مقالات

صراع الممرات «٣-١٠»

باب المندب.. عندما تصبح البوابة ساحة للحرب

باب المندب ممر مائي ضيق يفصل بين اليمن والقرن الأفريقي، ويربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، لكنه في الحقيقة يربط آسيا بأوروبا عبر قناة السويس، ولهذا فإن أي اضطراب فيه لا يبقى أزمة إقليمية، وإنما يتحول بسرعة إلى مشكلة تمس حركة التجارة العالمية، فإذا كان مضيق هرمز هو أحد مفاتيح الطاقة في العالم، فإن باب المندب هو أحد مفاتيح التجارة.

وهذا ما رأيناه بوضوح خلال السنوات الأخيرة، وما يتجدد الآن مع تصاعد التوتر في البحر الأحمر. فقد انخفضت حركة العبور في باب المندب مجددًا مع ارتفاع المخاطر الأمنية، بينما بدأت بعض شركات الملاحة في إعادة حساباتها بشأن العودة إلى طريق السويس. ورغم أن حركة قناة السويس نفسها شهدت تحسنًا مؤخرًا، فإنها لا تزال أقل بكثير من مستويات ما قبل الأزمة.

المشكلة أن باب المندب لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد مضيق؛ لأنه البوابة الجنوبية لقناة السويس، ومن يهدد أمن الملاحة فيه، لا يهدد سفينة أو مجموعة سفن فقط، وإنما يهدد الطريق الأقصر بين آسيا وأوروبا.

وهنا تظهر قيمة الموقع المصري مرة أخرى، فالسفينة التي تستطيع المرور بأمان من باب المندب تستطيع الوصول إلى قناة السويس، ومن قناة السويس إلى البحر المتوسط، ثم إلى أوروبا. أما إذا أصبح الطريق غير آمن، فهناك بديل آخر: الدوران حول رأس الرجاء الصالح.

لكن البديل له ثمنه، فالرحلة عبره أطول، وبالتالي وقودًا أكثر، ووقتًا أكبر، وتأمينًا أعلى، وتكلفةً تنتقل في النهاية إلى المستهلك، وهنا يتحول الخطر العسكري إلى فاتورة اقتصادية.

الأخطر أن صراع باب المندب لا يدور فقط حول الملاحة، وإنما حول النفوذ في البحر الأحمر نفسه. فالموقع يضع اليمن والقرن الأفريقي والسعودية ومصر ودولًا أخرى أمام معادلة أمنية واحدة، ويجعل أي قوة قادرة على تهديد الملاحة تمتلك ورقة ضغط تتجاوز حدودها، وهذا هو جوهر «صراع الممرات».

فالقوة لم تعد فقط أن تسيطر على الأرض، وإنما أن تمتلك القدرة على التأثير في الطريق الذي يمر من أمامها.

وبالنسبة لمصر، فإن باب المندب ليس قضية بعيدة، فهو في النهاية المدخل الجنوبي إلى قناة السويس، وأمنه جزء من أمن أحد أهم أصول القوة الاقتصادية والجيوسياسية المصرية.

لذلك فإن حماية قناة السويس لا تبدأ من مدخلها الشمالي في بورسعيد أو الإسماعيلية، وإنما تمتد آلاف الكيلومترات جنوبًا، إلى البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل تستطيع مصر أن تحول موقعها الجغرافي من مجرد ميزة استراتيجية إلى قوة اقتصادية وسياسية كاملة؟.

ففي عالم تتغير فيه طرق التجارة، وتتنافس القوى الكبرى على الممرات، لن يكون كافيًا أن تكون مصر واقعة على الطريق، الأهم أن تكون قوة لا يمكن تجاوزها بسهولة عندما يتغير الطريق.

زر الذهاب إلى الأعلى