
نواف بشير
انتهت رحلة منتخبنا الوطني في مونديال 2026 عند محطة دور الـ 16 بعد مباراة بطولية أبهرت الجميع أمام المنتخب الأرجنتيني (حامل لقب النسخة الماضية)، والتي خسر فيها المنتخب3ـ2 في الدقائق الأخيرة.
ورغم مرارة الخروج، إلا أن منتخب مصر غادر البطولة برؤوس مرفوعة وفخر كبير بهذا الجيل الاستثنائي الذي أعاد صياغة تاريخ الكرة المصرية في المحافل العالمية.
وإن الخسارة أمام بطل العالم لا تقلل أبداً من حجم الإنجاز، بل تؤكد أن الفجوة مع المنتخبات العالمية الكبرى قد تلاشت، وأن ما تحقق صيف هذا العام هو حجر الأساس لعهد جديد ومشرق.
كسبنا في هذا المونديال جيلًا من الشباب الواعد؛ بداية من حارس المرمى الأمين مصطفى شوبير الذي زاد عن مرماه ببسالة الكبار، ومرورًا بصخرة الدفاع ياسر إبراهيم ورامي ربيعة وحسام عبد المجيد، والجناح السريع هيثم حسن، وباقي النجوم.
هؤلاء الرجال شاركوا وصنعوا الفارق، واثبتوا للجميع أنهم كفاءات شابة كانت مدفونة في الملاعب وتحتاج فقط لمن يكتشفها ويمنحها الثقة الكاملة، ليكون الرهان على ابن البلد والشباب هو الرهان الرابح دائماً للمستقبل.

أرقام حطمت عقدة القرن
لكي ندرك قيمة الإنجاز الذي حققه الكابتن حسام حسن مع هؤلاء الرجال، لا يجب أن نترك نتيجة مباراة اليوم تحجب شمس الأرقام الاستثنائية التي تحققت لأول مرة في تاريخ مصر:
عبور دور المجموعات لأول مرة: كسرنا العقدة التاريخية التي لازمت الكرة المصرية لقرن كامل من الزمان.
شخصية انتصارية في المونديال: ودعنا عهد التمثيل المشرف والتعادلات الخجولة، وحققنا أول انتصارات حقيقية وحاسمة لمصر في تاريخ كأس العالم.
إنهاء زمن الخوف والعقم التهديفي: تخلصنا تماماً من الأسلوب الدفاعي البحت الذي فُرض علينا في المشاركات السابقة (١٩٩٠، ٢٠١٨، ٢٠٢٢)، وشاهدنا منتخباً يمتلك الشجاعة ليلعب كرة هجومية، ويسجل، ويهدد أي منافس مهما كان اسمه.

“المقاتل المحلي” في مواجهة “الموظف الأجنبي“
كل المباريات التي خضناها في هذه البطولة، من أول دقيقة في دور المجموعات وحتى ملحمة الليلة، كانت درساً تكتيكياً ونفسياً يؤكد ضرورة الاعتماد على الكوادر الوطنية. المدرب الأجنبي -مهما كان اسمه أو تاريخه- يأتي إلى منتخباتنا بعقلية “الموظف المحترف”؛ يهمة تطبيق أفكار جافة داخل الملعب، وتأمين راتبه بالعملة الصعبة، ثم يرحل فور انتهاء عقده أو مع أول إخفاق.
أما حسام حسن، فقد أدار البطولة برمتها بدوافع ومفاتيح مختلفة تماماً ظهرت في كل مواجهة:
فهم سيكولوجية اللاعب المصري: لاعبنا شرقي بطبعه، تحركه العاطفة، الكرامة، ونبض الشارع. حسام حسن خرج من قلب الحارة المصرية، ويعرف كيف يدخل غرفة الملابس ويحول الضغط النفسي إلى طاقة قتالية و”جرينتا” تهد الصخر في كل مباراة نخوضها.
المهمة الوطنية كمعركة شرف: المدرب الوطني لا يبحث عن تحسين سيرته الذاتية (CV)، بل يرى في قيادة منتخب بلاده مهمة مقدسة طوال المشوار، هدفها الأول والأخير إسعاد ملايين البيوت المصرية التي تنتظر فرحة حقيقية.

العقول الوطنية تقود الثورة الكروية في العالم
وما نراه في مصر اليوم ليس مجرد صدفتنا وحدنا، بل هي خريطة الكرة العالمية التي تتغير الآن لحساب “أبناء الأرض” والمدربين الوطنيين:
ـ المدرسة المغربية وامتدادها التاريخي: عندما تخلصت الكرة المغربية من عقدة الخواجة ووثقت في ابنها وليد الركراكي في 2022، قادهم للمربع الذهبي عالمياً بمفهوم “العائلة والنية” في إنجاز تاريخي غير مسبوق. وهو نفس المشروع المستدام الذي يستكمله بقوة الآن المدرب الوطني محمد وهبي خلفاً للركراكي في النسخة الحالية لمونديال 2026، لتؤكد المغرب أن الإنجازات الكبرى لا يصنعها ولا يحافظ عليها إلا من يتحدث بلغة الأرض ويفهم كبرياء القميص الوطني.
ـ السنغال وأليو سيسيه: قاد مشروعه لسنوات، بنى جيلاً متكاملاً يربط الناشئين بالفريق الأول، وتوج بأفريقيا ووصل المونديال، لأنه ابن البلد الذي يمتلك الصبر على مشروعه، وليس أجنبياً مستعجلاً يرحل مع أول مطب.
أي منتخب في العالم اليوم يثق في مدرب وطني مؤهل ومخلص، يكتب تاريخاً جديداً، لأن الانتماء وفهم الثقافة المحلية هما الأساس، وليست هوية أو لون جواز السفر.

مشروع المستقبل
هذا الخروج المشرّف لا يعني النهاية، بل يضعنا جميعاً أمام مسؤولية التأسيس لنسق رياضي جديد يعتمد على هذه الركائز:
الاعتماد الكامل على المدرب المصري: يجب أن تكون الأولوية المطلقة في كافة المنتخبات والمراحل السنية للمدرب المصري المؤهل لضمان استمرار الروح.
الاستثمار في الداخل وليس الخارج: الملايين والعملات الصعبة التي كانت تُهدر على الأجهزة الفنية الأجنبية، أولى بها ملاعب مراكز الشباب في المحافظات والأكاديميات المحلية التي تخرج المواهب من قلب مصر.
صناعة وتأهيل المدربين الشباب: إطلاق برامج رعاية ومعايشات خارجية للمدربين المصريين الشباب، لدمج “الروح والجرينتا المصرية” مع أحدث علوم التدريب في العالم.





