هم أحوج إليه في ظل ظروف اقتصادية صعبة ، وخطوات حكومية لمعالجة الوضع لم تؤتي بثمارها.
أعباء إضافية على المواطنين

ومن زاوية أخرى، ركز النائب بسام الصواف على الأعباء التي يتحملها المواطن نتيجة إجراءات إعادة تفعيل البطاقة بعد وقفها.
وأشار إلى أن طلب الإحاطة الذي تقدم به كان بشأن وقف آلاف البطاقات التموينية بسبب مخالفات الكهرباء، موضحًا أن نحو 3 آلاف بطاقة في محافظة الفيوم و2700 بطاقة في محافظة أسيوط تم إيقافها بناءً على مخاطبات من وزارة الكهرباء لوزارة التموين، نتيجة وجود مستحقات أو مخالفات تتعلق بالكهرباء.
التظلمات .. دورة مفرغة لا تحقق العدالة
وأوضح “الصواف” في تصريح خاص لـ”ليبرالي” أن المواطن يفاجأ بإيقاف بطاقته التموينية دون معرفة السبب، ثم يضطر إلى مراجعة شركة الكهرباء، وسداد المستحقات أو إنهاء إجراءات المخالفة، والحصول على شهادة تفيد بذلك مقابل رسوم، قبل التوجه مرة أخرى إلى وزارة التموين لإعادة تفعيل البطاقة، وهو ما يمثل دورة إجرائية مفرغة مرهقة لا تحقق العدالة.
وأكد الصواف أن هذا الإجراء يعد عقوبة مزدوجة على الفعل نفسه، فالمواطن يُحاسب من خلال الإجراءات القانونية التي تتخذها وزارة الكهرباء، ثم تمتد العقوبة إلى حرمان أسرته من الدعم التمويني، رغم أن أفراد الأسرة ليسوا طرفًا في المخالفة، لافتًا إلى أن كثيرًا من الأسر تعتمد بشكل أساسي على السلع المدعمة التي تُصرف عبر بطاقات التموين.
وأضاف أن توصية اللجنة الاقتصادية، التي انتهت إليها المناقشات أكدت ضرورة عدم ربط استحقاق الدعم التمويني بمخالفات الكهرباء، باعتبار أن لكل منظومة اختصاصها، وأن معايير استحقاق الدعم يجب أن تستند إلى المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية التي وضعتها الدولة، مثل مستوى الدخل، والقدرة المالية، وامتلاك أصول مرتفعة القيمة، أو إلحاق الأبناء بمدارس دولية، وغيرها من محددات الاستحقاق.
وأشار إلى أن باب التظلمات مفتوح، وأن المواطنين الذين أنهوا إجراءات تسوية مخالفات الكهرباء يمكنهم التقدم بطلبات لإعادة تفعيل بطاقاتهم التموينية بعد تحديث بياناتهم على المنظومة، مطالبًا بإنهاء هذا الربط نهائيًا حتى لا يتحمل المواطن وأسرته آثار عقوبة لا تتعلق بمنظومة الدعم التمويني.
وانتقد “الصواف” تجاهل لحكومة متمثلة في وزارة التموين توصيات اللجنة قائلا “من غير المقبول عدم الالتزام بتوصية صادرة عن لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب أو أي لجنة أخرى، وعلى ضوء ذلك، ستتم مخاطبة مجلس الوزراء رسميًا، وذلك للرد كتابيًا بشأن ما آل إليه تنفيذ التوصية، والإجراءات التي اتُخذت بخصوصها وبناءً على رد مجلس الوزراء، وبالتنسيق مع وزارة الشؤون النيابية، سيكون هناك إجراء آخر.
التحدي المحتمل
وفي الوقت الذي انصب فيه الجدل البرلماني على وقف البطاقات وآليات التظلم، وتجاهل الحكومة طلبات النواب، طرح حزب العدل رؤية أشمل لكيفية إصلاح منظومة الدعم بالكامل.

ويرى الدكتور محمد فؤاد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، أن الأزمة لا تكمن فقط في وقف بعض البطاقات التموينية، وإنما في فلسفة استحقاق الدعم نفسها.
وأكد في تصريحه لـ”ليبرالي” أن التركيز على البحث عن غير المستحقين واستبعادهم، بدلًا من بناء نظام متكامل لتحديد المستحقين بصورة موضوعية خطأ فادح، وأن استبعاد أسرة مستحقة قد تكون آثاره الاجتماعية والاقتصادية أكثر خطورة من إدراج أسرة غير مستحقة بصورة مؤقتة.
وأشار أن التجارب الدولية أن النظم الأكثر كفاءة تعتمد على تقييم شامل للدخل والثروة ومستويات الإنفاق والهشاشة الاجتماعية، وليس فقط على استبعاد بعض الفئات وفق معايير جزئية محذرا من تفاوت التطبيق بين الجهات المختلفة، وزيادة التظلمات والنزاعات واستبعاد أسر مستحقة من البرنامج، وتراجع الثقة العامة في عدالة المنظومة.
وأوصى “فؤاد” بضرورة تطوير نظام موحد لتقييم الاستحقاق يعتمد على قواعد بيانات مترابطة ومحدثة بصورة دورية، ويستخدم منهجية تقييم شاملة للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للأسر، وإقرار معايير استحقاق معلنة وقابلة للقياس الكمي، مع إنشاء نظام رسمي للتظلمات والمراجعة يسمح بتصحيح الأخطاء، وإعادة تقييم الحالات بصورة دورية.
وبين تمسك وزارة التموين باستمرار الإيقاف حتى إزالة المخالفة، رفض عدد من النواب للعقوبة المزدوجة لعدم دستوريتها وتعرضها مع فلسفة الدعم، تبدو الأزمة مرشحة لمزيد من التصعيد خلال الفترة المقبلة، خاصة مع اتجاه البرلمان لاستخدام أدواته الرقابية ومطالبة الحكومة بإعادة النظر في آليات استحقاق الدعم وربطه بالمؤشرات الاقتصادية والاجتماعية فقط.





