في ذكرى رحيله.. الإسكندرية تحيي أسطورة «فنان الشعب» سيد درويش من قلب كوم الدكة

تزامنًا مع العاشر من سبتمبر، أحيت مدينة الإسكندرية والهيئة العامة لقصور الثقافة، ذكرى رحيل “فنان الشعب” ومجدد الموسيقى العربية الحديثة، الشيخ سيد درويش (1892 – 1923)، عبر سلسلة من الفعاليات الثقافية والليالي الطربية التي انطلقت من قلب مسقط رأسه بحي “كوم الدكة” والعديد من المواقع الثقافية، للربط بين إرث الموسيقار الراحل والوجدان المصري المعاصر.

أزقة “كوم الدكة” تحتفي بابنها البار
شهد حي “كوم الدكة” العريق بوسط الإسكندرية حراكًا فنيًا وثقافيًا واسعًا شارك فيه أهالي الحي وقيادات الثقافة، حيث تزينت الشوارع المؤدية إلى منزل درويش برسومات الجرافيتي واللوحات التشكيلية التي تبرز صورته وكلمات أشهر أغانيه، فيما تزينت المقاهي الشعبية بصوره التاريخية وأصداء ألحانه الخالدة.
ونظم فرع ثقافة الإسكندرية بالتعاون مع جمعية أهالي كوم الدكة للتنمية، لقاءات توثيقية تناولت محطات نشأته، وتأثير البيئة السكندرية ورحلتيه التأسيسيتين إلى الشام في تشكيل رؤيته التجديدية، كما شملت الفعاليات ورشًا للفنون التشكيلية وأمسيات شعرية، واختُتمت بليالٍ طربية قدمت فيها فرقة “مصطفى كامل للموسيقى العربية” باقة من أروع ألحانه مثل “الحلوة دي”، “محسبكو أنداس”، “أنا المصري”، و”شد الحزام”.

مطالبات شعبية بإعادة إعمار المنزل التاريخي
على الرغم من حالة الإهمال وتآكل أجزاء كبيرة من المنزل التاريخي لسيد درويش في “كوم الدكة”، والذي لم يتبقَ منه سوى جدران وأطلال متهالكة، فقد جدد أهالي المنطقة والمثقفون مطالباتهم الشديدة للجهات المعنية بضرورة الإسراع في ترميم الموقع وتحويله إلى مزار ثقافي ومتحف قومي يضم مقتنياته وتسجيلاته النادرة، ليكون شاهدًا حيًا على حقبة تاريخية فارقة في تاريخ الفن المصري.

السيرة والمسيرة.. كيف صنع سيد درويش “ثورة النغم”؟
ولد سيد درويش البحر في 17 مارس 1892 بحي كوم الدكة وحفظ القرآن الكريم في كُتّاب “سيدي أحمد الخياش”، وتجلت موهبته الصوتية مبكرًا في مدرسة “شمس المدارس” برأس التين ثم المعهد الديني بمسجد أبي العباس ومسجد الشوربجي، حيث عمل مؤذنًا وعقب وفاة والده عام 1907، واجه ظروفًا مالية صعبة دفعت به للعمل مناولاً لعمال البناء، وكان يشدو بألحانه الفولكلورية لرفع روح العمال المعنوية، حتى تصادف مرور الأستاذين سليم وأمين عطا الله، اللذين استمعا إلى صوته وقررا ضمه لفرقتهما المسرحية المتجهة إلى الشام، لتكون هذه المحطة بوابته الأولى نحو عالم الاحتراف.

أحدث سيد درويش ثورة حقيقية بنقله الموسيقى من صالونات الخاصة ومجالس الأمراء إلى الشارع، لتعبر عن طموحات وآلام البسطاء من العمال والحرفيين، حيث وضع اللبنات الأولى لمفهوم “التعبير الدرامي باللحن” والتوزيع الموسيقي المتعدد الأصوات، ممهدًا الطريق لنهضة المسرح الغنائي بالتعاون مع بديع خيري وبيرم التونسي، ونجوم المسرح مثل نجيب الريحاني وعلي الكسار.

بلادي بلادي
وارتبط اسم درويش بنضال الشعب المصري ارتباطًا وثيقًا، إذ أصبحت ألحانه بيانًا غنائيًا لثورة 1919 فلحّن النشيد الوطني الحالي “بلادي بلادي” المقتبس من خطب الزعيم مصطفى كامل، ولحّن عشرات الأناشيد الخالدة مثل “قوم يا مصري”، “أنا المصري كريم العنصرين”، و”يا بلح زغلول” التي احتالت على رقابة المستعمر بعد نفي سعد زغلول، بالإضافة إلى ألحان وطنية أخرى مثل “يا ناس بلادي ما انسهاشي” و”دقات الطبول”.

الإرث الخالد
رحل سيد درويش بشكل مفاجئ في 10 سبتمبر 1923 عن عمر يناهز 31 عامًا فقط، تاركًا خلفه رصيدًا غنائيًا ومسرحيًا ضخمًا يضم أكثر من 20 مسرحية غنائية شهيرة مثل “شهرزاد” و”العشرة الطيبة” و”الباروكة”، إلى جانب عشرات الألحان التي أسست لمدرسة موسيقية نهل منها كبار الملحنين في الوطن العربي من محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي إلى الأخوين رحباني. ويبقى سيد درويش بتكريم مقامه في مسقط رأسه وبقاء ألحانه حية في الوجدان الجمعي، الصوت الحقيقي للروح المصرية وفنان الشعب الذي لا يموت.






