أزمة المعاشات تحت قبة البرلمان.. مطالب بالمحاسبة وتحذيرات من تحميل البنوك مسؤولية أخطاء إدارية

تصاعد الجدل حول أزمة تعطل صرف المعاشات والتكدس أمام ماكينات الصراف الآلي ومكاتب البريد، مع اتساع دائرة الانتقادات الموجهة إلى الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، في وقت حذر فيه نواب وخبراء مصرفيون من اختزال الأزمة في مشكلة سيولة أو تحميل البنوك المصرية مسؤولية تداعياتها، مؤكدين أن الأزمة كشفت عن خلل أعمق في إدارة وتشغيل منظومة المعاشات يستوجب المراجعة والمحاسبة.

 الرقم المعلن لا يعكس الحجم الحقيقي للأزمة

من جانبه، كشف رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل الدكتور محمد فؤاد، عن تقدمه بمذكرة رسمية إلى رئيس لجنة القوى العاملة بمجلس النواب بشأن التطورات الأخيرة المرتبطة بأزمة تعطل صرف المعاشات، مؤكدًا أن الرقم المعلن سابقًا والبالغ 41 ألف حالة لا يعكس الحجم الحقيقي للأزمة.

وأوضح فؤاد أن المذكرة تضمنت الإشارة إلى وجود فئات أخرى من الأرامل والمطلقات والمستحقين وأصحاب معاشات العجز تعرضوا لمشكلات مماثلة، ترتبط بعمليات ربط الملفات وإدخال البيانات وتعطل بعض الإجراءات، ما أدى إلى اتساع نطاق المتضررين بصورة أكبر من الأرقام المعلنة.

وأضاف أن الإجراءات التي تم اتخاذها قبل عيد الأضحى ساهمت في تخفيف معاناة عدد من المواطنين، لكنها تظل حلولا مؤقتة ولا تمثل معالجة جذرية للأسباب الحقيقية التي أدت إلى تفاقم الأزمة.

وأشار إلى أن الأزمة لم تقتصر على تأخر صرف المعاشات فحسب، بل كشفت عن وجود خلل تشغيلي أوسع داخل المنظومة التأمينية، شمل إدخال الاستمارات الجديدة وربط الملفات وتحديث قواعد البيانات، فضلا عن إجراءات التسوية والصرف، وهو ما انعكس سلبًا على كفاءة تقديم الخدمات وأدى إلى حالة من الارتباك والقلق بين المواطنين.

وأكد رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل أن التعامل مع الأزمة يتطلب مراجعة شاملة للمنظومة وآليات تشغيلها، بما يضمن عدم تكرار مثل هذه المشكلات مستقبلاً، ويحافظ على حقوق أصحاب المعاشات والمستحقين ويضمن حصولهم على خدماتهم دون تعطيل أو تأخير.

عدد المتضررين تجاوز 70 ألف مواطن

فيما أكد النائب أحمد السنجيدي، عضو مجلس النواب، أنه يتابع بشكل مستمر ملف تعطل صرف المعاشات، مشيرًا إلى أنه أجرى اتصالًا برئيس لجنة القوى العاملة بالمجلس لمناقشة تطورات طلبات الإحاطة المقدمة من 13 نائبًا بشأن الأزمة التي تفاقمت قبيل عيد الأضحى.

وقال السنجيدي إن التقديرات الأولية أشارت إلى تضرر نحو 41 ألف مستحق للمعاشات، إلا أن البيانات التي وردت لاحقًا أظهرت أن عدد المتضررين تجاوز 70 ألف مواطن، الأمر الذي يستوجب الوقوف على أسباب استبعاد هذا العدد الكبير من منظومة الصرف ومعالجة أوجه القصور التي أدت إلى الأزمة.

وأشار إلى أن هناك بدائل عديدة كان يمكن الاستعانة بها لتخفيف الضغط على أصحاب المعاشات وتجنب التكدس أمام مكاتب البريد، من بينها إتاحة صرف المستحقات عبر شبكة “فوري” أو غيرها من وسائل الدفع الإلكتروني، معتبرًا أن هذه الحلول كانت قادرة على الحد من معاناة المواطنين لو تم تفعيلها بالشكل المناسب.

وأضاف أن رئيس لجنة القوى العاملة أبلغه بأن اللواء جمال عوض، رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، أرسل خطابًا إلى رئيس مجلس النواب تعهد فيه بالانتهاء من معالجة أزمة النظام الإلكتروني بالكامل بحلول 5 يونيو المقبل، موضحًا أن النواب قرروا منح الهيئة الفرصة حتى هذا الموعد للوقوف على مدى تنفيذ تعهداتها على أرض الواقع.

وأكد السنجيدي أن الأولوية القصوى حاليًا تتمثل في ضمان حصول أصحاب المعاشات على مستحقاتهم وإنهاء الأزمة بصورة نهائية، مشددًا في الوقت ذاته على أن حل المشكلة لا يعني إغلاق الملف دون محاسبة المسؤولين عن أسباب التعطل وما ترتب عليه من أضرار لحقت بآلاف المواطنين.

وقال إن مجلس النواب سيواصل متابعة القضية ومناقشتها حتى بعد حل الأزمة، للوقوف على أسباب الخلل وتحديد المسؤوليات، لافتًا إلى أن آلاف المواطنين حُرموا من مصدر دخلهم الأساسي لعدة أشهر، واضطر بعضهم إلى الاقتراض لتلبية احتياجاتهم المعيشية، وهو ما يستوجب مساءلة واضحة للمقصرين.

وأوضح أن الدور الرقابي للبرلمان لا يقتصر على متابعة إجراءات الحل، وإنما يمتد إلى كشف أوجه القصور داخل الجهات التنفيذية وضمان عدم تكرار مثل هذه الأزمات مستقبلًا.

وأشار السنجيدي إلى أن رئيس لجنة القوى العاملة سيجري اتصالات إضافية مع رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي لمراجعة أعداد المواطنين الذين تمكنوا من صرف مستحقاتهم قبل العيد من خلال مكاتب البريد، ومدى شمول تلك الإجراءات لجميع المتضررين، فضلًا عن الوقوف على أسباب استمرار بعض مشكلات الصرف والتأكد من جاهزية النظام الإلكتروني للعمل بكامل طاقته اعتبارًا من 5 يونيو، وفقًا للتعهدات المقدمة إلى مجلس النواب.

البنوك ليست “كبش فداء” لأخطاء إدارية

من جانبها أكدت المصرفية شيماء البنواتي أن تحميل البنوك المصرية والبنك المركزي مسؤولية أزمة التكدس أمام ماكينات الصراف الآلي ونفاد السيولة خلال الأيام الأخيرة يمثل “تضليلاً للرأي العام”، مشددة على أن القطاع المصرفي لا يجب أن يتحول إلى “كبش فداء” لأخطاء وقرارات إدارية صدرت من جهات أخرى.

وقالت البنواتي “فيما أسمته بشهادتها” والتي نشرتها عبر مواقع التواصل الاجتاعي إن العاملين بالقطاع المصرفي يعيشون ضغوطاً استثنائية منذ اندلاع الأزمة، في ظل موجة انتقادات إعلامية وبرلمانية وشعبية واسعة طالت البنوك وقياداتها، رغم أن جذور المشكلة – بحسب وصفها – تعود إلى قرارات اتخذتها الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي بشأن منظومة صرف المعاشات.

وأضافت أن الأزمة تفاقمت بعد إغلاق منافذ الصرف التابعة للهيئة وإلغاء عدد من الأدوات والخدمات التي كانت تتيح لأصحاب المعاشات الحصول على مستحقاتهم أو سداد التزاماتهم إلكترونياً، وهو ما أدى إلى توجيه ملايين المستفيدين دفعة واحدة نحو ماكينات الصراف الآلي التابعة للبنوك.

وأوضحت أن مفهوم الشمول المالي لا يعني زيادة الاعتماد على النقد أو دفع ملايين المواطنين إلى سحب مستحقاتهم النقدية في توقيت واحد، وإنما يقوم على التوسع في المعاملات الرقمية وتقليل استخدام الكاش، معتبرة أن ما جرى يتعارض مع أهداف التحول الرقمي التي تتبناها الدولة.

وأكدت البنواتي أن البنوك المصرية تمتلك مستويات قوية من السيولة، وأن العاملين بها بذلوا جهوداً كبيرة لتغذية ماكينات الصراف الآلي بشكل مستمر، إلا أن الضغط الناتج عن تدفق أعداد ضخمة من المستفيدين خلال فترة زمنية قصيرة، بالتزامن مع صرف الرواتب وقرب عيد الأضحى، خلق تحديات تشغيلية لا يمكن لأي منظومة مصرفية استيعابها بصورة فورية دون تنسيق مسبق وخطة تشغيل مشتركة.

وطالبت المصرفية المصرية البنك المركزي واتحاد بنوك مصر بإصدار بيان يوضح للرأي العام حقيقة أسباب الأزمة، كما دعت الجهات الرقابية إلى مراجعة القرارات التي أدت إلى تقليص قنوات صرف المعاشات وتقييم آثارها على المواطنين والقطاع المصرفي.

وشددت البنواتي على أن القطاع المصرفي يمثل أحد أعمدة الاقتصاد المصري، ويقوم بدور حيوي في دعم الاستقرار المالي وخدمة ملايين المواطنين، مؤكدة أن معالجة الأزمة تستلزم تحديد المسؤوليات بصورة دقيقة والعمل على منع تكرار مثل هذه المشكلات مستقبلاً.