
في راوية “سيد الخواتم –the lord of the rings” لـ”جيه آر. آر. تولكين” كان “بالانتير” حجرًا بلوريًا يسمى “حجر الرؤية” وهو قطعة أثرية غامضة تمنح حاملها القدرة على مراقبة الأماكن والأحداث البعيدة، متجاوزة حدود الزمان والمكان، ووعد “بالانتير” بالمعرفة والبصيرة والسيطرة، إلا أن تلك القوة تحولت إلى لعنة، وتحولت الشخصيات النبيلة ذات النوايا الحسنة، مضللة بحقائق جزئية تم التلاعب بهم ليتم دفعهم إلى اتخاذ قرارات كارثية.
يكشف البالانتير الكثير، لكنه لا يكشف الحقيقة كاملةً أبدًا، فما يكشفه كان قابلاً للتحريف والتجزئة والاستخدام كسلاح من قبل جهات خفية، ويكمن سحره في وهم الوضوح، وخطره في التشوهات الخفية الكامنة في تلك الرؤية.

مجالات الاستفادة من بالانتير
واليوم تقدم شركة “بالانتير تكنولوجيز” المؤسسة عام 2003 نفسها كشركة تقنية ومزود رئيسي للتكنولوجيا لوكالات الدفاع والاستخبارات الغربية، بتمويل أولي من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية “CIA”، على يد بيتر ثيل، الشريك المؤسس لشركة باي بال وأليكس كارب وستيفن كوهين، ومنذ 2025 يشغل كارب منصب الرئيس التنفيذي للشركة ويشغل كوهين منصب رئيس مجلس الإدارة.
وقامت “بالانتير” بتطوير منصات قوية لاستخراج البيانات وتجميع وتحليل كميات هائلة من المعلومات من مصادر مختلفة، ما يوفر للمستخدمين رؤية شبه شاملة، ومنذ العام 2025 توسع دور الشركة في المراقبة الداخلية الأمريكية، ما تسبب في زيادة قلق الرأي العام.
ويشكل برنامج “بالانتير” الآن أساس عمليات إنفاذ قوانين الهجرة، ومبادرات الشرطة التنبؤية، وأنظمة تبادل المعلومات الاستخباراتية بين الوكالات، وبينما تعد هذه الأدوات بتعزيز الأمن والكفاءة التشغيلية، فإنها تثير أيضًا تساؤلات أخلاقية وقانونية ملحة، من بينها تجاوز الدولة لصلاحياتها، والتحيز الخوارزمي، وتآكل الحريات المدنية باسم الأمن.

أبرز منتجات ومنصات بالانتير
تُعد منصتا “جوثام” و”فاوندري” المنصتين الرئيسيتين لشركة بالانتير، كما تشهد أدواتها البرمجية “أبولو” ومنصة الذكاء الاصطناعي (AIP) رواجًا متزايدًا، بالإضافة إلى هذه المنتجات الأربعة، طورت “بالانتير” حلولاً برمجية مخصصة لتلبية احتياجات عملاؤها.

بالانتير جوثام
تستخدم منصة بالانتير جوثام من قبل وكالات الدفاع والاستخبارات وإنفاذ القانون في الولايات المتحدة ودول حليفة أخرى، وتوفر المنصة معلومات استخباراتية فورية تساعد المسؤولين العسكريين على اتخاذ قرارات أكثر استنارة.
وفي مقطع فيديو توضح الشركة كيف يمكن لمنصة جوثام افتراضيًا، أن تُساعد مسئولي الاستخبارات الأمريكية في إحباط حصار صيني لتايوان، وذلك من خلال رصد نموذج الذكاء الاصطناعي ازديادًا في النشاط البحري، ويمكن للمحللون من خلال الوصول إلى صور إضافية من الأقمار الصناعية والتنبؤ بالمسار المحتمل لسفينة حربية صينية وتحديد حجمها وسرعتها وأنظمة أسلحتها، ثم تحدد جوثام عدة إجراءات محتملة، مع تقييم فوائد ومخاطر كل استراتيجية.
بالانتير فاوندري
يستخدم عملاء تجاريون في قطاعات مثل الرعاية الصحية والتصنيع والخدمات المالية منصة بالانتير فاوندري، من حلال دمج البيانات من مستودعات البيانات الحالية للعميل، تُنشئ طبقة تشغيلية تُعرف باسم بالانتير أنطولوجيا توأمًا رقميًا للمؤسسة، يربط الأصول الرقمية بالأصول الواقعية مثل المرافق والمعدات والمنتجات، يمكن هذا البرنامج من إجراء عمليات محاكاة وأتمتة العمليات، وبناء حلول مخصصة.

التعاون مع وكالات
في أبريل 2025 وقعت إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية “ICE” عقدًا بقيمة 30 مليون دولار مع شركة بالانتير واستخدمت بالانتير غوثام لتطوير منصة تُمكن عناصرها من الإطلاع شبه الفوري على تحركات المهاجرين وخلفياتهم، وترى إدارة الهجرة والجمارك أن هذا النظام يُمثل أداة إنفاذ القانون الأمثل، فهو لوحة تحكم شاملة تجمع بيانات الدخول عبر الحدود وسجلات التأشيرات، وعناوين المنازل وحتى أنشطة وسائل التواصل الاجتماعي.
ويزعم المسؤولون أنه سيساعد في استهداف المجرمين الخطرين وتجار البشر بدقة متناهية، يأتي ذلك في وقت تتوق فيه إدارة “ترامب” إلى تصعيد عمليات الترحيل، ويتحقق هذا الحلم من خلال البيانات، ويأتي القلق من الغموض الذي يكتنف هذه الأدوات وكيفية عملها ومن تستهدف، وكيفية تصحيح الأخطاء.
وامتد نفوذ “بالانتير” إلى وكالات إنفاذ القانون المحلية، فيما عرف بـ”الشرطة التنبؤية”، في مدن مثل نيو أورليانز ولوس أنجلوس، وهي فكرة مغرية أن تقوم بإدخال بيانات الجريمة لسنوات في خوارزمية بالانتير غوثام والتنبؤ بمكان ارتكاب الجريمة أو حتى هوية مرتكبيها.
ففي مدينة “نيو أورليانز” أسفرت شراكة سرية مع إدارة شرطة نيو أورليانز عن قائمة بأسماء المجرمين “المحتملين” بناء على علاقاتهم الاجتماعية وسجلات اعتقالهم، إلا أن الشرطة لم تجدد عقدها مع الشركة في عام 2018، أما “لوس أنجلوس” ساعد برنامج بالانتير في تصنيف ما يسمى بـ”المجرمين المتكررين”، مستهدفًا بشكل غير متناسب أحياء الأقليات، وهو ما يثبت أن النظام يُضخم التحيز العنصري، مستكملاً بذلك أساليب الشرطة السابقة.

صفقات “بالانتير”
وزارة الزراعة: أبرمت بالانتير صفقة بقيمة 300 مليون دولار مع وزارة الزراعة الأمريكية في أبريل 2026وبموجب هذه الاتفاقية، ستستخدم الوزارة تقنية بالانتير لإدارة الأراضي الزراعية وسلاسل التوريد العالمية، وتعد هذه الصفقة استمرارًا لتعاون الشركة مع وزارة الزراعة الأمريكية، وتبرز توسعها خارج نطاق العقود الدفاعية والعسكرية مع الحكومة الأمريكية.
البنتاغون: تبني البنتاغون نظام الذكاء الاصطناعي من بالانتير كنظام أساسي في الجيش الأمريكي في مارس 2026، وأدرج البنتاغون رسميًا نظام مافن للذكاء الاصطناعي من بالانتير ضمن برامجه الرسمية، وهي خطوة تضمن الاستخدام طويل الأمد لهذه التقنية المخصصة لاستهداف الأسلحة في جميع فروع الجيش الأمريكي. ووفقًا لمذكرة صادرة في مارس 2026 عن نائب وزير الدفاع الأمريكي ستيف فاينبرج، سيصبح مافن حجر الزاوية في استراتيجية الدفاع الأمريكية، ومن المقرر اعتماده في جميع فروع الجيش، مما سيضمن تمويلًا طويل الأمد لشركة بالانتير.
وزارة الصحة: أقامت “بالانتير” شراكة مع وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية في فبراير 2026، كشف تحليلٌ أجرته مجلة Wired لاستخدامات الذكاء الاصطناعي في وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية “HHS”، أنها كانت تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي من بالانتير لفحص طلبات المنح ومراجعتها، ووفقًا للتقرير دفعت الوزارة لشركة بالانتير أكثر من 35 مليون دولار أمريكي في عام 2025، مستخدمةً أدواتها لتحديد المنح التي تتضمن مصطلحات مرتبطة بالتنوع والإنصاف والشمولية، وقضايا النوع الاجتماعي.
“بالانتير” الإبادة الجماعية والحروب
بدأت حكومة تل أبيب استخدام برمجيات بالانتير عام ٢٠١٤، ووسعت شراكتها بشكل كبير خلال الإبادة الجماعية التي شنتها على غزة، والتي بدأت عام ٢٠٢٣، وصرح الرئيس التنفيذي لشركة بالانتير أليكس كارب، قائلاً:” أنا فخور بدعمنا لإسرائيل بكل السبل الممكنة”، وقد استخدم الجيش الإسرائيلي تقنية بالانتير للتخطيط لهجمات في لبنان وغزة”.
كما تتعاون “بالانتير” بشكل وثيق مع الجيش الأمريكي، ووفقًا للرئيس التنفيذي، “تستخدم برمجيات أسلحتنا في كل موقف قتالي أعرفه”، وقال شيام سانكار أحد مسؤولي بالانتير إن عمل الشركة مع البنتاجون يشبه “مشروع مانهاتن لهذا الجيل” في إشارة إلى برنامج الحرب العالمية الثانية الذي طور القنابل الذرية التي ألقيت على هيروشيما وناغازاكي.

إدارة “ترامب” و”بالانتير”
ارتفعت أسهم بالانتير بشكل كبير بعد فوز دونالد “ترامب” في انتخابات عام ٢٠٢٤، وخلال ولاية “ترامب” الثانية كان لدى شركة بالانتير ومشاريع ثيل الأخرى ما لا يقل عن 17 موظفًا حاليًا أو سابقًا يشغلون مناصب رفيعة في الإدارة من بينهم نائب الرئيس جيه دي فانس، الذي كان موظفًا سابقًا لدى ثيل، وتعد قيادة بالانتير من كبار ممولي مرشحي حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا – MAGA”، كما تبرعت الشركة لقاعة احتفالات البيت الأبيض في عهد “ترامب”.

المخاطر على الديمقراطية
تثير الشراكة بين شركة بالانتير والحكومة الفيدرالية تساؤلات جوهرية حول المساءلة في دولة تعتمد على البيانات، منها من يقرر كيفية استخدام هذه الأدوات؟ من يستطيع الطعن في قرار اتخذ بواسطة برنامج، لا سيما إذا كان هذا البرنامج احتكاريًا؟
لا يكمن القلق في وجود هذه القدرات على دمج البيانات، بل في إمكانية استخدامها من قبل الوكالات الحكومية بطرق تقوض الحريات المدنية دون موافقة عامة، فبمجرد استخدامها يصعب تفكيك هذه الأنظمة، فهي تنشئ توقعات جديدة للسرعة والكفاءة في إنفاذ القانون، مما يجعل العودة إلى العمليات الأبطأ والأكثر يدوية مكلفة سياسيًا. وقد يؤدي هذا الجمود إلى ترسيخ ليس فقط التكنولوجيا، بل أيضًا نطاق المراقبة الموسع الذي تتيحه.
يعد نظام غوثام من بالانتير أكثر من مجرد برنامج. فهو يمثل كيف يمكن للحوكمة الحديثة أن تعمل من خلال البيانات والروابط، والمراقبة والتحكم المستمرين، ومن المرجح أن تحدد القرارات المتخذة بشأن استخدامه اليوم التوازن بين الأمن والحرية لعقود قادمة.




