الرئيسيةملفات

رصاصتان وعين صناعية.. «عم رأفت فنجري» يروي حكاية مقاتل من المجموعة 39 في حرب أكتوبر

من صفوف المجموعة 39 إلى ورشة الهرم.. «عم رأفت»: مقاتل فقد عينه ولم يفقد روح القتال

البطل المقاتل رأفت فنجري

في أحد الشوارع المتفرعة من شارع الهرم بالجيزة، وبين أصوات محركات السيارات ورائحة الزيوت والشحوم، يجلس عم «رأفت فنجري»، ابن مركز ديروط بمحافظة أسيوط، البالغ من العمر 76 عامًا، أمام ورشة صغيرة لإصلاح السيارات يعمل فيها بيديه.

قد يراه المارة مجرد رجل مسن يمارس مهنة شاقة بحثًا عن رزقه، لكن وراء ملامحه حكاية مقاتل شارك في حرب أكتوبر 73 ضمن «المجموعة 39 قتال» التي شكلها الشهيد إبراهيم الرفاعي، وخاض معها صفحات من البطولات في واحدة من أهم مراحل التاريخ العسكري المصري.

وبعين صناعية حلت محل عينه التي فقدها خلال الحرب، ورصاصتان لا تزال آثارهما وندباتهما شاهدة على ما تعرض له جسده النحيل طوال سنوات القتال، ورغم أن السنوات أنهكت جسده، فإنه لا يزال يحتفظ بصلابة المقاتل الذي لم يتراجع يومًا أمام الخطر.

وفي صبيحة كل يوم، يستيقظ عم رأفت على صورة متآكلة معلقة على جدار منزله، يرتدي فيها الزي الميري للقوات الخاصة المصرية، لتعيد إلى ذاكرته أمجاد الماضي وبطولاته التي عاشها خلال سنوات القتال، قبل أن يفتح أبواب ورشته الصغيرة، ويبدأ يومًا جديدًا من رحلة السعي والعمل.

من الرفض إلى صفوف الأبطال

عاد «عم رأفت» بذاكرته إلى سنوات النكسة والهزيمة، عندما التحق بالقوات المسلحة وكان عمره وقتها 22 عامًا، ضمن إحدى وحدات المشاة، وعندما علم بوصول وفد لاختيار فدائيين للمشاركة في المجموعة التي أسسها البطل الشهيد إبراهيم الرفاعي، تقدم للانضمام، لكنه فوجئ بالرفض بسبب قصر قامته ونحافة جسده، ولم يكن الرفض كافيًا لإبعاده عن هدفه؛ فقد أصر على المشاركة، ورغم قسوة التدريبات والضغط الكبير أثناء الاختبارات والتمارين، لم يتراجع، وظل مصرًا على استكمال الطريق حتى أصبح واحدًا من أبطال المجموعة التي خُلدت بطولاتها في كتب التاريخ العسكري المصري.

وتذكر «عم رأفت» لحظة الاختيار الأولى قائلًا:

«عندما دخلت للانضمام للقوات المسلحة قيل لنا: من ليس لديه رغبة في القتال يرجع خطوة للخلف.. وكنت في اصطفاف، ولم يتحرك أحد منا من مكانه».

واصل القتال رغم إصابته

عندما يستعيد عم رأفت ذكريات المعارك التي خاضها، تتغير نبرة صوته، لكنه يظل حريصًا على عدم الخوض في التفاصيل، فبالنسبة له، ما جرى قبل أكثر من نصف قرن لا يزال يحمل جانبًا من أسرار العمل العسكري، ولا يرى أن مرور السنوات يمنحه الحق في الكشف عن معلومات يعتبرها أسرارًا عسكرية، ومع ذلك، يتوقف عند واقعة واحدة لا تزال عالقة في ذاكرته؛ حيث نفدت ذخيرته خلال إحدى المعارك، وتعرض لإصابات بطلقات نارية، لكنه واصل القتال مستخدمًا ذراعه، وتمكن في النهاية من العودة بأحد المصابين من الجانب الآخر أسيرًا.

وعن تلك المواجهات التي خاضها، قال:

«تأكدت من حقيقة أن الصهاينة أجبن خلق الله عند المواجهة المباشرة».

ورغم مرور عشرات السنوات على انتهاء خدمته العسكرية، لا يزال موقف عم رأفت من الحرب والتضحية ثابتًا، مؤكدًا أنه إذا طُلب منه العودة إلى القتال مرة أخرى، فلن يتردد لحظة واحدة، حتى مع انتظاره لإجراء عملية قلب مفتوح، حاملاً داخله إيمانًا كبيرًا ببلده ومستقبلها، مستشهدًا بالآية القرآنية: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾، مؤكدًا أن مصر، رغم الأزمات والمشكلات التي يمر بها العالم، «محفوظة لأسباب يعلمها جيدًا».

روح لا تتراجع خطوة

قصة عم رأفت ليست فقط قصة مقاتل فقد عينه وأصيب بطلقات الرصاص في ميادين القتال، وإنما قصة جيل كامل حمل السلاح في ظروف قاسية، ثم عاد إلى الحياة المدنية دون أن يبحث بالضرورة عن الأضواء، من مجموعة 39 قتال إلى ورشة سيارات في شارع متفرع من شارع الهرم، تغير المكان وتغيرت السنوات، لكن المقاتل الذي أصر يومًا على اجتياز الاختبارات رغم سخرية البعض من جسده القصير والنحيف، لا يزال يحتفظ بداخله بروح ذلك الشاب الذي لم يتراجع خطوة عندما قيل لهم: «من ليس لديه رغبة في القتال يرجع خطوة للخلف».

وتبقى صورته بالأوفرول الميري الشاهد الحي على تاريخه العظيم، ويبقى عم رأفت واحدًا من هؤلاء الذين قد لا تعرف أسماءهم الأجيال الجديدة، لكن أجسادهم تحمل آثار معارك شاركوا فيها، وذاكرتهم تحتفظ بحكايات لا يزال بعضها، حتى بعد أكثر من نصف قرن، خارج حدود الكلام.

زر الذهاب إلى الأعلى