مصير السويداء وورقة الدروز.. مخاطر تقطيع الأطراف السورية نتيجة ثنائية التحريض الإسرائيلي والمطامع التركية

بينما يحبو النظام السوري بقيادة أحمد الشرع، لمحاولة بسط نفوذه وسيطرته على الأراضي السورية، وسط ما يعانيه من أزمة عدم ثقة، نتيجة خلفية النظام الذي تولد من أحضان السلفية الجهادية، وهو ما أوجد تخوفات وداخلية وإقليمية على الرغم من المباركة الأمريكية والأوروبية للنظام بالتغاضي عن خلفيته العقائدية.

 لكن تتعدد جوانب الأزمة ويجد النظام الجديد -بقيادة “الشرع”- نفسه في أزمات ومقاومة ورفض من عدة أطراف أبرزها الأكراد الذين يسيطرون على منطقة الشرق والشمالي السوري، في مساعي منهم لإقامة منطقة نفوذ لهم، وهو ما يجد معارضة كبيرة من تركيا، ولا يقتصر الأمر على الأكرد فحسب، وتبرز هنا أزمة تمثل تهديدًا خطيرًا لسلطة دمشق وهو الدروز، الذين يبرزون في منطقة رخوة، سواء في الجولان المحتل أو منطقة القنيطرة وجبل الشيخ، التي تسعي إسرائيل بسط نفوذها عليه، وممارسة عملية تحريض على ذلك.

وأكد مصدر أمني سوري أن جماعات درزية مسلحة في محافظة السويداء جنوب سوريا، شنت هجمات بقذائف الهاون على نقاط أمنية داخلية محلية، ويأتي هذا العنف بعد أيام قليلة من التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين قوات سوريا الديمقراطية  الكردية والحكومة، بهدف دمج المقاتلين الأكراد في مؤسسات الدولة.

ونقلت وكالة النباء السورية الرسمية “سانا” اندلاع اشتباكات منتصف الأسبوع في غرب السويداء بين قوات الأمن الداخلي السوري وجماعات درزية مسلحة تابعة لما يُعرف بـ”الحرس الوطني”، وسط تصاعد التوتر الأمني ​​في جنوب سوريا.

وأفادت مصادر محلية أن مقاتلين من كتيبة ” فرسان حمزة 501 ” حاولوا التقدم نحو محور المنصورة ريما حازم في ريف المحافظة الغربي، تحت غطاء ناري كثيف، ويأتي هذا التصعيد عقب هجمات على مواقع للأمن الداخلي في منطقتي ريما حازم وولغا، ما دفع الاشتباكات إلى الامتداد عبر جبهات متعددة في الريف الغربي، حيث استخدم الطرفان أسلحة ثقيلة ومتوسطة.

ما هي خلفية الوضع في السويداء؟
منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024، سعت حكومة “الشرع” إلى استعادة السيطرة على كامل الأراضي السورية، ورغم هذه الجهود لا تزال بعض الجماعات المسلحة تتحدى سلطة الدولة وتثير الفوضى، وهو ما تعهدت دمشق بوضع حد له، مؤكدة عزمها على استعادة السيطرة الكاملة على كامل الأراضي السورية.

وبعد أحداث يوليو 2025، التي أدت إلى مقتل مئات من المسلحين والمدنيين الدروز والبدو وعناصر الأمن والجيش، لتشهد شعبية حكمت الهجري، الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز في السويداء، ارتفاعًا في أوساط أهل السويداء بصفته من أنقذ الطائفة الدرزية بحسب من روج له فريقه الإعلامي.

تتحدث التقارير عن أكثر من 30 قرية نزح أهلها باتجاه مناطق أخرى داخل المحافظة، فتوزع أكثر من 130 ألفًا في المدارس ومنشآت مختلفة على أمل العودة إلى بيوتهم ومساكنهم، وتعيش السويداء نقصًا كبيرًا في السلع الأساس والوقود، وتعاني خدمات الكهرباء والمياه والإنترنت تراجعًا يصل إلى حدود العدم أحيانًا أو بضع ساعات يوميًا.

وكانت الحكومة السورية أبرمت مع الأردن وأمريكا اتفاقًا ثلاثيًا خلال سبتمبر 2025 لحل أزمة السويداء، يتضمن بنودصا عدة لم تُنفذ بعد، على رأسها سحب المقاتلين المدنيين كافة من حدود المحافظة، وطرح مشروع وطني يركز على الوحدة والتعددية والمساواة، وصولاً إلى الاندماج الكامل في الدولة مع تقديم الدعم الإنساني والاقتصادي للمحافظة.

من هو الشيخ حكمت الهجري؟
ولد الشيخ حكمت سلمان الهجري في عام 1965 في فنزويلا، حيث كان يعمل والده هناك، ثم عاد إلى سوريا وأكمل تعليمه وتخرج في جامعة الحقوق بجامعة دمشق في عام 1990، وغادر للعمل في فنزويلا، ثم عاد واستقر في بلدته بشمال شرق السويداء في العام 1998، حيث يقع مقر الرئاسة الروجية للطائفة.

وفي العام 2012 تولى الشيخ الهجري منصب شيخ عقل الطائفة الأول، خلفاً لشقيقه الشيخ أحمد الهجري، بعد أكثر من عقدين في المنصب، وظل المنصب حكرًا على العائلة ما أعطاه طابع الحكم الوراثي وسط الدروز، ويعتبر “الهجري” أحد الزعماء الدينيين الرئيسيين الثلاث للطائفة الدرزية في سوريا، إلى جانب يوسف جربوع وحمود الحناوي، ويُنظر إلى الزعماء الروحيين على أنهم مرجع في الأمور الاجتماعية والأخلاقية والدينية، ومن المفترض أن يكونوا على توافق في أي قرارات رئيسية.

ولكن دور “الهجري” في ظل نظام الأسد تجاوز كونه منصبًا دينيًا وأخلاقيًا ليصبح له دور سياسي مهم، إذ دعم “الهجري” نظام الأسد علناً خلال الأحداث في سوريا التي امتدت من 2011 إلى 2024، وحث الشباب الدروز على القتال للدفاع عن نظام الأسد، وبحلول عام 2023 تغير موقف “الهجري” من النظام السوري السابق، وأصبح يتحدث باسم المتظاهرين الدروز وضد النظام.

ما الاختلاف بين مصطلح جبل العرب أو السويداء وبين جبل باشان؟
لم يستخدم “الهجري” مصطلح جبل العرب للدلالة على الجغرافيا التي يطالب باستقلالها أو إداراتها الذاتية، وإنما استخدم مصطلح جبل باشان وكل ما تحتويه من أطياف، وتحمل كلمة باشان دلالة توراتية وهي تعني الأرض الخصبة، ووردت في العهد القديم، وتضم منطقة باشان جبل العرب وسهل حوران وأجزاء من مرتفعات جبل الجولان، وتضم المحافظات الثلاث السويداء ودرعا والقنيطرة جنوب سوريا.

بيان “الهجري” ما بين شد عصب مؤيديه والتذمر في السويداء
تحدثت مصادر محلية في السويداء عن حالة من التذمر والتململ في أوساط مؤيدي رئيس طائفة الموحدين الدروز الشيخ حكمت الهجري، مرجعة الأسباب إلى الأوضاع الاقتصادية والأمنية والخدمية في المحافظة وانقطاع الدعم الذي تقدمه إسرائيل لمناطق نفوذ الهجري.

تأتي تلك الأحاديث بعد بيان أصدره “الهجري” وصُف بأنه لشد عصب مؤيديه، وسط تململ وتذمر مؤيديه من عدم التقدم خطوة واحدة في مشروع “الهجري” الذي يسعى لتحقيقه والمعروف باسم “دولة باشان النموذجية “.

وأكد “الهجري” في بيانه المصور أن:” خيارنا في الحرية وتقرير المصير ليس محلاً للمقايضة ولا للولاءات المشروطة، وأنه مهما حاولت قوى الأمر الواقع فرض وصايتها بالإكراه والتضليل فلن تجد لها مكاناً بيننا، وموقفنا راسخ ومحسوم، لا ولاية ولا قيادة على هذا الجبل إلا لمن يختاره أهله”، وأكد “الهجري” أن الحلفاء والضامنين الدوليين يبذلون جهودًا مشكورة، لترسيخ بنيان إدارتنا وسيادتنا الكاملة على أراضينا في “جبل باشان” كواقع مستقر.

وجدد “الهجري” توجيه الشكر للدول والمنظمات الداعمة لقضية الدروز، وخص بالشكر إسرائيل، حكومة وشعبًا، وأهلوأبناء طائفته الأوفياء، الذين لم يتأخروا يومًا عن إسناد إخوته، وأشار “الهجري” في بيانه إلى أن جبل باشان يواجه ما أسماه منظومة ضغوط متكاملة تشمل الحصار الاقتصادي والغزو الإداري وسياسات التجويع الممنهجة، وأكد أن الجبل يتجاوز هذه الضغوط بوعي مجتمعه الأهلي وتماسك بنيانه.

دور تل أبيب في أزمة السويداء؟
في مشروع الاتفاق الأمني الذي يدور الحديث حوله بين سوريا وإسرائيل، كشف في سبتمبر الماضي عن خريطة للجنوب السوري تقسمه تل أبيب إلى 3 مناطق تشمل السويداء ودرعا والقنيطرة، وتوضح ما تسمح به تل أبيب لحكومة الشرع في دمشق من انتشار عسكري وأمني داخل المحافظات الثلاث بما في ذلك نوع السلاح ومساحة وجوده.

تدخلت إسرائيل في يوليو الماضي لوقف العملية العسكرية التي أطلقتها الدولة في السويداء بحجة ضبط الأمن، بعدما تعرض سكان المحافظة إلى أعمال خطف وقتل وسرقة وحرق ونهب للممتلكات من قبل عناصر تقول تقارير إنهم ينتمون إلى القوات الحكومية، فيما ترفض دمشق هذا الادعاء لكنها تؤكد وقوع أخطاء في تلك العملية، وقد سمحت للجنة تحقيق دولية بالبحث في ما جرى خلالها.

وشكر “الهجري” إسرائيل والولايات المتحدة على وقوفهما مع الدروز ووقفهما لحرب الإبادة التي شنت عليهم، كما رفُعت أعلام إسرائيل في تظاهرات شعبية خرجت في أكثر من مرة للمطالبة بحق السويداء في تقرير المصير، ثم اكتست المطالب بعمل قانوني منظم توجه به مؤسسوه الشهر الماضي إلى الأمم المتحدة.

يأتي ذلك وسط عملية “سهم باشان” التي أطلقتها تل أبيب، والتي تمتد محاورها بجانب سوريا، إلى قاعدة التنف على الحدود العراقية ومناطق نفوذ قسد ما يشمل الحزام حول إسرائيل من الناقورة إلى كردستان وهو ما يعرف باسم “ممر داؤد”.

أين الأردن من كل ذلك؟
قامت الأردن بعملية عسكرية بحتة تستهدف أوكار المخدرات على حدودها، إلا أن تحرك الأردن كان تحرك مزدوج سياسيًا وأمنيًا، وجهت عمان من خلاله رسائل قاسية وغير قابلة للتأويل إلى من يحكم السويداء، قاطعة الطريق على مشاريع سياسية كادت تتحول إلى خطر على الأمن القومي الأردني.

أرادت الأردن من خلال هذه الضربات العسكرية تحقيق هدفين: الأول تحييد مشاريع الانفصال قرب الحدود قبل أن تتحول إلى أمر واقع، والثاني القضاء على تهريب المخدرات والسلاح.

وقام سلاح الجو الأردني في 2024 بتنفيذ عملية جوية استطاع من خلالها الوصول إلى أحد اهدافه، ثم تكررت العمليات في مايو 2025 بتنفيذ عملية جوية في المنطقة، وهي المرة الخامسة التى تنفذ فيها الأردن ضربات عسكرية في السويداء منذ سقوط نظام بشار الأسد،وضد ما يعرف باسم الحرس الوطني.

ويخضع تدخل عسكري أردني في الأراضي السورية إلى اتفاق اللجنة الخماسية التي عقدت لدول جوار سوريا عام 2024 في عمان، والتي خرجت بمخرجات رئيسة أبرزها غرفة العمليات المشتركة الأردنية السورية العراقية التركية التي أتاحت له التدخل في حال وجود أي خطر قرب حدوده.

وتبقى دعوات تقرير المصير والإدارة الذاتية في السويداء واحدة من أكثر الملفات حساسية في سوريا حاليًا، في ظل تشابك العوامل المحلية والإقليمية، واستمرار المخاوف من أن يؤدي أي تصعيد جديد إلى تعقيد المشهد السوري الهش أساسًا.

ويبقي الوضع في السويداء ضمن المعادلة الصفرية بين حكومة دمشق والهجري في السويداء والتي لابد من حلحلتها من أجل سكان محافظة السويداء الذين يعانون من كم الضغوط الاقتصادية والأمنية والمعيشية، وإخراج تل أبيب من المعادلة، وإلا سينتهي الأمر بالسويداء بكونها حجر الدومينو الأول في انهيار سوريا الجديدة.