نهاد شعبان

لم تكن “سارة أحمد” تتخيل أن قرارًا بسيطًا، مدفوعًا برغبة في التغيير، سيقودها إلى واحدة من أصعب تجارب حياتها، فتاة في منتصف العشرينات، تعمل في مجال التسويق، لطالما شعرت أن عينيها البنيتين لا تعكسان شخصيتها الجريئة، كانت ترى في اللون الأزرق أو الأخضر سحرًا خاصًا، يلفت الانتباه ويمنحها ثقة أكبر بنفسها، خاصة مع تأثير مواقع التواصل الاجتماعي التي امتلأت بصور لوجوه “مثالية” بعيون ملونة جذابة، ففي أحد الأيام، صادفت إعلانًا على موقع التواصل الاجتماعي لمركز تجميل يروج لتقنية تغيير لون العين بشكل دائم، كان مضمونه” هل تحلم بتغيير لون عيونك؟ أصبح حلمك حقيقة مع تغيير لون العين الدائمة، لدينا تفتيح لون العيون بالليزر وإزالة التصبغات الأن بجميع فروعنا”.
كما أن الإعلان كان مصحوبًا بصور قبل وبعد عملية تغيير لون العيون تبدو وكأنها معجزة طبية، فلم تتردد كثيرًا، وحجزت موعدًا، ودفعت مبلغًا كبيرًا اعتبرته استثمارًا في جمالها، لكن بعد العملية، لم تسر الأمور كما خُطط لها، حيث بدأت تعاني من احمرار مستمر، ثم آلام حادة، تلاها تشوش في الرؤية، ومع زيارات متكررة للأطباء كشفت أن ما خضعت له لم يكن إجراءً تجميليًا بسيطًا، بل تدخلًا خطيرًا قد يهدد بصرها، قصة “سارة” ليست الوحيدة، بل هي نموذج لظاهرة تتسع يومًا بعد يوم، وتحولت ظاهرة تغيير لون العين إلى “سبوبة” تجارية تستغل رغبة الشباب في التميز دون وعي كافٍ بالمخاطر.

ظاهرة تنتشر بسرعة
في السنوات الأخيرة، شهدت مراكز التجميل في مصر وعدة دول أخرى إقبالًا متزايدًا على عمليات تغيير لون العين، سواء عبر زراعة عدسات دائمة داخل العين أو باستخدام تقنيات الليزر لتفتيح لون القزحية، يتم الترويج لهذه الخدمات باعتبارها آمنة وسريعة وتمنح مظهرًا أكثر جاذبية، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا محوريًا في انتشار الظاهرة، من خلال “بلوجرز” يعرضون نتائج مبهرة، وإعلانات تستهدف فئة الشباب، خاصة الفتيات، تحت شعارات الثقة بالنفس والجمال المثالي.
إحصائيات طبية
رغم غياب إحصاءات عالمية دقيقة لحجم انتشار عمليات تغيير لون العين، فإن الدراسات الطبية بدأت ترسم صورة واضحة للمخاطر، ففي دراسة صادرة عن مستشفى مورفيلدز للعيون في لندن، شملت 15 مريضًا خضعوا لزراعة عدسات تجميلية لتغيير لون القزحية، أظهرت النتائج أن 60 % أصيبوا بالتهابات داخل العين، 33% احتاجوا لتدخل جراحي بسبب ارتفاع ضغط العين، 20% تعرضوا لتلف في القرنية، 13% أصيبوا بالمياه البيضاء.
كما تؤكد تقارير طبية من Cleveland Clinic أن هذه العمليات قد تؤدي إلى مضاعفات خطيرة مثل الجلوكوما وفقدان البصر الدائم، خاصة عند استخدامها لأغراض تجميلية غير ضرورية، وتشير دراسات أخرى منشورة في مجلات طب العيون إلى أن بعض المضاعفات قد تظهر بعد سنوات من العملية، ما يجعل تقييم الأمان الحقيقي لهذه الإجراءات أكثر تعقيدًا وخطورة.

التقنيات المستخدمة.. بين الواقع والدعاية
هناك طريقتان رئيسيتان لتغيير لون العين وهما زرع عدسات ملونة داخل العين “Iris Implant” وهي عملية جراحية يتم فيها إدخال عدسة صناعية ملونة داخل العين، وهذه التقنية كانت مخصصة في الأصل لعلاج بعض التشوهات الطبية، لكنها تحولت إلى إجراء تجميلي، أو تتم باستخدام تقنية الليزر “Laser Depigmentation”، وتعتمد على إزالة طبقة من الصبغة الداكنة في القزحية، مما يؤدي إلى ظهور لون أفتح مثل الأزرق أو الأخضر، ورغم أن بعض المراكز تقدم هذه الإجراءات على أنها “آمنة 100%”، إلا أن العديد من الهيئات الطبية العالمية لم توافق على استخدامها لأغراض تجميلية.
خريطة العالم.. اختلاف القوانين والرقابة
تختلف المواقف القانونية عالميًا تجاه عمليات تغيير لون العين، ففي الولايات المتحدة الأمريكية، لم توافق الجهات الصحية على استخدام زراعة القزحية لأغراض تجميلية، وتُسمح بها فقط في حالات طبية محددة، وفي الاتحاد الأوروبي، تُعامل هذه الإجراءات بحذر شديد، مع تحذيرات رسمية من المخاطر، أما في بعض الدول مثل تركيا والمكسيك، فتنتشر العمليات في مراكز خاصة مع رقابة أقل، ما أدى إلى زيادة ما يُعرف بـ”سياحة التجميل”، حيث يسافر البعض لإجراء عمليات غير متاحة في بلدانهم، وهذا التفاوت خلق سوقًا عالميًا غير منضبط، تتحرك فيه المراكز التجميلية بين ما هو طبي وما هو تجاري.

السوشيال ميديا و”تريند الجمال”
لا يمكن فصل انتشار هذه الظاهرة عن تأثير السوشيال ميديا، فهناك منصات مثل TikTok وInstagram تحولت إلى مساحة دعائية ضخمة تعرض “قبل وبعد” خلال ثوانٍ، ما يخلق انطباعًا زائفًا بسهولة الإجراء، كما أن تحليل المحتوى المنتشر يظهر ثلاث آليات رئيسية تشمل تسويق عاطفي يربط لون العين بالجاذبية والثقة، كما يعتمد على إخفاء المضاعفات والتركيز على النتائج فقط، ويتم استخدام مؤثرين في حملات دعائية مباشرة أو غير مباشرة، وبهذا الشكل، تتحول العمليات من إجراء طبي معقد إلى “تريند بصري”، يستهلكه الجمهور دون وعي كافٍ بالمخاطر.
اقتصاد الجمال.. “سبوبة” بملايين
تحولت عمليات تغيير لون العين إلى سوق مربح، تصل تكلفتها إلى آلاف الدولارات للعملية الواحدة، كما أن بعض المراكز تستغل ضعف الرقابة لتقديم وعود مبالغ فيها، دون الإفصاح الكامل عن المخاطر، وفي المقابل تشير تقارير طبية إلى أن تكلفة علاج المضاعفات قد تتجاوز أضعاف تكلفة العملية الأصلية، ما يحول “التحسين التجميلي” إلى عبء صحي ومالي في نفس الوقت.







