في مثل هذا اليوم، 14 مايو، رحل عن عالمنا “فتى الشاشة الأول” أنور وجدي، تاركاً وراءه قصة كفاح سينمائية لا تقل دراما عن أفلامه التي خلدت أسمه في ذاكرة الفن العربي.
من أرصفة “عماد الدين” إلى عرش السينما

لم يكن طريق أنور وجدي مفروشة بالورود، بل بدأت من “تحت الصفر”، نشاء في حي الظاهر الذي عانى فيه مرارة الفقر والحرمان بعد إفلاس والده، كان يتسكع في شارع عماد الدين يقتنص نظرة من كبار فناني العصر، يروي الناقد جليل البنداري أن وجدي كان يقترض “ستة مليمات” أجرة الترام، ويغلق أزرار جاكته ليخفي عدم وجود قميص تحته، ومع ذلك، كان يصر على الجلوس مع الأساتذة على المقاهي ليوهم زملائه “الكومبارس” أنه صار واحداً منهم .
طرقت قدماه مسرح رمسيس متوسلاً ليوسف وهبي أن يقبله ولو “عامل بوفيه”، فبدأ كـ “كومبارس صامت” يحمل الحربة خلف الأبواب، حتى نطق أول جملة له “من بالباب أيها المهاب؟” كانت هذه الجملة البسيطة هي مفتاح بوابات المجد
“ليلى بنت الفقراء”.. حين تآمر الحظ والحب لصناعة المخرج

كانت نقطة التحول الكبرى في حياة وجدي لقاؤه بـ الفنانة ليلى مراد، حيث تحكي ليلى في تسجيل نادر, أن تعارفهما بدأ بخفة ظل ومقترح لفيلم جديد، وحين اعتذر المخرج كمال سليم لمرضه، كانت ليلى هي من اقترحت أن يتولى أنور الإخراج لأول مرة، رغم اعتراض المنتجين.
لم يخرج فيلم “ليلى بنت الفقراء” للنور كعمل سينمائي ناجح فحسب، بل شهد ولادة أشهر قصة حب وزواج في تاريخ الوسط الفني، ليتحول وجدي بعدها إلى “مؤسسة فنية” كاملة (يؤلف، ينتج، يخرج، ويمثل).
صانع النجوم ومكتشف المواهب
لم يكتفِ أنور وجدي بنجاحه الشخصي، بل كان يمتلك “راداراً” للعبقرية، هو من اكتشف الطفلة “فيروز” وأنتج لها أفلاماً جعلت منها أشهر طفلة في تاريخ السينما، كان وجدي سابقاً لعصره برؤيته التسويقية وقدرته على دمج الاستعراض بالدراما، مما جعله النجم الوحيد الذي وقف أمام ثلاثي القمة: أم كلثوم، وأسمهان، وليلى مراد.
التراجيديا الأخيرة.. الموت فوق الرصيف
رغم الأموال الطائلة التي جمعها، كانت نهاية أنور وجدي مشهداً مأساوياً بامتياز، أصيب بمرض وراثي نادر في الكلى، وسافر إلى السويد للعلاج، لدرجة أنه عرض “ثلاثة أرباع ثروته” على الطبيب مقابل إنقاذ حياته، لكن القدر كان أسرع، ففقد بصره ثم فارق الحياة عن عمر ناهز 51 عاماً.
رحل أنور وجدي بجسده، لكنه بقي “العبقري” الذي علم السينما كيف تبتسم، وكيف تصنع الأحلام من رحم المعاناة.







