
أضاف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، هدفًا جديدًا يهدد بتعقيد المشهد المتعقد أصلاً في الشرق الأوسط، وذلك بعد أن طلب من السعودية وقطر وباكستان وتركيا ومصر والأردن، بل وإيران ،الانضمام إلى اتفاقية إرثه في ولايته الأولى والمعروفة باسم “اتفاقيات إبراهام”، والتي تهدف إلى بناء علاقات تاريخية مع إسرائيل.
يثير هذا الاقتراح موجة أخرى من الارتباك، حيث يتفاوض المفاوضون الأمريكيون والإيرانيون حول صياغة مذكرة تفاهم مقترحة قد توفر إطارًا نهائيًا لمحادثات السلام، حيث يصعب تصديق أن الدول المذكورة والتي توترت فيها الأوضاع السياسية جراء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، قد تقوم بتقديم تنازلات لإسرائيل كما يريد “ترامب”.
وعند سؤال المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، عما إذا كانت مشاركة هذه الدول في اتفاقيات إبراهام شرطًا أساسيًا لأي اتفاق، وصفتها بأنها إضافة محتملة، وقالت في بيان: “كما قال الرئيس، فقد حققت اتفاقيات أبراهام فوائد اقتصادية هائلة لجميع الدول المعنية، ومكنت من تعاون تاريخي لذا ستكون هذه إضافة طبيعية لاتفاق السلام”.
وعلى ما يبدوتصريح “ترامب” بأن إيران قد تنضم إلى الاتفاقيات في حال التوصل إلى اتفاق سلام ضربًا من الخيال يتماشى مع رؤيته السابقة لـ”ريفييرا الشرق الأوسط” المبنية على أنقاض غزة.
فمن غير المنطقي أن تعترف إيران بعدوها اللدود إسرائيل في أي وقت قريب، فضلاً عن أن ذلك سيعد اعتراف غير عادل بعد أن أسفرت غارات تل أبيب عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، ولا توجد أي فرصة لأن تفكر إسرائيل في مثل هذه الخطوة مع عدو تعتبره تهديدًا وجوديًا للشعب اليهودي.

قدرة “ترامب“
لذا فالسؤال المطروح يدور حول قدرة ترامب على إقناع حلفاؤه قبل أعداءه للانصياع لموقفه بعد أن أشعل حربًا زعزعت الاستقرار الإقليمي وألحقت أضرارًا اقتصادية جسيمة.
إن تلك الفترة غير مناسبة بالمرة لأى طرح حول سلام مع إسرائيل في المنطقة، كما أن تقديرات “ترامب” للأوضاع في الشرق الأوسط لطالما كان مشكوك فيها، ولكن ربما يأمل “ترامب” من ذلك الطرح الآن تقديم حوافز لتل أبيب في صورة مزايا أمنية من خلال اتفاقيات أبراهام، لقبول اتفاق مع طهران، إلا أن ذلك الطرح سيقابل برفض شعبي داخل الدولة اليهودية.

ما هي اتفاقيات إبراهام؟
اتفاقيات أبراهام هي سلسلة من الاتفاقيات تهدف إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل، ووقعت اتفاقيات أبراهام في عام 2020 بين إسرائيل وأربع دول عربية هي الإمارات والبحرين، وانضمت المغرب والسودان لاحقًا إلى الاتفاقيات بموجب اتفاقيتين منفصلتين وقعتا عامي 2020،2021، وانضمت كازاخستان مؤخرًا العام الماضي، واعتبرها مساعدو “ترامب” من أبرز إنجازات ولايته الأولى.
تنص اتفاقيات إبراهيم على أن تسعى الدول الموقعة إلى تعزيز السلام، والانخراط في حوار وتعاون في مجالات العلوم والفنون والطب والتجارة. إلا أن الاتفاقية كانت موجزة وغامضة إلى حد كبير، وتفتقر إلى أي بنود تفصيلية.
وتوسطت إدارة “ترامب” في هذه الاتفاقيات كجزء من مسعى أوسع لدمج إسرائيل بشكل كامل في الشرق الأوسط، وتطلع “ترامب” إلى توسيع نطاق هذه الاتفاقيات، وبدا الأمر ممكنًا في بداية ولايته الثانية عندما تفاوض فريقه على وقف إطلاق النار في غزة، ووضع خططًا لم تنفذ حتى الآن لترسيخ سلام دائم.
كما أن تركيا تعترف بإسرائيل منذ عام 1949، ومصر والأردن لديهما معاهدتا سلام مع إسرائيل، وقعتا عامي 1979 و1994 على التوالي.

فرص النجاح
من المتوقع ألا تنجح اتفاقيات إبراهام لما تروج له، وألا تنضم الدول المعنية إلى هذا الإطار الآن، وذلك لما ألحقه الصراع الحالي الذي لم ترغب فيه بعض الدول ضررًا بالغًا بالنموذج الاقتصادي واستقرار دول الخليج التي كانت تقدم نفسها كملاذات للأثرياء الغربيين، وتضرر اقتصاد المنطقة بشدة جراء إغلاق مضيق هرمز، وهو احتمال توقعه جميع خبراء السياسة الخارجية لكنه فاجأ فريق “ترامب”، لذا فإن لدى دول الخليج العربي أولويات أهم في الوقت الراهن من القلق بشأن علاقتها المستقبلية مع إسرائيل.
ومع انتهاء الحرب سيواجه حلفاء الولايات المتحدة بيئة جديدة قد تشمل إيران أكثر اضطرابًا وعدوانية، وقد يعيدون النظر في استراتيجياتهم الأمنية بعد أن عرضهم تحالفهم مع واشنطن لهجمات من إيران. وقد تتغلب الحاجة إلى هياكل متحالفة إقليمية على الاتفاقيات الجديدة مع إسرائيل.
كما أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لا يحظى بشعبية من الأساس لدى شعوب المنطقة، ويعود ذلك إلى الممارسات السياسية والأمنية والعمليات الإسرائيلية المستمرة في قطاع غزة، وعنف المستوطنين المتطرفين في الضفة الغربية ما أدى إلى تضييق هامش التوافق السياسي، كما أن دول المنطقة تنظر إلى تصرفات إسرائيل على أنها بالغة الخطورة ومزعزعة للاستقرار، فإسرائيل هي أحد الطرفين الرئيسيين اللذين أشعلا فتيل هذه الحرب الإقليمية.

استرضاء لنتنياهو
ربما طرح “ترامب” الحديث عن اتفاقيات أبراهام لاسترضاء “نتنياهو” الذي يعارض إنهاء الحرب على إيران، من المتوقع أن تدخل إسرائيل الانتخابات في الخريف، وقد يساعدها تبرير إنهاء الحرب بتوسيع اتفاقيات إبراهام في كسب الأصوات،وقد يضطر “ترامب” أيضًا إلى استرضاء حلفائه الجمهوريين في الكونغرس، المقربين من “نتنياهو”.

الموقف السعودي والباكستاني والقطري
أوضحت السعودية منذ فترة طويلة أن الانضمام إلى اتفاقيات إبراهام مشروط بوضع مسار لإقامة دولة فلسطينية، والذي يبدو أنه أبعد من أي وقت مضى، وأنه إذا أرادت واشنطن تطبيع العلاقات مع إسرائيل، فعليها العودة إلى مبادرة السلام العربية، في إشارة إلى اقتراح جامعة الدول العربية لعام 2002، والذي أعيد تأييده في قمتي الجامعة عامي 2007 و2017، فالسعودية لا تزال تعتبر مبادرة السلام لعام 2002 أساسًا مُلزمًا لأي تقدم في العلاقات مع إسرائيل.
وسيتوقف قرار باكستان بالانضمام إلى اتفاقيات أبراهام أو عدم الانضمام إليها في نهاية المطاف على الموقف الذي ستتخذه السعودية من هذه القضية، حيث تربط إسلام آباد والرياض علاقات دبلوماسية واقتصادية وأمنية وثيقة.
قد تستغل إسلام آباد قرار الرياض كغطاء سياسي، خاصةً وأن باكستان غالبًا ما تنسق سياستها في الشرق الأوسط مع مواقف السعودية ودول الخليج، وحتى إن انضمت الرياض إلى الاتفاقية فإن إسلام آباد لديها من التعقيد في سياساتها الداخلية وأحزابها الدينية وإعلامها والارتباط الشعبي بالقضية الفلسطينية، ما يجعل تطبيعها مع تل أبيب أكثر تعقيدًا.
ويتجلى عدم جدوى هذه الاستراتيجية في إدراج “ترامب” لباكستان على قائمته، فانضمام إسلام آباد إلى اتفاقيات أبراهام يتطلب تحولاً هائلًا في دولة مسلمة تعاني في الأصل من أوضاع سياسية متقلبة، وبينما تسعى إسلام آباد إلى التقرب من “ترامب”، إلا أنها لم تعترف رسميًا بإسرائيل على الإطلاق، ولا توجد لديها أي خطط معلنة للقيام بذلك.
رفض بعض المسؤولين الباكستانيين هذا المطلب، وصرح وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف بأنه لا يؤيد انضمام إسلام آباد إلى اتفاقيات إبراهام لتطبيع العلاقات مع إسرائيل.وتتمتع إسلام آباد حاليًا بمكانة دولية بفضل التقارب مع “ترامب” الناتج عن التوسط في المحادثات بين واشنطن وطهران، إلا أن الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام سيكون أكثر صعوبةً بكثير بالنسبة لباكستان من التوسط في الحرب مع إيران.
أما قطر فترى نفسها وسيطًا إقليميًا محايدًا، ما يستبعد انضمامها إلى هذا الإطار لأسباب سياسية، علاوة على ذلك تحافظ قطر على علاقاتها مع حماس والمقاومة الفلسطينية، كما تصور قطر نفسها كداعمة للقضية الفلسطينية.
إن “ترامب” يحاول تصوير أي اتفاق محتمل مع إيران على أنه تكملة لاتفاقيات إبراهام،جيد لإسرائيل وجيد للمنطقة وقوي بما يكفي لواشنطن، لكنه يبدل وهماً بآخر من إجبار إيران على الاستسلام إلى التظاهر بأن اتفاقًا هشًا يمكن أن يرسي دعائم نظام جديد في الشرق الأوسط.
ليس من الواضح تمامًا ما الذي حققه الرئيس “ترامب” من حيث سجله في إدارة هذه الحرب، حتى يشعر بأنه قادر على فرض مثل هذا الشرط على دول المنطقة؟ لماذا قد تربط أي دولة خليجية نفسها بأكثر الحكومات تطرفاً ويمينية في تاريخ إسرائيل والتي هي بصدد ضم الضفة الغربية واحتلال لبنان؟.
لم يكن الهدف من وراء اتفاقيات إبراهام تطبيع العلاقات الإسرائيلية في المنطقة، بل إنشاء تحالف بين إسرائيل وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، لذا يطرح سؤال نفسه عما إذا كان حديث “ترامب” مجرد حيلة لاسترضاء الداخل وتحقيق النصر الرمزي، أم تحول لموقف جوهري لإحلال عملية السلام في الشرق الأوسط؟.







