محمد فؤاد
محمد فؤاد

9  أيام هزّت البرلمان.. كواليس معركة قانون جهاز مستقبل مصر

استيقظت هذا الصباح وأنا أحاول أن أستوعب ما الذي حدث بالضبط خلال الأيام التسعة الماضية خلال مناقشات مشروع قانون جهاز مستقبل مصر، وبالتحديد خلال اثنتين وسبعين ساعة هي تقريبًا عدد ساعات العمل الفعلية التي قضيناها كهيئة برلمانية لحزب العدل، بين يومين كاملين في اللجنة المشتركة، ويومين في الجلسة العامة، وخمسة أيام متواصلة من القراءة والتحضير والدراسة والنقاشات والاتصالات.

طوال هذه الفترة لم أفعل شيئًا تقريبًا سوى التفكير في مشروع القانون، فقرأت نصوصه مرات لا أستطيع عدها، وراجعت مذكرات وملاحظات وأوراقًا سابقة، وخضت عشرات المناقشات مع زملاء داخل حزب العدل وخارجه، ومع متخصصين في القانون والاقتصاد والإدارة العامة، حتى أصبحت أشعر أن كل ساعة في اليوم تدور حول سؤال واحد: ماذا يجب أن يكون عليه هذا القانون؟.

الحقيقة أن المشروع لم يأتِ إلينا من فراغ، فقد كانت لدينا خلفية سابقة عن الجهاز نفسه، وكنت قد كتبت في فبراير الماضي ورقة مطولة أحاول فيها فهم طبيعة النموذج الذي يمثله جهاز مستقبل مصر وموقعه داخل خريطة ملكية الدولة، كما أن لحزب العدل رؤية مستقرة منذ سنوات حول مسألة إدارة الأصول العامة ودور الدولة الاقتصادي والعلاقة بين الدولة كمنظم والدولة كمالك والدولة كمستثمر؛ لذلك عندما وصل مشروع القانون إلى الهيئة البرلمانية صباح الإثنين السادس من يوليو، لم نبدأ من الصفر، لكننا بالتأكيد لم نكن نتوقع حجم النقاش الذي سيفتحه المشروع بعد ذلك.

قضينا يومًا كاملاً في الدراسة والتشاور.. قرأنا النص مادة مادة، وحاولنا أن نفهم ليس فقط ما يقوله القانون، وإنما أيضًا ما الذي سيترتب عليه بعد سنوات من التطبيق، ومع نهاية ذلك اليوم كانت لدينا رؤية أولية واضحة مفادها أن المشروع في صيغته المقدمة يثير عددًا من الإشكاليات الجوهرية التي لا يمكن تجاوزها بسهولة، سواء فيما يتعلق بالحوكمة أو بالاستثناءات أو بالعلاقة بين الجهاز والخزانة العامة أو بتنظيم مناطق التنمية المستدامة أو بموقع الجهاز نفسه داخل المشهد الاقتصادي العام للدولة.

أتذكر جيدًا المكالمة التي دارت بيني وبين النائب عبد المنعم إمام، رئيس الحزب، في ذلك المساء، إذ لم تكن مكالمة طويلة فحسب، بل كانت لحظة حسم حقيقية، فقد اتفق التقييم في تلك اللحظة أن المشروع بصيغته القائمة غير مقبول، وأن تمريره كما هو أمر لا يمكن القبول به سياسيًا أو تشريعيًا، ولذلك كان القرار الأولي واضحًا، فإذا لم تحدث تعديلات جوهرية وحاسمة فإن موقفنا سيكون الرفض الكامل للمشروع.

لكننا اتخذنا قرارًا آخر في الوقت نفسه، بألا نكتفي بالرفض، حيث قررنا أن نشتبك مع النص إلى أقصى درجة ممكنة، خاصة وأنه إذا كان هناك مجال لتحسين القانون فيجب أن نحاول أولًا قبل أن نرفع لافتة الرفض، ومن هنا بدأت المعركة الحقيقية.

فجر الثلاثاء: المذكرة الأولى
من خلال النائب حسين هريدي، عضو اللجنة التشريعية، استخدمنا المادة (60) من اللائحة الداخلية لمجلس النواب، وهي مادة تمنح أي نائب الحق في أن يعرض رأيه مكتوبًا أمام اللجنة المختصة، فأعددنا مذكرة تفصيلية تضمنت ملاحظاتنا الرئيسية وتعديلاتنا المقترحة، وأرفقنا بها الدراسة السابقة التي كنا قد أعددناها حول موقع الجهاز في إطار الملكية العامة للدولة.

وبالفعل أُرسلت المذكرة فجر الثلاثاء، ورغم أننا بذلنا جهدًا كبيرًا في إعدادها، فإننا لم نكن نعرف على وجه اليقين ما إذا كانت ستُقرأ بالجدية نفسها التي كتبناها بها أم لا، خاصة وأن السوابق تشير إلى أن هذه أمور تحدث كثيرًا في العمل البرلماني، حيث تكتب مذكرات مهمة ثم لا يتجاوز أثرها حدود الأرشيف، لكن ما حدث بعد ذلك كان مختلفًا.

الأربعاء: عندما شعرت أن هناك من يستمع
دخلنا أول اجتماعات اللجنة المشتركة بحالة واضحة من التحفز، كنا مستعدين لمعركة صعبة، وربما طويلة، وربما لا تنتهي إلى شيء، لكن قبل بدء المناقشات نفسها حدث شيء لفت انتباهي، فقد رأيت نسخًا من الورقة التي أعددناها تتداول بين النواب داخل القاعة، ورغم أن ذلك قد يبدو هذا تفصيلاً صغيرًا، لكنه لم يكن كذلك بالنسبة لي، إذ شعرت للمرة الأولى أن هناك استعدادًا حقيقيًا للنقاش، وأن الأفكار المطروحة لن تُقابل بالتجاهل المسبق.

تحدثت أمام اللجنة، وتحدث عبد المنعم إمام، وطرحنا الاعتراضات الرئيسية بوضوح شديد، وفي الحقيقة لم نحاول تجميل موقفنا، ولم نخفِ حجم التحفظات الموجودة لدينا، فقد كانت الرسالة الأساسية بسيطة بأننا لسنا ضد الجهاز، ولسنا ضد فكرة تقنين أوضاعه، لكننا نرى أن النص بحاجة إلى تعديلات جوهرية، ودون هذه التعديلات سيكون موقفنا الرفض.

في الكواليس.. بدأت السياسة تعمل
انتهى اليوم الأول دون تغييرات كبيرة في النصوص نفسها، لكن شيئًا مهمًا بدأ يتشكل خارج النصوص، فقد بدأ الحوار الحقيقي.

خلال الاستراحات وبين الجلسات دارت أحاديث كثيرة في الأروقة، أتذكر حديثًا مع النائب أحمد عبد الجواد، زعيم الأغلبية، شرحنا فيه بالتفصيل حجم التحفظات الموجودة لدينا والأسباب التي تدفعنا إلى هذا الموقف، وكانت المفاجأة في ردّه، حيث قال ببساطة: “وأنا معاكم”.

لم يكن المقصود بالطبع أنه يتبنى كل ما نقوله حرفيًا، لكن الرسالة التي وصلت كانت أن هناك استعدادًا حقيقيًا للاستماع وإجراء تعديلات إذا كانت مبررة ومقنعة، وعندها بدأت أشعر أن الأمور قد تسير في اتجاه مختلف عما توقعناه في البداية.

اليوم الثاني: انتزاع التعديلات
في اليوم التالي دخل النقاش مرحلة أكثر عمقًا وأكثر جدية، فأصبحت المواد تُناقش بندًا بندًا، وأصبح هناك اشتباك حقيقي حول التفاصيل، وبرز خلال ذلك اليوم دور عدد من الزملاء الذين خاضوا النقاش بقوة وإصرار، وعلى رأسهم ضياء الدين داود وأحمد فرغلي وعبد المنعم إمام، في محاولة لانتزاع أكبر قدر ممكن من التعديلات التي رأينا أنها ضرورية.

كانت ساعات طويلة من النقاش والمراجعة والمقارنات والصياغات البديلة، وعندما انتهى اليوم الثاني كانت النتيجة أفضل بكثير مما توقعناه عند بداية الرحلة، فقد حصلنا على أكثر من نصف ما دخلنا نطالب به، وتم إقرار تعديلات مهمة ومطالبات أخرى قد تحركت خطوات كبيرة إلى الأمام، ليصبح المشروع مختلفًا بصورة ملحوظة عن النسخة التي وصلت إلينا في البداية.

من المعارضة إلى التقييم
بعد انتهاء أعمال اللجنة اجتمعت الهيئة البرلمانية للحزب لتقييم الموقف، ولم يعد السؤال وقتها: هل نرفض أم لا؟، بل أصبح السؤال: ماذا تحقق؟ وماذا بقي؟.

كانت الحقيقة أن كثيرًا من الملاحظات الجوهرية التي أثارتها المذكرة تمت الاستجابة لها بصورة كاملة أو شبه كاملة، فالاستثناءات تقلصت بصورة كبيرة، والإعفاءات الضريبية أُزيلت، ومناطق التنمية المستدامة أصبحت خاضعة لموافقة البرلمان، والعلاقة بين الجهاز والخزانة العامة أصبحت أكثر وضوحًا.

إذ نجحنا في إدخال تعديلات مهمة على عدد من مواد مشروع القانون، أهمها إخضاع الجهاز لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات وضبط العلاقة المالية بين الجهاز والخزانة العامة، بما يضمن عدم تحميل الخزانة أي التزامات أو أعباء مالية غير محددة، وإلغاء الحدود القصوى غير المنضبطة للعوائد والفوائض، ووضع إطار أكثر وضوحًا وتنظيمًا للعلاقة المالية بين الطرفين.

وامتدت التعديلات إلى نظام مناطق التنمية المستدامة، حيث أصبحت عملية إنشاء هذه المناطق مرتبطة بموافقة مجلس النواب، مع وضع ضوابط أكثر تحديدًا لتنظيمها، وقواعد تسجيل الشركات ومكاتب الاعتماد العاملة بها. وفيما يتعلق بالاستثناءات والمزايا الخاصة، فقد تم تقليص نطاق الإعفاءات التنظيمية والضريبية، وإخضاع الصناديق التابعة للجهاز للقواعد الضريبية العامة، بما يعزز مبادئ المساواة والشفافية، ويحد من الاستثناءات غير المبررة.

لكننا شعرنا في الوقت نفسه أن ملف الحوكمة الداخلية للجهاز والصناديق التابعة له لا يزال يحتاج إلى مزيد من العمل، ومن هنا قررنا أن نستكمل الجولة في الجلسة العامة.

الجلسة العامة: رفض مريح أم اشتباك مسؤول؟
كان بإمكاننا كهيئة برلمانية أن نتخذ الطريق الأسهل سياسيًا، أن نقف ونعلن الرفض الكامل للمشروع، بأن نقول إن لدينا تحفظات وأننا قمنا بواجبنا وانتهى الأمر، لكن الحقيقة أننا لم نرَ أن هذا هو الأوجب، فالدور الأسهل في السياسة كثيرًا ما يكون هو الرفض، أما الدور الأصعب فهو أن تدخل في التفاصيل، وأن تحاول تحسين النص حتى آخر لحظة، وأن تتحمل مسؤولية التمييز بين ما تغير وما لم يتغير.

ولهذا أوضحنا في الجلسة العامة أن القانون أصبح أفضل بكثير مما كان عليه عند وصوله، وأن هناك تعديلات مهمة استجابت لها الحكومة والبرلمان، لكننا في الوقت نفسه ما زلنا نرى أن ملف الحوكمة يحتاج إلى مزيد من التطوير، وأعلنا ذلك بوضوح.

معركة المكتب التنفيذي
أهم ما تبقى بالنسبة لنا كان إنشاء هيكل تنفيذي مؤسسي للصناديق التابعة للجهاز يمنع تركز السلطات ويعزز الحوكمة، وتقدمت بتعديل لإنشاء مكتب تنفيذي للصندوق، إلا أنه قد رُفض التعديل.

في تلك اللحظة كان من الممكن أن تنتهي القصة، لكن السياسة الجيدة لا تنتهي عند التصويت الأول، فبدأت اتصالات ومناقشات مكثفة مع الأغلبية، أوضحنا خلالها أن هذه النقطة ليست تفصيلًا صغيرًا بالنسبة لنا، وإنما تمثل جزءًا أساسيًا من تقييمنا النهائي للمشروع كله، وتم التوافق على إعادة طرح الفكرة في اليوم التالي.

وبالفعل، عندما عادت إلى النقاش مرة أخرى تم قبولها، لنصل في المجمل إلى حوالي 75% من الاستجابة إلى الطلبات في ورقة العمل التي قدمناها، وكانت لحظة لها دلالة تتجاوز التعديل نفسه، لأنها أثبتت أن الحوار لا يزال قادرًا على تغيير النتائج، وأن باب التوافق لم يكن مغلقًا.

ماذا بقي من هذه التجربة؟
الحقيقة أن ما حدث خلال هذه الأيام التسعة لا يمكن اختزاله فقط في المواد التي عُدلت أو المواد التي لم تُعدّل، فما حدث بالنسبة لي كان تجربة سياسية وبرلمانية مهمة، فللمرة الأولى منذ فترة طويلة شعرت أن السياسة تعمل بالفعل.

المذكرات تُقرأ، والاعتراضات تُناقش، والمقترحات تُراجع، والأغلبية تستمع، والمعارضة تحاول أن تحسن لا أن تعترض فقط، والأهم من كل ذلك أن الجهاز نفسه كان مستجيبًا بصورة فاقت توقعاتنا، وأكد أكثر من مرة أن الوصول إلى توافق أوسع أهم بالنسبة له من الحصول على استثناءات إضافية داخل القانون.

ولهذا فإن ما حدث خلال الأيام الماضية يستحق التأمل، ليس لأننا حصلنا على كل ما أردناه، فبالتأكيد لم نحصل على كل شيء، ولا لأن كل الملاحظات عولجت، فما زالت هناك قضايا أكبر تتعلق بخريطة ملكية الدولة وتعدد الكيانات الاقتصادية العامة والفصل الوظيفي بين أدوار الدولة المختلفة، وهي قضايا ستظل مطروحة للنقاش خلال السنوات المقبلة -،لكن لأن هذه الجولة أثبتت أن الاشتباك الجاد يمكن أن يغير النتائج، وأن الحوار الحقيقي ما زال قادرًا على تحسين التشريعات عندما تتوافر الإرادة لذلك.

لهذا أستطيع أن أقول اليوم، وبعد تسعة أيام كاملة من القراءة والنقاش والعمل، إننا لم نخرج من هذه المعركة منتصرين بالكامل، ولم نخرج منها مهزومين، لكننا خرجنا منها ونحن نعلم أن جزءًا معتبرًا مما طالبنا به أصبح جزءًا من القانون، وأن جولة نادرة من السياسة الحقيقية حدثت بالفعل، وأتمنى أن تكون هذه هي القاعدة يومًا ما، لا الاستثناء.