عبدالغني الحايس
عبدالغني الحايس

التجربة الحزبية المصرية.. المرحلة الثالثة “التنظيم الواحد”


في المقال السابق استعرضنا التجربة الثانية والتي أُطلق عليها العهد الليبرالي حتى قامت ثورة 1952، كانت نظرة الثورة إلى الأحزاب سلبية وأنها مصدر للفساد والفتنة، واُتخذت إجراءات بتنظيمها في سبتمبر 1952، وحاولت الأحزاب التكيف مع الوضع الجديد، ولكن سرعان ما تم إلغاء دستور 1923 وتأليف لجنة لوضع دستور جديد، وبعدها تم حل الأحزاب في 18 يناير 1953، ومصادرة أموالها ومنع أعضائها من القيام بأي نشاط سياسي وحظر تكوين أحزاب جديدة.

وبدأت الثورة في تأسيس تنظيماتها السياسية، فتم تأسيس أول تنظيم سياسي في يناير عام 1953، وهو تنظيم هيئة التحرير، وقيل إنه ليس حزب وإنما هو أداة لتنظيم قوى الشعب وإعادة بناء المجتمع على أسس جديدة.

واستمرت هيئة التحرير حتى 2 ديسمبر عام 1957، والتي رأى فيها “عبد الناصر” الضعف، والتي لا تصلح للفترة القادمة لما فيها من إجراءات، حتى أنشأ التنظيم السياسي الثاني، وهو تنظيم الاتحاد القومي، والذي جاء تأسيسه طبقًا لما وُرد في الدستور المؤقت، فقد نص الدستور في المادة 192 منه على أن يكون المواطنون اتحادًا قوميًا للعمل على تحقيق الأهداف التي قامت من أجلها الثورة، وحث الجهود لبناء الأمة بناءً سليمًا من النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وأشارت قيادة الثورة إلى أن هذا التنظيم هو السبيل لإقامة حياة ديمقراطية سليمة، وأنه سيقوم بتخطيط السياسة العامة للدولة على أن تقوم الحكومة بتنفيذها.

ولكن طرأ على ذلك التنظيم تغيرات بعد فشل الوحدة المصرية السورية، فتم الإعلان عن التنظيم الجديد الاتحاد الاشتراكي العربي، وصُدر قانون ليحدد طبيعة هذا التنظيم في ديسمبر 1962 ليكون هو السلطة الممثلة للشعب من عمال، وفلاحين، ومثقفين وجنود، والرأسمالية الوطنية “قوى الشعب” وذلك لمواجهة القوى الرجعية من أعداء الوطن.

كذلك تم إنشاء منظمة الشباب لإعداد الكوادر التي سوف تتحمل المسئولية فيما بعد وتم تأهيلهم لذلك، ويعتبر ذلك التنظيم من أنجح تنظيمات تلك الحقبة لتدريبهم وصقلهم ولحماية نظام “عبد الناصر” .

ولكن للأسف جاءت نكسة 1967، وكانت ضربة قاصمة لكل التنظيمات والأفكار التي روج لها وتم فقد الثقة فيها وحل فيها الضعف.

ووجد الإخوان في تلك الفترة برغم التقلبات بينها وبين السُلطة، الفرصة للانتشار برغم حل الجماعة والقبض عليهم بعد حادث المنشية وعدم وجود أحزاب، إلا أنهم كانوا الأغلبية المستعدة وقت حكم “السادات” وما بعدها، كذلك كانت هناك التنظيمات الشيوعية والمنظمات الصهيونية وكانوا في فترة صدام مستمر مع السُلطة.

وقام “عبد الناصر” بإنشاء منظمة سرية من مجموعة منتقاه هي التنظيم الطليعي، وقد عرف بها فقط عبد الحكيم عامر، والذي لم يشغل باله بها باعتباره ليس تنظيمًا عسكريًا، حتى “السادات” نفسه لم يكن يعرف أفراد التنظيم الطليعي، والذي كان يضم “عبد الناصر” وسامي شرف، وأحمد فؤاد، وعباس رضوان، وشعراوي جمعة، ولكن ظل الاتحاد الاشتراكي هو التنظيم القائم في مصر والوحيد حتى أعلن “السادات” عن حوار حول مستقبل التنظيم وطبيعة المنابر السياسية حتى كان عام 1976، وسمح بالتعددية الحزبية.

وتعتبر تلك الفترة من أفقر الفترات، وكما يُطلق عليها مرحلة اللاحزبية، فدائمًا كان الكيان الواحد وتنقل الأعضاء من كيان إلى أخر مع تغير المسمى لا يضيف جديد.