تعاطف ثم اتهام وحبس.. “بلوجر” الإسماعيلية تواجه شبح النصب باسم المرض

نهاد شعبان

دموع السرطان الكاذبة.. دنيا فؤاد تسقط بعد جمع 4 ملايين جنيه من المتعاطفين

في مدينة هادئة مثل الإسماعيلية، كانت دنيا فؤاد تظهر يوميًا على مواقع التواصل الاجتماعي بوجه شاحب وعينين غارقتين في الدموع، تتحدث عن معركتها القاسية مع مرض السرطان، كانت تنشر صور التحاليل، ومقاطع فيديو تبكي فيها من الألم، وتطلب الدعاء قبل أي شيء، تعاطف معها الآلاف، ليس فقط لأن المرض قاسٍ، ولكن لأن قصتها بدت حقيقية جدًا، أمهات دعون لها في صلواتهن، وشباب تبرعوا من رواتبهم، وأشخاص كانوا يكتبون لها يوميًا كلمات دعم وأمل، البعض كان يقول:” ربنا يشفيكي ويقومك بالسلامة”، وآخرون كانوا يرون فيها نموذجًا للصبر في مواجهة المرض.

الحقيقة الصادمة
لكن خلف تلك المشاهد المؤثرة، كانت الحقيقة مختلفة تمامًا، فجأة تحولت القصة الإنسانية إلى واحدة من أكثر قضايا الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما كُشف أن البلوجر دنيا فؤاد لم تكن مصابة بالسرطان من الأساس، وأنها جمعت تبرعات بملايين الجنيهات بدعوى العلاج، قبل أن تنكشف الحقيقة عبر تقارير طبية أكدت سلامتها من المرض.

غضب المتابعين
القضية صدمت الرأي العام بشدة، لأن الناس لم تتعامل معها كمجرد “بلوجر”، بل كحالة إنسانية تحتاج إلى المساندة، ولذلك جاءت ردود الأفعال غاضبة وحادة، خاصة بعد انتشار اعترافاتها التي قالت فيها إنها فعلت ذلك بسبب احتياجها للاهتمام والدعم النفسي، وكتب أحد المتابعين ساخرًا:” دي تستحق جايزة نوبل في التمثيل”، في إشارة إلى قدرتها الكبيرة على إقناع الجميع بمرضها، بينما قالت سيدة أخرى إنها كانت تبكي كل ليلة وهي تشاهد فيديوهات دنيا وتدعو لها بالشفاء، قبل أن تشعر بأنها تعرضت للخداع والاستغلال العاطفي، وعلق آخر بعبارة انتشرت كثيرًا:” أقداركم تؤخذ من أفواهكم”، معتبرًا أن ادعاء المرض قد يكون ابتلاءً حقيقيًا في المستقبل.


اضطراب نفسي
في المقابل، ظهر تيار آخر من التعليقات يرى أن ما فعلته دنيا ليس مجرد نصب عادي، بل مؤشر على اضطراب نفسي حقيقي، خاصة بعدما كتبت عبر صفحتها الرسمية أنها “مريضة نفسيًا” وأنها كانت تبحث عن الاهتمام والحب، وأن نظرات زوجها واهتمام الناس بها أثناء ادعاء المرض كانت تمنحها شعورًا بالدعم النفسي الذي تفتقده، وقالت دنيا في منشورها المثير للجدل:” أنا مريضة نفسيا ومحتاجة أتعالج ساعدوني، حبيت اهتمام الجميع بيا خلال ادعائي المرض”، وأضافت أنها رفضت سابقًا فكرة العلاج النفسي، لكنها الآن أدركت أنها كانت مخطئة، وأنها ستبدأ رحلة علاج نفسي.

بداية الأزمة
تفاصيل القضية بدأت عندما ظهرت دنيا فؤاد، المعروفة إعلاميًا باسم “بلوجر الإسماعيلية”، عبر حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي وهي تتحدث عن إصابتها بمرض السرطان، مؤكدة أنها تحتاج إلى مبالغ مالية كبيرة لاستكمال العلاج، ومع زيادة التعاطف معها، بدأت التبرعات تتدفق من متابعين وأشخاص تأثروا بقصتها الإنسانية، ووفق ما تم تداوله فإن إجمالي الأموال التي جمعتها وصل إلى نحو 4 ملايين جنيه، وهو رقم ضخم أثار لاحقًا صدمة أكبر لدى المتابعين عندما تبين أن المرض غير حقيقي.

تدخل أمني
الأزمة انفجرت بعدما خضعت لفحوصات طبية كشفت أنها لا تعاني من السرطان، لتبدأ بعدها موجة غضب واسعة ومطالبات بمحاسبتها قانونيًا، خصوصًا من بعض المتبرعين الذين أكدوا أنهم تعرضوا لعملية نصب إلكتروني قائمة على استغلال مشاعر الناس الإنسانية، وتطورت الأحداث بعد ذلك إلى تدخل الأجهزة الأمنية، حيث تم القبض على زوجها لاستجوابه في القضية، قبل أن تقوم دنيا نفسها بتسليم نفسها للأجهزة الأمنية عقب ملاحقتها، وقررت جهات التحقيق المختصة تجديد حبسها لمدة 15 يومًا على ذمة التحقيقات، في القضية المتداولة بشأن اتهامها بجمع تبرعات من المواطنين بزعم إصابتها بمرض السرطان، وذلك بعد ورود تحريات وتقارير تفصيلية حول الواقعة.

جدل واسع
هذه القضية أعادت فتح النقاش حول خطورة استغلال السوشيال ميديا في جمع التبرعات دون رقابة، وكيف يمكن للعاطفة أن تتحول إلى باب للنصب والاحتيال الإلكتروني، كما أثارت جدلاً واسعًا حول الصحة النفسية، وهل يمكن أن يدفع الاحتياج العاطفي شخصًا إلى اختلاق مرض خطير بهذا الشكل، أم أن الأمر يتعلق بجريمة مكتملة الأركان هدفها الأساسي جمع الأموال؟

اتهامات قانونية
قانونيًا، فإن ما حدث يمكن أن يندرج تحت عدة جرائم في القانون المصري، أهمها جريمة النصب والاحتيال، خاصة إذا ثبت أنها حصلت على الأموال عن طريق خداع المتبرعين وإيهامهم بوجود مرض غير حقيقي، ووفقًا للمادة 336 من قانون العقوبات المصري، فإن جريمة النصب تتحقق إذا استولى شخص على أموال الغير باستخدام طرق احتيالية من شأنها إيهام الناس بوجود مشروع كاذب أو واقعة مزورة أو أمل غير حقيقي، والعقوبة في هذه الحالة قد تصل إلى الحبس، حيث نصت على أن “يعاقب بالحبس كل من توصل إلى الاستيلاء على نقود أو عروض أو سندات دين أو سندات مخالصة أو أى متاع منقول وكان ذلك بالاحتيال لسلب كل ثروة الغير أو بعضها إما باستعمال طرق احتيالية من شأنها إيهام الناس بوجود مشروع كاذب أو واقعة مزورة أو إحداث الأمل بحصول ربح وهمى أو تسديد المبلغ الذى أخذ بطريق الاحتيال أو إيهامهم بوجود سند دين غير صحيح أو سند مخالصة مزور وإما بالتصرف فى مال ثابت أو منقول ليس ملكاً له ولا له حق التصرف فيه وإما باتخاذ اسم كاذب أو صفة غير صحيحة، أما من شرع فى النصب ولم يتممه فيعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سنة ويجوز جعل الجانى فى حالة العودة تحت ملاحظة البوليس مدة سنة على الأقل وسنتين على الأكثر”.

عقوبات محتملة
كما يمكن أن تنطبق عليها مواد تتعلق بجرائم تقنية المعلومات إذا ثبت استخدام وسائل إلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي في جمع الأموال بطرق احتيالية، خاصة مع وجود تحويلات مالية تمت عبر الإنترنت، وقد تواجه أيضًا اتهامات مرتبطة بجمع تبرعات دون تصريح، إذا ثبت أنها تلقت أموالا بصورة تخالف القوانين المنظمة للعمل الأهلي وجمع التبرعات في مصر، لكن في المقابل، قد تلعب التقارير النفسية دورًا مهمًا في القضية، فإذا أثبتت الفحوصات الطبية والنفسية أنها تعاني من اضطراب نفسي مؤثر على الإدراك أو السلوك، فقد يؤثر ذلك على تقدير المحكمة للعقوبة، سواء بتخفيفها أو بإيداعها في مؤسسة علاجية تحت إشراف طبي، وفقًا لما يقرره الطب الشرعي والمحكمة المختصة.