في السادسة صباحًا، كانت أمي تجهز نفسها للخروج قبل أن تشرق الشمس بالكامل، تتحرك ببطء منذ عملية استئصال الغدة، وتحمل في يدها حقيبة صغيرة بداخلها الأشعة والتحاليل وروشتات قديمة أصبحت تحفظها أكثر مما تحفظ أرقام هواتف أقاربها، أما أنا، فكنت أعرف أننا لا نذهب لمجرد “صرف علاج”، بل نخوض يومًا كاملاً من الانتظار والتوتر والمعاناة أحيانًا، فقط من أجل دواء لا تستطيع الحياة بدونه.
منذ أن أجرت أمي استئصالاً كاملاً للغدة، أصبحت تعتمد بشكل أساسي على علاج يعوض الهرمونات التي كانت الغدة تفرزها طبيعيًا، هذا الدواء ليس رفاهية، وليس مسكنًا يمكن الاستغناء عنه يومًا أو يومين، بل ضرورة يومية للحياة نفسها، المشكلة أن هذا العلاج -ولأسباب لا نفهمها- لا يوجد له بديل في الصيدليات، وأصبح الحصول عليه مقتصرًا على عيادات ومستشفيات التأمين الصحي.
هكذا يبدأ المشهد الذي يتكرر كل شهر، مئات المرضى يتجمعون منذ الصباح الباكر أمام أبواب العيادة الشاملة، وكأنهم في سباق على فرصة للبقاء، ورغم وصولنا قبل السابعة صباحًا، إلا أننا وجدنا الطوابير ممتدة على السلالم وفي الممرات وحتى خارج المبنى، وجوه شاحبة، وسيدات مسنات يحملن أكياس الأدوية الفارغة، ورجال يلهثون من التعب، وأطفال يبكون من الحر والزحام، الجميع ينتظر شيئًا واحدًا “دوره”، وفي تلك اللحظة تدرك أن المرض في مصر ليس المعاناة الوحيدة، بل إن الطريق إلى العلاج أصبح أكثر قسوة ومعاناة.
جلسنا ساعات طويلة على مقعد حديدي بالكاد يتسع لشخص واحد، أمي كانت تحاول أن تبدو قوية، لكن التعب كان واضحًا في صوتها ونظراتها، كل بضع دقائق تسألني:”لسة بدري؟”، فأجيبها بكذبة صغيرة لأخفف عنها: “قربنا خلاص هانت”، بينما الحقيقة أننا لم نكن قد تحركنا خطوة واحدة.
وسط الزحام، تسمع عشرات الحكايات المؤلمة، رجل جاء من محافظة بعيدة منذ الفجر ليكتشف أن “السيستم واقع”، سيدة تبكي لأن الدواء غير متوفر هذا الشهر، عجوز يتوسل للموظف أن ينهي إجراءاته لأنه لا يستطيع الوقوف أكثر، لا أحد يصرخ لأنه مدلل أو مبالغ، بل لأن الجميع وصل إلى حافة الاحتمال، والمؤلم أكثر أن الناس لم تعد تطلب خدمة ممتازة أو معاملة خاصة، بل فقط معاملة آدمية.
وفي الظهيرة، حدث موقف لن أنساه، حيث كان الزحام خانقًا بشكل لا يوصف، لدرجة أن بعض المرضى كانوا يقفون متلاصقين بلا أي مساحة للتنفس، أحد الموجودين أخرج هاتفه وبدأ يصور المشهد، ربما بدافع الغضب أو الرغبة في توثيق ما يحدث، لم تمر ثوان حتى اندفعت نحوه إحدى الممرضات بعصبية شديدة، وانتزعت الهاتف من يده وسط ذهول الجميع، حاول الرجل أن يستعيد هاتفه بهدوء، لكنها صرخت فيه مهددة: “هبلغ الأمن!”، وعندما طالبها بإرجاع الهاتف قالت له بجملة صادمة أمام الجميع: “هو في جيبي، وإنت إللي هتجري ورايا عشان تاخده، ومش هتاخده غير من مكتب مدير المستشفى”، ساد الصمت للحظات، لم يتدخل أحد، ليس لأن الناس موافقة، بل لأن الجميع يعرف أن الاعتراض قد يكلفه يومه بالكامل، أو ربما حرمانه من العلاج الذي جاء من أجله.
وقتها شعرت أن الأزمة لم تعد مجرد نقص دواء أو سوء تنظيم، بل أصبحت شعورًا عامًا بالعجز، المواطن البسيط هنا لا يشعر أنه صاحب حق، بل يشعر وكأنه يتسول خدمة من المفترض أنها حق أساسي يكفله أي نظام صحي محترم، فكيف يمكن لمريض أنهكه المرض أن يتحمل كل هذا الضغط النفسي والجسدي فقط ليحصل على دواء؟ كيف تصبح رحلة العلاج نفسها سببًا في تدهور الحالة الصحية؟ وكيف اعتدنا كمجتمع على مشاهد الزحام والإهانة حتى أصبحت مشاهد عادية؟، والأغرب أن أغلب الموجودين كانوا من كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، وهؤلاء لا يملكون رفاهية الانتظار الطويل أو التدافع أو الوقوف لساعات، فبعضهم كان بالكاد قادرًا على التنفس، ومع ذلك لا توجد أماكن انتظار مناسبة، ولا تنظيم حقيقي، ولا حتى أبسط وسائل الراحة الإنسانية.
وفي كل مرة نحصل فيها أخيرًا على علبة الدواء، نشعر بانتصار كبير لا يليق أبدًا بشيء من المفترض أن يكون حقًا طبيعيًا، نخرج منهكين، وكأننا انتهينا من معركة لا من إجراء طبي روتيني!، والمشكلة هنا ليست في الأطباء وحدهم، ولا في الممرضات وحدهم، ولا حتى في الموظفين الذين يبدو كثير منهم مرهقين وغاضبين بدورهم، المشكلة أكبر من الأشخاص، إنها في منظومة جعلت المريض رقمًا في طابور طويل، وجعلت الحصول على العلاج رحلة إذلال شهرية، فالصحة ليست رفاهية، وليست منحة من أحد، الصحة حق أساسي لأي إنسان، وعندما يضطر مواطن بسيط لقضاء يوم كامل في الزحام من أجل دواء ضروري للحياة، فهذه ليست مجرد أزمة تنظيم، بل أزمة كرامة أيضًا.
أحكي هذا الموقف ليس لأن تجربتنا هي الأسوأ، بل لأنها عادية جدًا، وهذا بالتحديد هو المخيف، المخيف أن آلاف الأسر تعيش المشهد نفسه كل يوم، بنفس التعب ونفس الخوف من أن ينفد الدواء أو يضيع الدور أو ينهار المريض قبل أن يصل إلى الشباك، وفي الوقت الذي عدنا فيه إلى البيت منهكين بعد يوم طويل من الانتظار، كان هناك غيرنا ما يزال واقفًا في الطابور نفسه، ينتظر “دوره” في العلاج، أو ينتظر فقط قليلاً من الرحمة والاهتمام.






