مقالات

صراع الممرات «٥-١٠» قناة بنما.. عندما تصبح التجارة ساحة للصراع

إذا كانت قناة السويس تمثل أحد أهم مفاتيح الطريق بين آسيا وأوروبا، فإن قناة بنما تمثل مفتاحًا آخر بالغ الأهمية، لأنها تختصر الطريق بين المحيطين الأطلسي والهادئ، وتمنح من يملك القدرة على التأثير فيها ورقة مهمة في حركة التجارة العالمية.

ولهذا لم تعد قناة بنما مجرد مشروع هندسي ناجح، وإنما أصبحت جزءًا من حسابات القوة والنفوذ، خصوصًا مع تصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين.

واللافت أن الحديث عن القناة لم يعد يدور فقط حول حركة السفن وإيرادات العبور، وإنما حول من يمتلك النفوذ الاقتصادي والاستراتيجي في محيطها، ومن يستطيع التأثير في الموانئ والخدمات المرتبطة بها.

وهنا يمكن فهم جانب مهم من اهتمام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقناة، واعتراضه على تنامي النفوذ الصيني حولها. فبالنسبة لواشنطن، لا يمكن النظر إلى ممر يربط محيطين ويخدم جزءًا مهمًا من التجارة الأمريكية باعتباره مجرد منشأة تجارية بعيدة عن الحسابات الجيوسياسية.

وفي المقابل، فإن الوجود الاقتصادي الصيني في بنما وحول القناة جعلها واحدة من نقاط التنافس في الصراع الأكبر بين القوتين، خاصة مع محاولة كل طرف تأمين طرق تجارته وتقليل قدرة الطرف الآخر على التأثير فيها.

لكن هناك عاملًا آخر يثبت أن صراع الممرات لا يرتبط بالسياسة وحدها.

المناخ أيضًا أصبح لاعبًا في هذه المعادلة.

فقناة بنما تعتمد على المياه العذبة لتشغيل نظام الأهوسة، وقد أدت موجات الجفاف السابقة إلى تقليص أعداد السفن العابرة، بينما تواجه القناة في 2026 قيودًا جديدة على عدد السفن بسبب توقعات بتراجع الأمطار مع ظاهرة النينيو.

وهنا تظهر المفارقة: ممر صنعته إرادة الإنسان قد يصبح مستقبلًا رهينة لعوامل طبيعية لا يملك الإنسان السيطرة الكاملة عليها.

وبالنسبة لمصر، فإن أهمية تجربة بنما لا تتعلق بالمنافسة معها، وإنما بما يمكن أن نتعلمه منها، فالممرات العالمية لم تعد مجرد طرق للعبور، وإنما أصبحت منظومات متكاملة تتداخل فيها التجارة والموانئ والطاقة والخدمات اللوجستية والسياسة والأمن.

ولهذا فإن السؤال في «صراع الممرات» ليس فقط: من يملك القناة؟.

بل: من يملك النفوذ حول القناة؟ ومن يستطيع أن يجعل هذا الممر جزءًا من قوته الاقتصادية والاستراتيجية؟.

ومن هنا ننتقل في المقال القادم إلى مكان يبدو بعيدًا جدًا عن القنوات والمضائق التقليدية، لكنه قد يصبح واحدًا من أهم ممرات العالم في المستقبل:

جرين لاند.. عندما يصبح القطب الشمالي ساحة جديدة للصراع.

زر الذهاب إلى الأعلى