
- د. حسام بدراوي: أنا رجل إصلاحي بالأساس.. والإصلاح الحقيقي يبدأ من داخل مؤسسات الدولة.
- أنا قلق جدًا وبشكل عميق من وصول الإرهاق المجتمعي إلى حدود تتجاوز الاحتمال.
- طالما استمرت السياسة الاقتصادية بالنهج الحالي، فإن زيادات الأسعار ستستمر.
- لا يمكن تحقيق إصلاح مستدام دون البدء بالإصلاح السياسي.. والقضايا التنموية مرتبطة به بشكل وثيق.
- الأزمة الحقيقية في التعليم ليست غياب الرؤى، وإنما غياب الاستدامة في التطبيق والبدء من الصفر مع كل إدارة جديدة.
في حوار مختلف مع «ليبرالي»، يضع المفكر الكبير والسياسي البارز، ومستشار الحوار الوطني الدكتور حسام بدراوي، يده على عدد من الملفات الأكثر إلحاحًا في المشهد المصري، مقدمًا رؤيته لما يعتبره طريقًا للإصلاح وبناء دولة أكثر قدرة على مواجهة تحدياتها.
بدراوي، الذي يصف نفسه بأنه «رجل إصلاحي بالأساس»، يرى أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من داخل مؤسسات الدولة، عبر تطوير المنظومة القائمة لا هدمها، ويركز على الإصلاح السياسي، بجانب الاهتمام بالتعليم والصحة.

وبين الاقتصاد والسياسة والمجتمع، يحذر بدراوي من أن استمرار السياسة الاقتصادية بالنهج الحالي سيعني استمرار زيادات الأسعار، معربًا عن قلقه العميق من وصول «الإرهاق المجتمعي» إلى مستويات تتجاوز حدود الاحتمال.
وفي المقابل، يطرح مفهومًا شاملًا للمصالحة الوطنية يقوم على بناء جسور الثقة والتعاون بين إدارة الدولة وكافة أطياف المجتمع، في إطار الدستور والقانون والشفافية، مجددًا دعمه لنموذج «الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة»، القائمة على سيادة القانون وحرية المواطن والعدالة الاجتماعية، وضرورة توفير قنوات شرعية للتعبير وقبول الرأي الآخر والنقد البناء.

أين يرى الدكتور حسام بدراوي واقع مصر ومستقبلها؟
أنا بطبعي رجل متفائل، أرى في الأمور أفضل ما فيها، وأرى في الناس أجمل ما لديهم، وإذا سألتني عن «مصر المستقبل» سأجيبك بكلمة واحدة: «الربيع»، أما إذا سألتني عن «مصر الآن»، فسأقول لك إنها تمر بمرحلة «الخريف».
في الخريف، تتساقط الأوراق، لكن الجذور والفروع تظل حية وصامدة، وبدون الخريف لا يمكن أن يأتي الربيع، وإيماني بالمستقبل نابع من قناعة تاريخية بأن الحضارات تُبنى وتتجدد بالقوى الحية التي تصنع المستقبل، لدينا في مصر اليوم نحو 18 مليون نسمة تحت سن 16 عامًا، و65 مليون نسمة تحت سن 30 عامًا؛ وهي طاقات متجددة قادرة على الإبداع والابتكار والريادة إذا أحسنا إدارة مواردنا البشرية.
أرى لمصر فرصة ذهبية في الغد بفضل هذه الثروة الشبابية من الأطفال والشباب، وحينما أنتقد أحيانًا الواقع الحالي، فذلك نابع من رؤيتي بأننا لا نستغل مواردنا بالشكل الأمثل الذي يحقق لها القيمة المضافة المطلوبة.
ماذا قصدت بتصريحك السابق: يحب أن تستثمر مصر في المستقبل والقطاع الخاص في الحاضر؟
هناك قضية محورية يجب أن نضعها في الحسبان؛ فبدون وجود رؤية استراتيجية واضحة تضع الحكومات والأجهزة سياساتها واستراتيجياتها ومشاريعها بناءً عليها، سنفقد البوصلة، والنتيجة هي البدء ثم التوقف والعودة إلى نقطة الصفر مجددًا، لندور في حلقة مفرغة بين الخيارات المختلفة دون إكمال المسار الاقتصادي بنجاح.
في الشأن الاقتصادي، نؤكد دائمًا في الرؤية النظرية على أهمية القطاع الخاص والاستثمار، ونكرر أن الدولة لا ينبغي أن تكون مستثمرًا منافسًا، بل يجب أن تضطلع بدور الحكم والمنظم والمراقب والمراجع، لا المستثمر الرئيسي، والإشكالية تكمن في الفجوة الواسعة بين ما نقوله نظريًا وما نطبقه فعليًا على أرض الواقع؛ حيث تصدر تصريحات وخطط اقتصادية، بينما تشهد الممارسات الفعلية اتجاهًا مغايرًا تمامًا.

ما أولوية الإصلاح في مصر: التعليم أم الصحة أم العمل؟
عند الحديث عن الإصلاح، ينبغي أولًا إدراك أنه لا يمكن تحقيق إصلاح مستدام في أي مجال دون البدء بالإصلاح السياسي؛ فالقضايا التنموية برمتها مرتبطة به بشكل وثيق.
ومن جهة أخرى، أفضل النظر إلى هذه الملفات من منظور «الحقوق» وليس مجرد «الإصلاح»، لقد كنت منذ بداية مسيرتي السياسية، وما زلت، مؤمنًا باقتصاد السوق الحر والليبرالية، لكن التجربة والواقع أثبتا لي أن الليبرالية لكي تنجح يجب أن تقترن بحماية الحقوق الأساسية للمواطنين، نعم، نسعى إلى سوق حر وتنافسي، شريطة أن تلتزم الدولة بمسؤوليتها تجاه الحقوق الأساسية كالتعليم، والرعاية الصحية، والسكن، والضمان الاجتماعي.
أما فيما يخص «فرص العمل»، فدور الدولة الحقيقي يقتصر على تهيئة المناخ والبيئة الجاذبة للاستثمار التي تولد هذه الفرص، في حين يقع عبء التشغيل الفعلي على عاتق القطاع الخاص، لذلك مصر بحاجة إلى توفير نحو مليون ومائتي ألف فرصة عمل سنويًا، وهو رقم يتطلب استثمارات ضخمة ومحسوبة بدقة.
بإيجاز، نحن بحاجة إلى قطاع خاص قوي، وإلى دولة تركز على دورها السيادي في حماية الحقوق، وتكون الحكم والمراقب الفعال الذي يحاسب، والإصلاح السياسي وبناء دولة القانون هو ما يخلق فرص العمل بشكل غير مباشر، والتعليم والصحة هما حقوق أصيلة وواجب دستوري على أجهزة الدولة تقديمها بكفاءة.
ما أسباب معوقات الإصلاح وإمكانية تجاوزها حاليًا؟
للإجابة على ذلك بتبسيط شديد؛ حينما تواجه شركة ما خسائر مالية متكررة، فمن الطبيعي أن تقوم الجمعية العمومية بمساءلة ومحاسبة الإدارة التنفيذية، وليس العكس، للأسف، ما يحدث لدينا في المشهد الإداري هو السعي المستمر لتبرير بقاء الإدارة وحمايتها بدلًا من إخضاعها للمحاسبة الفعلية، وهذا يمثل خطأ استراتيجيًا جسيمًا.
مصر بلد ولود، وتزخر بطاقات هائلة وقوى بشرية متميزة في مختلف فئات المجتمع، وأنا لا أتحدث هنا من منطلق نظري أو فوقي، بل من خلال واقع معايشتي الميدانية وزياراتي المستمرة للحضانات والمدارس والجامعات؛ حيث أرى في عيون أطفالنا وشبابنا طاقات جبارة تستحق بحق أن تُمنح الفرصة الكاملة لإثبات ذاتها وقيادة المستقبل.

من يتحمل مسؤولية تراكم مشكلات التعليم طوال العقود الماضية؟
المسؤولية المباشرة تقع على عاتق حكومة مصر، المشكلة ليست في غياب الرؤى الاستراتيجية؛ فقد صغنا رؤية متكاملة لتطوير التعليم عام 2002 ولم تُطبق، وشاركنا في صياغة رؤية مصر 2030 التعليمية عام 2014، وكنت مسؤولًا عنها، ولم تجد طريقها للتنفيذ الفعلي.
الأزمة الحقيقية تكمن في غياب «الاستدامة في التطبيق» وميل كل إدارة جديدة أو وزير جديد إلى البدء من الصفر وتغيير السياسات السابقة بدلًا من البناء عليها واستكمالها، فالأشخاص الذين تولوا المسؤولية جميعهم كفاءات وطنية ولديهم المعرفة الكافية، لكن المشكلة الحقيقية ليست في المعرفة، بل في العجز عن التطبيق المستمر والمنجز.
أما الحلول العلمية والعملية لتطوير التعليم، فهي واضحة وموجودة بالفعل، ولم آتِ بها من عندي، بل طبقتها دول أخرى بنجاح وحققت أهدافها التنموية، وتجاوز هذه العقبات ليس مستحيلًا، بل هو أمر ممكن وقابل للتطبيق بامتياز إذا توفرت الإرادة الحقيقية.






