نهاد شعبان

تحل اليوم ذكرى رحيل الفنان إسماعيل ياسين، أحد أهم نجوم الكوميديا في تاريخ السينما المصرية، ذلك الفنان الذي لم يكن مجرد ممثل أضحك الملايين، بل حكاية إنسانية كاملة صنعتها المعاناة، وخلدتها الضحكة الصادقة، فخلف الوجه الذي ارتبط بالبهجة وخفة الظل، كانت هناك طفولة قاسية، وذكريات موجعة، ورحلة طويلة من الكفاح، جعلت من إسماعيل ياسين نموذجا للفنان الذي انتصر على الحياة بالفن، وعلى الأحزان بالابتسامة.

طفولة قاسية
ولد إسماعيل ياسين علي نخلة يوم 15 سبتمبر عام 1912 بمدينة السويس، لأسرة ميسورة الحال، حيث كان والده يعمل تاجر ذهب معروفا، لكن الحياة التي بدأت مستقرة لم تدم طويلا، فقبل أن يكمل عامه السادس فقد والدته، لتبدأ بعدها رحلة من الحرمان النفسي والإنساني، حيث تركه والده في رعاية جدته لأمه، التي كان اسمها “أليفة”، لكن إسماعيل ياسين نفسه كان يروي أن القسوة كانت عنوان معاملتها له، حيث كانت تعتبره سببا غير مباشر في وفاة ابنتها الصغيرة، عاش الطفل الصغير سنوات من الجوع والإهمال والضرب، حتى إنها كانت تكتفي بإطعامه وجبة واحدة يوميًا، بينما كان قلبه الصغير يبحث عن الحنان المفقود، تلك الطفولة القاسية انعكست لاحقا على شخصيته الفنية، فالرجل الذي أضحك الملايين كان يعرف جيدًا معنى الحزن، وربما لذلك جاءت ضحكته قريبة من الناس، صادقة وبسيطة، تشبه وجعهم اليومي وتمنحهم عزاء خفيفًا في مواجهة الحياة.

من حلم الغناء إلى أبواب القاهرة المغلقة
لم يكمل إسماعيل ياسين تعليمه، فغادر المدرسة وهو في الصف الرابع الابتدائي، لكن الفن ظل يسكن وجدانه منذ الصغر، خاصة بعد تأثره الكبير بالموسيقار محمد عبد الوهاب، الذي كان يقلده ويردد أغانيه في المناسبات، وفي سن السابعة عشرة، قرر أن يهرب إلى القاهرة بحثا عن حلمه الفني، أخذ ستة جنيهات من أموال جدته وسافر إلى العاصمة أملا في الالتحاق بمعهد الموسيقى، لكنه فوجئ بأن المعهد مغلق بسبب عطلة طويلة، نفدت أمواله سريعا، واضطر للنوم في مسجد السيدة زينب، ثم في مسجد آخر، بينما كان يطارد حلمه وحيدا في مدينة لا تعرف الرحمة، عاد بعدها إلى السويس ليكتشف أن والده فقد ثروته أيضا، وكأن الأقدار كانت تصر على اختباره مبكرا، لكن الفتى النحيل لم يستسلم، فعاد إلى القاهرة مرة أخرى بإصرار أكبر، وهناك بدأت نقطة التحول الحقيقية في حياته.

أبو بثينة.. الرجل الذي اكتشف الموهبة
في القاهرة التقى الكاتب محمد عبد المنعم الشهير بـ “أبو بثينة”، الذي أدرك بسرعة أن الشاب القادم من السويس لا يصلح مطربا بقدر ما يملك موهبة فطرية في الإضحاك وخفة الظل، فنصحه بالاتجاه إلى فن المونولوج، كانت تلك النصيحة بمثابة البوابة التي دخل منها إسماعيل ياسين إلى عالم النجومية، بدأ يقدم مونولوجاته في الإذاعات الأهلية، ثم ذاع صيته تدريجيا حتى أصبح يقدم أعماله عبر الإذاعة المصرية مقابل أربعة جنيهات للمونولوج الواحد، وهو مبلغ مهم وقتها.
وبعدها انتقل إلى العمل في أشهر الملاهي الليلية، متنقلا بين فرق فنية عديدة مثل فرقة حورية محمد وفرقة ببا عز الدين، قبل أن يصل إلى فرقة بديعة مصابني، التي كانت بمثابة مدرسة فنية كبرى خرجت أجيالا كاملة من النجوم، وفي تلك المرحلة أيضا، تعرف على المؤلف الكبير أبو السعود الإبياري، الذي أصبح شريك رحلته الفنية وصاحب البصمة الأهم في نجاحه، حيث استمرت بينهما علاقة فنية وإنسانية طويلة حتى وفاة الإبياري عام 1969.

نجم الشباك الأول.. حين أصبح الاسم في حد ذاته بطولة
بدأ إسماعيل ياسين رحلته السينمائية عام 1942 من خلال فيلم أحب الغلط أمام تحية كاريوكا وحسين صدقي، لكن انطلاقته الحقيقية جاءت في الخمسينيات، حين تحول إلى ظاهرة فنية غير مسبوقة، خلال تلك الفترة كان يشارك في أكثر من 16 فيلما سنويا، في معدل إنتاجي يكاد يكون استثنائيا حتى اليوم، ولم يكن نجاحه قائما فقط على كثرة الأعمال، بل على حضوره الشعبي الكبير، حيث رأى فيه الجمهور ابن البلد البسيط الذي يشبههم.
ويظل إسماعيل ياسين واحدا من الفنانين القلائل الذين حملت الأفلام أسماءهم الشخصية، مثل أفلام: إسماعيل ياسين في الجيش، وإسماعيل ياسين في البوليس، وإسماعيل ياسين في الطيران، وغيرها من الأعمال التي تحولت إلى علامات ثابتة في ذاكرة السينما العربية، وكانت تلك الأفلام، التي أخرج معظمها المخرج فطين عبد الوهاب، تحقق نجاحا جماهيريا هائلا، حتى إن الرئيس جمال عبد الناصر حضر العرض الخاص لفيلم “إسماعيل ياسين في الجيش” عام 1955.

المجد المسرحي والانكسار الأخير
لم يكتف إسماعيل ياسين بالسينما، بل أسس فرقته المسرحية التي انطلقت عام 1954 بمسرحية حبيبي كوكو، وقدمت الفرقة بعد ذلك 61 مسرحية، جميعها من تأليف أبو السعود الإبياري، كان المسرح بالنسبة له مساحة مختلفة للتواصل المباشر مع الجمهور، لكنه مثل الحياة تماما، لا يمنح النجاح للأبد، ففي الستينيات بدأ بريقه السينمائي يتراجع مع تغير شكل الصناعة الفنية وصعود نجوم جدد، حتى انخفض عدد أفلامه بصورة كبيرة.
وجاءت الضربة الأقسى مع أزمة الضرائب عام 1966، حين طالبته الدولة بسداد 70 ألف جنيه، ما اضطره للعودة إلى الغناء في الملاهي الليلية بعد سنوات طويلة من المجد والنجومية، ورغم كل ذلك، ظل إسماعيل ياسين محتفظا بكرامته وروحه الساخرة، ولم يسقط في اليأس كما حاولت بعض الروايات أن تصور سنواته الأخيرة، فقد نفت أسرته لاحقا أنه عاش فقيرا أو مهملا، مؤكدة أنه ظل محاطا بمحبة الناس حتى أيامه الأخيرة.

الرحيل.. وبقاء الضحكة
في 24 مايو عام 1972 رحل إسماعيل ياسين عن عمر ناهز 59 عاما، لكن رحيله لم يكن نهاية الحكاية، فبعد عقود طويلة، ما تزال أفلامه تعرض يوميا، وما يزال الجمهور يضحك من قلبه أمام مشاهده وكأن الزمن لم يتحرك، ربما لأن إسماعيل ياسين لم يكن مجرد ممثل كوميدي، بل حالة إنسانية نادرة، استطاعت أن تحول الألم إلى فن، والدموع إلى ضحكات، وأن تمنح الناس أملا خفيفا في مواجهة قسوة الحياة، ولهذا بقيت ابتسامته موجودة حتى اليوم، وبقي هو واحدا من أكثر الفنانين قربا من قلوب المصريين والعرب، كأن الزمن قرر أن يكافئ ذلك الطفل الذي عرف القسوة مبكرا، بمنحه البقاء في ذاكرة الفن والناس.







