تحالف “كواد” يضخ مليارات الدولارات لتأمين سلاسل الإمداد.. وبكين ترى في التحركات محاولة لاحتوائها بحريا واقتصاديا

في سباق عالمي يتجاوز حدود الاقتصاد إلى دوائر التنافس بين القوى الكبرى، تتحرك الولايات المتحدة وحلفاؤها في آسيا والمحيطين الهندي والهادئ لتقليص الاعتماد على الصين في ملف المعادن النادرة التي أصبحت عصب الصناعات التكنولوجية والعسكرية الحديثة، وبينما تواصل بكين إحكام قبضتها على الجزء الأكبر من إنتاج ومعالجة هذه المعادن الحيوية، تسعى أمريكا عبر تحالف “كواد” إلى بناء شبكة إمداد بديلة تمتد من المناجم إلى الموانئ والممرات البحرية الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، اتفق وزراء خارجية الولايات المتحدة واليابان والهند وأستراليا، خلال اجتماع عقد الثلاثاء الماضي، على إنشاء ميناء مشترك في دولة فيجي، إلى جانب توقيع اتفاقيات تتعلق بالمعادن الحيوية وأمن الطاقة، وإطلاق مبادرات للمراقبة البحرية في منطقتي المحيطين الهندي والهادئ، في محاولة لإعادة تنشيط التحالف الرباعي “كواد” وتعزيز حضوره الاستراتيجي في مواجهة النفوذ الصيني المتصاعد.
وشهد الاجتماع، الذي يعد الثالث من نوعه منذ سبتمبر 2024، محاولة لإعادة تنشيط التحالف الرباعي بعد فترة من التراجع النسبي، بعدما فقد التحالف جزءًا من زخمه خلال العام الماضي إثر تعثر عقد قمة القادة وسط خلافات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، بشأن الرسوم الجمركية وقضايا ثنائية أخرى.
كما تزامنت هذه التحركات مع تصاعد التوترات المرتبطة بأمن الممرات البحرية العالمية، في ظل مناقشات إيرانية حول فرض نظام رسوم دائم في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة عالميًا، كما ذكرت وزارة الخارجية الهندية في بيان لها أن دول “كواد” تستهدف حشد ما يصل إلى 20 مليار دولار من الاستثمارات الحكومية والخاصة لتطوير سلاسل إمداد آمنة ومرنة للمعادن الحيوية الضرورية للتقنيات المتقدمة.

ما هو تحالف “كواد”؟
تأسست الرباعية، وهي شراكة دبلوماسية بين الولايات المتحدة وأستراليا والهند واليابان، عام 2007، ويُنظر إلى مجموعة الحوار الرباعي “كواد -Quad” كجزء من استراتيجية واشنطن لمواجهة النفوذ الصيني المتزايد في منطقة آسيا والمحيط الهادئ والهندي.
واكتسبت هذه المجموعة أهميةً خلال ولاية “ترامب” الأولى في إطار موقف أمريكي أكثر تشددًا تجاه الصين، على الرغم من تفضيله لعقد اتفاقيات ثنائية أثار تساؤلات حول التزام واشنطن تجاه حلفائها وشركائها الدفاعيين في آسيا.

ما هي المعادن النادرة وما أهميتها؟
المعادن النادرة هي معادن غير وقودية تستخدم في تصنيع منتجات التكنولوجيا المتقدمة، بما في ذلك البطاريات والطائرات المسيرة والأسلاك والمعدات العسكرية وأشباه الموصلات وغيرها، وتصفها الولايات المتحدة بأنها “ضرورية للأمن الاقتصادي والقومي للولايات المتحدة” وأن “سلاسل توريدها عرضة للاضطراب”.
وتعتمد الولايات المتحدة ودول أخرى اعتمادًا كبيرًا على الصين في هذه المعادن، ولكن في السنوات الأخيرة وبالأخص في عهد الرئيس “ترامب”، سعت واشنطن إلى تنويع مصادرها لتقليل اعتمادها على بكين، ووفقًا لقانون الطاقة الأمريكي لعام 2020 تؤدي المعادن النادرة وظيفة أساسية في تصنيع أي منتج، وسيؤدي غيابها إلى عواقب وخيمة على الأمن الاقتصادي والقومي للولايات المتحدة.
وتتضمن قائمة الولايات المتحدة لعام 2025 العديد من المعادن على رأسها الألومنيوم والكوبالت والروديوم والثوليوم وغيرها، وتعتمد الولايات المتحدة كليًا على الواردات لتأمين 12 نوعًا من هذه المعادن النادرة، كما تستورد واشنطن ما لا يقل عن نصف احتياجاتها من 29 معدنًا حيويًا إضافيًا.

ما الذي تملكه الصين والهند من المعادن النادرة؟
تشمل المعادن الحيوية 17 عنصرًا من العناصر الأرضية النادرة، منها 15 عنصرًا من اللانثانيدات “عناصر فلزية” في الجدول الدوري، بالإضافة إلى السكانديوم والإتريوم، وتمتلك الصين رواسب من 12 عنصرًا من هذه العناصر، وتتميز العناصر الأرضية النادرة بخصائص مغناطيسية خاصة، وهي ضرورية لإنتاج المغناطيس الدائم المستخدم في الأتمتة الصناعية ومحركات السيارات الكهربائية ومولدات الطاقة المتجددة والإلكترونيات والعديد من الأجهزة الطبية، كما تُستخدم العناصر الأرضية النادرة في مكونات رئيسية للأجهزة التي تدعم أشباه الموصلات وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
بينما تستحوذ الدول الآسيوية على نحو 70% من إنتاج العناصر الأرضية النادرة عالميًا، وتعد الصين موطنًا لـ 60% من هذه المعادن وتعالج 90% من الإمدادات العالمية، ما يجعل بكين لاعبًا مهيمنًا في سلسلة التوريد العالمية لهذه المعادن النادرة.
كما قدر تقرير صادر عن هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أن الصين تمتلك ما يقدر بنحو 44 مليون طن من أكاسيد العناصر الأرضية النادرة في احتياطياتها، أي ما يقارب نصف الاحتياطيات العالمية المعروفة.
في المقابل وفقًا لتقرير وزارة المناجم الصادر في يوليو 2023، تمتلك الهند احتياطيات من 30 معدنًا حيويًا، من بين هذه المعادن الأنتيمون، والبريليوم، والبزموت، والكوبالت، كما تمتلك الهند احتياطيًا كبيرًا من المعادن الأرضية النادرة، وبحسب بيان رسمي تمتلك الهند 13.15 مليون طن من معدن المونازيت، وتحتوي على ما يُقدر بنحو 7.23 مليون طن من أكاسيد العناصر الأرضية النادرة وتحديدًا في رمال الشواطئ الساحلية والرمال الحمراء ورواسب الطمي الداخلية.
وفي الميزانية الوطنية لعامي 2026-2027، طرحت الحكومة الهندية أيضًا إجراءً سياسيًا لإنشاء “ممرات العناصر الأرضية النادرة”، وستستخدم تلك الممرات في البحث العلمي وتصنيع مواد عالية الأداء من العناصر الأرضية النادرة، وتعد هذه المبادرة ذات أهمية بالغة لليابان بعد أن أوقفت الصين شحنات بعض المعادن المستخدمة في صناعات الطيران والدفاع وأشباه الموصلات إثر نزاع دبلوماسي.

أين الصين من كل ذلك وماذا تُعني تلك الاتفاقيات لها؟
صرحت الصين أنه لا ينبغي للتحالف الرباعي استهداف أي طرف ثالث، ويأتي ذلك عقب إصدار الدول الأربع بيانًا مشتركًا أعربت فيه عن قلقها البالغ إزاء الوضع في بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي، فضلا عن عسكرة المناطق المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي.
وتنتقد بكين التحالف الرباعي واصفنه بأنه تكتل على غرار الحرب الباردة يهدف إلى احتواء تنميتها، وصرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية “ماو نينغ” في مؤتمر صحفي يوم الثلاثاء الماضي، بأن التعاون بين الدول يجب أن يسهم في السلام والاستقرار والازدهار الإقليمي، وألا يستهدف أي طرف ثالث.
يرجع ذلك لمطالب الصين بالسيادة على معظم بحر الصين الجنوبي، حيث أقامت منشآت عسكرية على مناطق متنازع عليها، في حين تطالب عدة دول في جنوب شرق آسيا بأجزاء من البحر، كما لدى الصين واليابان نزاع منفصل حول أراض في بحر الصين الشرقي، وتواجه الهند أيضًا نزاعات حدودية مع الصين، على الرغم من أن “مودي” قد أبدى استعداده لتحسين العلاقات مع بكين وسط توتراته مع “ترامب”.
ويعد بحر الصين الجنوبي الذي تطالب بكين بالسيادة عليه بالكامل تقريبًا، ممرًا بحريًا حيويًا تمر عبره تجارة بحرية تزيد قيمتها عن 3 تريليونات دولار سنويًا.

ما أهمية بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي؟
يعد بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي مسطحين مائيين منفصلين، ويحتوي كل منهما على معالم أرضية تطالب بها الصين وحليف واحد على الأقل من حلفاء الولايات المتحدة، وتعتبر بكين بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي جزءًا من “بحارها القريبة”، وتواصل الصين اتخاذ خطوات لفرض سيطرتها على هذه المنطقة كمحيط بحري موحد، ومن بين المعالم الأرضية المتنازع عليها في هذين البحرين جزر وشعاب مرجانية وصخور، لكن المخاطر البحرية والأمنية المرتبطة بها كبيرة.
ويتجلى انخراط التحالف الرباعي في بحر الصين الجنوبي بوضوح في إضفاء الطابع المؤسسي والمنهجي على قدراته الأمنية البحرية، وتهدف مبادرتا IPMDA وIPMSC المعلن عنهما حديثًا إلى تمكين تبادل المعلومات الاستخباراتية في الوقت الفعلي، وتطوير صورة عملياتية مشتركة بين الدول الأربع.
تقدم هذه الجهود تحت شعار “حرية الملاحة” و”الأمن البحري”، فإنها تزيد بشكل كبير من قدرة الجهات الخارجية على تتبع أنشطة الصين في المياه الخاضعة لولايتها أو المتنازع عليها وربما التدخل فيها.

التفاهمات بين الهند والولايات المتحدة
أبرمت الهند والولايات المتحدة، الأسبوع الماضي، اتفاقية إطارية هامة للتعاون في ضمان إمدادات مستقرة من المعادن الحيوية، هذا النوع من التعاون بين الهند والولايات المتحدة كان قيد الدراسة منذ زيارة رئيس الوزراء ناريندرا مودي، إلى واشنطن العاصمة في فبراير 2025 على الأقل، حيث اعتبرت مسارات الإمداد الآمنة والمرنة للمعادن الحيوية “أولوية استراتيجية مشتركة”، بحسب البيان الصحفي الرسمي الصادر بهذا الشأن، وجاء ذلك كخطوة في أعقاب تزايد المخاوف بشأن ضوابط الصين على صادرات المعادن الأرضية النادرة والمعادن الاستراتيجية الضرورية لسلاسل إمداد التكنولوجيا.
وقد بني هذا الاتفاق على أساس المشاورات المستمرة بين البلدين، بما في ذلك انضمام الهند إلى مبادرة “باكس سيليكا” التي تقودها الولايات المتحدة في 20 فبراير 2026، وأفاد بيان صادر عن السفارة الأمريكية بأن الولايات المتحدة “تحشد موارد غير مسبوقة لتأمين سلاسل التوريد الحيوية، وتدعم المشاريع ذات الصلة” بأكثر من 30 مليار دولار أمريكي في شكل خطابات نوايا واستثمارات وقروض ودعم آخر بالشراكة مع القطاع الخاص.
حيث أطلق وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، منتدى المشاركة الجيوستراتيجية للموارد “FORGE”، وأضاف البيان المشترك أن الرباعية ترحب بمبادرة “باكس سيليكا”، وهي مبادرة تقودها الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي وأمن سلاسل التوريد، “كركيزة أساسية في أجندة الأمن الاقتصادي المشتركة.

أبرز الدول المشاركة في اتفاقيات المعادن الاستراتيجية مع أمريكا
أعلنت الولايات المتحدة في ديسمبر الماضي عن استثمار بقيمة 1.25 مليار دولار في تعدين المعادن الحيوية في ريكو ديك بإقليم بلوشستان الباكستاني، وخلال اجتماع المعادن الحيوية الذي استضافته الولايات المتحدة في فبراير، وقعت 11 اتفاقية إطارية بشأن المعادن الحيوية مع الأرجنتين – جزر كوك – الإكوادور – غينيا – المغرب – باراغواي – بيرو – الفلبين – الإمارات العربية المتحدة – المملكة المتحدة – أوزبكستان، وفقاً لما ذكرته وزارة الخارجية الأمريكية.
كما أعلنت الولايات المتحدة في أبريل الماضي عن استثمار يصل إلى 50 مليون دولار في رأس مال مشروع فالابوروا للمعادن الأرضية النادرة في جنوب أفريقيا، إن توسع نطاق حضور كواد ليشمل جميع جوانب المجال البحري رغم تعزيز حضوره ونطاق عملياته، يواجه قيودًا متعددة، حيث توجد اختلافات جوهرية بين الدول الأربع في أولوياتها الاستراتيجية، وسياسات الصين ومصالحها الأساسية، مما يجعل التنسيق العملياتي الكامل أمرًا صعبًا، كما أن الغالبية العظمى من دول الآسيان لا تزال تعطي الأولوية للاستقلال الاستراتيجي وترفض الانجرار إلى مواجهة القوى العظمى، مما يحد من جاذبية التحالف الرباعي على المستوى الإقليمي.







