
أدعم النظام النقدي ويجب التعامل بإيجابية مع مخاوف المواطنين وطمأنتهم
يجب استبدال المعايير القديمة بمعايير موضوعية تحدد المستحق الفعلي بدقة
يجب أن نتجاوز نظام الدعم العيني من أجل توفير موارد ضخمة للمواطن والدولة
نرحب كجمعيات حماية مستهلك بمنحنا صلاحية الرصد والمراقبة عبر تعديل تشريعي
حسن القباني
مع تصاعد الجدل البرلماني حول إعلان الحكومة الاتجاه إلى التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي اعتبارًا من العام المالي المقبل، ينحاز رئيس جمعية مواطنون ضد الغلاء لحماية المستهلك، محمود العسقلاني، إلى التحول إلى النظام النقدي، معبرًا عن تفهمه لمخاوف الناس من ذلك التحول، لكن مع تمسكه بالانتقال إلى من مربع الدعم العيني إلى “النقدي”.
ويوضح العسقلاني في حديث خاص لـ”ليبرالي” يعتبره كشهادة ميدانية، فوائد التحول إلى النظام النقدي وضوابطه الواجبة حتى لا تتكرر أخطاء نظام الدعم العيني مجددًا، مرحبًا بمنح جمعيات حماية المستهلك صلاحيات الرصد والمراقبة للنظام الجديد والأسواق عبر تعديل تشريعي.
خطوة ضرورية
في البداية، يرى رئيس جمعية “مواطنون ضد الغلاء” لحماية المستهلك، أن التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي يمثل خطوة ضرورية يمكن أن تحقق فوائد كبيرة للمواطن والدولة، شريطة وجود آليات دقيقة تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين، وربط قيمته بمعدلات التضخم حتى لا يفقد قدرته الشرائية مع مرور الوقت.

ويؤكد العسقلاني أن أحد أبرز عيوب الدعم العيني يتمثل في تسرب جزء منه خلال مراحل التعبئة والتداول والتوزيع، بما يحرم المواطن من الاستفادة الكاملة من الدعم الذي تتحمله الدولة. ويستشهد بمنظومة السكر المدعم، وما حدث فيها في فترات سابقة، بما عزز وجود مافيا في السوق، وفق رصده.
ويضيف أن الأمر لا يختلف كثيرًا في منظومة الخبز المدعم، حيث يرى أن المواطن لا يحصل دائمًا على الوزن المقرر للرغيف، بينما تستفيد بعض الأطراف من فروق الأوزان الناتجة عن ضعف الرقابة، وهو ما يجعل الدعم العيني أقل كفاءة مقارنة بالدعم النقدي المباشر.
وانطلاقًا من هذه الملاحظات، يدافع العسقلاني عن فكرة الدعم النقدي، معتبرًا أنها تمنح المواطن حرية أكبر في اختيار السلع ومنافذ الشراء، وتقلل من حلقات الوساطة التي قد يتسرب عبرها الدعم. لكنه يشدد على أن نجاح التجربة مرهون بوجود آلية مرنة لتعديل قيمة الدعم بشكل دوري بما يتناسب مع تطورات الأسعار والتضخم.
ويضرب العسقلاني مثالًا بأن منح المواطن قيمة نقدية تعادل سعر كيلو السكر اليوم لن يكون مجديًا إذا تضاعفت الأسعار مستقبلًا بينما ظلت قيمة الدعم ثابتة، مؤكدًا أن ربط الدعم النقدي بالتضخم يمثل شرطًا أساسيًا لحماية الفئات المستحقة.
معايير الاستحقاق
وفيما يتعلق بمعايير الاستحقاق، يرى رئيس جمعية “مواطنون ضد الغلاء” لحماية المستهلك أن بعض الضوابط المطبقة حاليًا تحتاج إلى مراجعة، لأنها قد تستبعد مواطنين مستحقين للدعم.
ويشير إلى أن امتلاك سيارة قديمة مثل “شاهين” لا يعني بالضرورة أن صاحبها ميسور الحال، خاصة إذا كانت وسيلته الأساسية لكسب الرزق في القرى والمناطق الريفية، كما أن بعض معايير استهلاك الكهرباء لا تعكس دائمًا المستوى المعيشي الحقيقي للأسر.
وطالب بوضع معايير أكثر دقة وموضوعية تعتمد على القدرة الاقتصادية الفعلية للمواطن، بما يضمن توجيه الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجًا، بدلًا من الاعتماد على مؤشرات قد لا تعبر عن الواقع بشكل كامل.
مخاوف مشروعة
وحول المخاوف الشعبية من التحول إلى الدعم النقدي، يقر العسقلاني بأنها مخاوف مفهومة، قائلًا:” أنا أتفهم قلق الناس ومخاوفهم في هذا التوقيت، وأقر بوجود حالة من القلق المشروع لدى المواطنين، لكنني لا أؤيد البقاء في نفس المربع الحالي، ويجب أن نتجاوز نظام الدعم العيني، لأن الانتقال منه سيوفر موارد ضخمة للمواطن والدولة على حد سواء؛ هذه الموارد كانت تذهب سابقاً كأرباح غير مشروعة لبعض التجار والبدالين التموينيين نتيجة تسرب الدعم وسرقته، كما أن الانتقال المدروس سيوفر مبالغ كبيرة للدولة يمكن إعادة توجيهها بشكل صحيح”.

وفي الوقت نفسه، يؤكد العسقلاني أن الدعم يجب أن يكون جزءًا من رؤية تنموية أشمل تستهدف تمكين المواطنين اقتصاديًا. ويستشهد بتجربة الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا، الذي أطلق برامج لمساعدة الفقراء ثم ربطها بالتدريب والتأهيل المهني، ما ساهم في دمج أعداد كبيرة منهم في سوق العمل وتقليل اعتمادهم على المساعدات الحكومية، مشددًا على أن توفير فرص عمل حقيقية وتحسين مستويات الدخل يجب أن يظل الهدف النهائي لأي سياسة دعم، بحيث يصبح المواطن قادرًا على تلبية احتياجاته دون الاعتماد المستمر على المساعدات.
نجاح التجربة
ويربط العسقلاني نجاح التجربة الجديدة بقدرة الحكومة على استعادة الثقة مع المواطنين، موضحًا أن تراكم مشكلات التنفيذ خلال سنوات طويلة خلق حالة من الشك والقلق تجاه أي تغييرات في السياسات الاجتماعية والاقتصادية، فيما يرى أن الشفافية والمصارحة وتحديد قواعد واضحة للمحاسبة تمثل عناصر أساسية لتجاوز هذه الأزمة.

وفي هذا السياق، يؤكد أهمية تطبيق نظام حوكمة ورقابة صارم يمنع تكرار أوجه القصور التي شهدتها منظومة الدعم العيني. ويستشهد بأزمة السكر التي شهدتها الأسواق، حين كان السعر الرسمي أقل كثيرًا من السعر الفعلي الذي اضطر المواطنون إلى الشراء به، ما أتاح للبعض تحقيق أرباح كبيرة نتيجة فروق الأسعار، فيما يؤكد أن مواجهة مثل هذه الممارسات تتطلب رقابة فعالة وقواعد قانونية واضحة تضمن عدم التستر على أي تجاوزات أو ممارسات احتكارية تضر بالمستهلكين.
الدور الرقابي
وفي ختام حديثه، يرحب العسقلاني بإشراك جمعيات حماية المستهلك في متابعة تطبيق منظومة الدعم النقدي ورصد الأسواق، معتبرًا أن هذه الجمعيات يمكن أن تؤدي دورًا رقابيًا مساعدًا في ظل النقص الحالي في أعداد المفتشين والجهات الرقابية. لكنه يشدد على أن القيام بهذا الدور يتطلب تعديلًا تشريعيًا يمنح الجمعيات الأهلية صلاحيات قانونية واضحة للرصد والمتابعة، بما يضمن الإسهام في ضبط الأسواق وتعزيز الشفافية ودعم نجاح منظومة الدعم الجديدة.




