
تُحيي الساحة الفنية والجماهيرية ذكرى رحيل الفنان القدير مصطفى متولي، الذي غيبه الموت في الخامس من أغسطس عام 2000، تاركاً إرثاً سينمائياً ومسرحياً وتلفزيونياً حافلاً يزيد عن 151 عملًا وقد تميز الراحل بحضور استثنائي وموهبة فطرية مكّنته من ترك بصمة لا تُمحى في ذاكرة السينما والدراما العربية، فضلاً عن سيرة إنسانية حافلة بالتواضع والارتباط بموطنه الأصلي.

البدايات المدرسية والانطلاق من بيلا
شهدت مدينة بيلا بمحافظة كفر الشيخ مولد مصطفى متولي في 29 أغسطس 1949، ومن على خشبة مسرح مدرسة الاتحاد الابتدائية بزغت شرارة شغفه المبكر بالتمثيل ولم يكتفِ متولي بموهبته الفطرية، بل سعى إلى صقلها بالدراسة الأكاديمية في المعهد العالي للفنون المسرحية بالقاهرة، لينتقل بعدها إلى العاصمة باحثاً عن فرصة يثبت بها نفسه بين نجوم جيله وبدأ مشواره المهني بخطوات ثابتة عبر مشاركات مسرحية على مسرح الحكيم وبعض الأدوار الصغيرة في الأفلام السينمائية، لينطلق بعدها نحو تثبيت أقدامه كأحد أبرز نجوم وقامات جيله.

حضور سينمائي ودرامي واستثنائية “محفوظ سردينة”
ترك مصطفى متولي بصمات جليّة في تاريخ السينما المصرية مشاركاً في أعمال كلاسيكية بارزة، مثل “الكرنك”، “ضربة شمس” “حتى لا يطير الدخان”، “شمس الزناتي”، و”اللعب مع الكبار” وعلى مستوى الشاشة الصغيرة، قدّم تنوعاً لافتاً في أعمال تاريخية ودرامية كبرى، منها “رأفت الهجان”، “عمر بن عبد العزيز”، “أم كلثوم”، و”أوبرا عايدة” وتظل شخصية “محفوظ سردينة” في مسلسل “لن أعيش في جلباب أبي” محطة استثنائية وجماهيرية فارقة في مسيرته الفنية، حيث أداها ببراعة واقتدار واعتبرها وش السعد عليه.

ثنائية النجاح مع عادل إمام والرد على الانتقادات
شكّل مصطفى متولي ثنائياً فنياً وإنسانياً وثيقاً مع الزعيم عادل إمام، شقيق زوجته السيدة إيمان، حيث جمعتهما كيمياء خاصة أثمرت عن أكثر من 17 عملاً سينمائياً ومسرحياً بارزاً، من بينها “سلام يا صاحبي”، “المنسي”، “الإرهابي”، و”بخيت وعديلة”، وصولاً إلى مسرحية “بودي جارد” وفي لقاء تلفزيوني سابق، أوضح متولي موقفه من الانتقادات التي طالته بسبب تكرار العمل مع عادل إمام، مؤكداً أن الوقوف أمام نجم بحجم الزعيم يضمن للعمل انتشاراً واسعاً ويصل به لأكبر قاعدة جماهيرية، مشبهاً ذلك بالفرق بين النشر في صحيفة محدودة التوزيع وأخرى واسعة الانتشار، ومشدداً على أن النجومية واستمرار النجاح يتوقفان في النهاية على موهبة الممثل وقدرته على فرض حضوره أمام الشاشة.

الوداع الأخير فوق الخشبة ومطالبات بتخليد الذكرى
جاءت نهاية مشواره الفني بشكل درامي ومؤثر في ليلة 5 أغسطس 2000 فبعد فترة انقطاع، حرص متولي في صبيحة ذلك اليوم على زيارة صديقيه علاء ولي الدين ومحمود الجندي في منزليهما، قبل أن يتوجه إلى المسرح لتقديم دوره في مسرحية بودي جارد» “بكفاءة واقتدار وعقب انتهاء العرض، جلس في سهرة ودية جمعته بعادل إمام وسعيد عبد الغني ومحمود الجندي حتى ساعات الفجر الأولى، ليصاب فور عودته لمنزله بأزمة قلبية مفاجئة أودت بحياته عن عمر ناهز 50 عاماً. بالتزامن مع ذكرى رحيله، أكدت أسرته وأقاربه في بيلا أنه ظل حريصاً على التواضع والتواصل مع أهل بلده، ومؤخراً جددت أسرته وأهالي المدينة مطالبهم لمحافظ كفر الشيخ بإطلاق اسمه على أحد شوارع مسقط رأسه تكريماً لمسيرته الحافلة، يظل الفنان مصطفى متولي نموذجاً استثنائياً للفنان الشامل الذي جمع بين الالتزام الموهبي والتواضع الإنساني ورغم رحيله المبكر، فإن أعماله الخالدة وتنوع أدواره بين الكوميديا والتراجيديا تجعل اسمه حاضراً وبقوة في ذاكرة الفن العربي كأحد أبرز صنّاع البسمة والأثر الدرامي العميق.





