عربي ودولي

التعديلات الدستورية في أفريقيا.. حين تتحول قواعد الحكم إلى ساحة للصراع السياسي 

تكشف دراسة التعديلات الدستورية في أفريقيا عن إشكالية تتجاوز حدود القانون إلى طبيعة النظام السياسي ذاته؛ إذ لا تمثل عملية تعديل الدستور بالضرورة إجراءً فنيًا لتطوير القواعد الحاكمة للدولة، وإنما قد تعكس في بعض الحالات توازنات القوى داخل النظام، وطبيعة المنافسة السياسية، ومدى  استقلال المؤسسات وقدرتها على فرض قيود على السلطة التنفيذية، ومن ثم، فإن فهم التداعيات الديمقراطية للتعديلات يتطلب تحليل السياق السياسي الذي تنتج فيه، وليس الاكتفاء بقراءة النصوص المعدلة.

وفي هذا الإطار، ناقشت ندوة نظمتها «قراءات أفريقية» بعنوان التعديلات الدستورية وتداعياتها على الديمقراطية في أفريقيا، بمشاركة باحثين ومتخصصين في الشأن الأفريقي، من بينهم الدكتورة رانيا حسين خفاجة، أستاذ العلوم السياسية بكلية الدراسات الأفريقية العليا بجامعة القاهرة، العلاقة بين التعديلات الدستورية ومسار الديمقراطية واستقرار المؤسسات السياسية.

ويبرز ضمن المحددات التي جرى تناولها مفهوم «اللاعب صاحب حق النقض»، باعتباره أحد المفاتيح المهمة لفهم طبيعة عملية التعديل، فكلما تعددت المؤسسات أو الجهات التي تتطلب موافقتها لإقرار التعديل، ازدادت القيود المؤسسية أمام تغيير قواعد النظام السياسي، وأصبح تمرير التعديلات أكثر ارتباطًا بالتوافق بين مراكز القوة. 

وفي المقابل، يؤدي انخفاض عدد هذه الأطراف إلى تقليص الحواجز أمام الطرف السياسي الأكثر نفوذًا، بما قد يجعل الدستور أكثر عرضة للتأثر بموازين القوى القائمة.

وتتصل بذلك مسألة «الحزب المهيمن»، خاصة في النظم التي يمتلك فيها الحزب الحاكم أغلبية برلمانية تسمح له بتوفير النصاب المطلوب لإقرار التعديلات. وهنا لا يصبح البرلمان مجرد مؤسسة تشريعية، وإنما يتحول تكوينه الحزبي إلى عامل مؤثر في تحديد طبيعة القيود المفروضة على السلطة، ويزداد الأمر تعقيدًا عندما ترتبط التعديلات بقواعد المنافسة السياسية أو صلاحيات مؤسسات الحكم أو شروط تداول السلطة.

كما تكشف العلاقة بين حدة المنافسة الانتخابية وتكرار التعديلات الدستورية عن بُعد سياسي مهم؛ فحين تصبح قواعد الوصول إلى السلطة نفسها موضع صراع، يمكن أن يتحول الدستور إلى ساحة لإعادة تنظيم المنافسة بما يتوافق مع مصالح القوى الأكثر نفوذًا.

 ومن هنا، فإن كثرة التعديلات لا تعني بالضرورة تطورًا مؤسسيًا، بل تتوقف دلالتها على دوافعها ومضمونها وآليات تمريرها وأثرها على توازن السلطات، ويحمل عدم الاستقرار الدستوري تداعيات مباشرة على شرعية المؤسسات، فالدستور يحتاج إلى قدر من الاستقرار والوضوح حتى يوفر إطارًا مستقرًا لممارسة السلطة وحماية الحقوق والحريات، أما التعديلات المتكررة فقد توسع الفجوة بين النص والتطبيق، وتفتح المجال أمام النزاع حول تفسير الصلاحيات وحدود المؤسسات.

وتزداد خطورة هذه الإشكالية في الدول التي تعاني أصلًا من ضعف مؤسسي أو أزمات سياسية، حيث يمكن أن تتداخل الأزمة الدستورية مع التدخل العسكري في الحياة السياسية، بما يفضي إلى دورات من الاضطراب والانقلابات ويعرقل بناء مؤسسات ديمقراطية مستقرة.

وبذلك، فإن التعديلات الدستورية في أفريقيا ينبغي قراءتها باعتبارها مؤشرًا على طبيعة توزيع القوة داخل النظام السياسي، وليس باعتبارها عملية قانونية معزولة، فالمعيار الأهم لا يكمن في عدد مرات تعديل الدستور، وإنما في مدى خضوع عملية التعديل لقواعد مؤسسية مستقرة، وقدرتها على حماية التوازن بين السلطات وضمان استمرارية المؤسسات الديمقراطية.

زر الذهاب إلى الأعلى