
بينما يتصاعد الجدل الحكومي والبرلماني حول التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي، يعود إلى الواجهة مجددًا ما طرحه حزب العدل قبل نحو عامين ضمن أوراقه المقدمة للحوار الوطني، حين دعا إلى التعامل مع ملف الدعم باعتباره أحد أكثر ملفات الحماية الاجتماعية حساسية وتعقيدا.
وحذر وقتها من أن نجاح التحول إلى الدعم النقدي لا يتوقف على القرار ذاته بقدر ما يعتمد على آليات التطبيق والاستهداف وربط قيمة الدعم بمعدلات التضخم. وفي وقت بدأت فيه الحكومة اتخاذ خطوات عملية نحو هذا التحول، تكتسب ورقة السياسات التي أعدها الحزب في أكتوبر 2024 أهمية خاصة، إذ قدمت رؤية متكاملة لإصلاح منظومة الدعم، استندت إلى قراءة تاريخية لتجربة الدعم في مصر، وتحليل للواقع الحالي، ومراجعة لتجارب دولية ناجحة وأخرى واجهت إخفاقات، قبل أن تطرح خريطة طريق تدريجية توازن بين كفاءة الإنفاق العام وحماية الفئات الأكثر احتياجًا.
تؤكد دراسة حزب العدل التي جاءت تحت عنوان “التحول نحو الدعم النقدي: استراتيجية لتعزيز العدالة الاقتصادية في مصر”، أن قضية الدعم تمثل أحد أهم ملفات الحماية الاجتماعية في مصر، وأن أي نقاش حول التحول من الدعم العيني إلى النقدي يجب ألا ينطلق فقط من اعتبارات خفض الإنفاق أو تحسين الكفاءة الاقتصادية، بل من ضمان الحفاظ على حق المواطنين في الحماية الاجتماعية وتحقيق العدالة الاقتصادية.
وترى الدراسة أن نظام الدعم العيني الحالي يعاني من عدد من المشكلات الهيكلية التي تحد من كفاءته، أبرزها ضعف القدرة على استهداف الفئات الأكثر احتياجًا، وتسرب جزء من الدعم إلى غير المستحقين، ووجود سوق سوداء للسلع المدعومة، فضلاً عن ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والتخزين، وهو ما يمثل عبئًا متزايدًا على الموازنة العامة للدولة.
وبحسب الدراسة، فإن هذه الاختلالات تؤدي في النهاية إلى عدم وصول الدعم بالكفاءة المطلوبة إلى الفئات المستهدفة، كما تؤدي إلى إهدار جزء من الموارد العامة، وهو ما يفتح الباب أمام البحث عن بدائل أكثر فاعلية، يأتي في مقدمتها نظام التحويلات النقدية المباشرة.
ورغم ذلك، تحذر الدراسة من التعامل مع الدعم النقدي باعتباره حلا سحريا، مشيرة إلى أن هذا النظام يواجه بدوره تحديات معقدة، على رأسها صعوبة تحديد المستحقين بدقة، واحتمالات توجيه الدعم لغير المستحقين بسبب ضعف قواعد البيانات أو قصور نظم الرقابة، فضلاً عن المخاوف المرتبطة بالتضخم الذي قد يؤدي إلى تآكل القيمة الحقيقية للدعم النقدي بمرور الوقت.
وتستعرض الورقة التاريخ الطويل لمنظومة الدعم في مصر، موضحة أن جذورها تعود إلى عام 1941 خلال الحرب العالمية الثانية، عندما بدأت الحكومة تطبيق نظام تقنين السلع الغذائية للحفاظ على استقرار الأسعار وضمان توافر السلع الأساسية للمواطنين. ومع مرور الوقت توسع البرنامج ليشمل عشرات السلع الغذائية، حتى أصبح بحلول عام 1980 يغطي نحو 20 سلعة مختلفة، ووصلت تكلفته إلى أكثر من 16% من الإنفاق الحكومي.
وتوضح الدراسة أن محاولات تقليص الدعم ليست جديدة، إذ شهدت مصر تجربة مهمة في عام 1977 عندما أدت زيادة أسعار عدد من السلع المدعومة إلى اندلاع احتجاجات واسعة عُرفت بانتفاضة الخبز، وهو ما دفع الحكومة حينها إلى التراجع عن الإجراءات المتخذة.
وتشير الدراسة إلى أن العقود التالية شهدت عملية إصلاح تدريجية لمنظومة الدعم، انتهت بتقليص عدد السلع المدعومة إلى أربع سلع رئيسية هي الخبز والدقيق والزيت والسكر، مع استمرار الدولة في دعم قطاعات أخرى مثل الطاقة والكهرباء والمياه والنقل.
وفي استعراضها للوضع الراهن، توضح الدراسة أن منظومة الدعم الغذائي الحالية تعتمد على ركيزتين أساسيتين: دعم الخبز المدعم، ومنظومة بطاقات التموين الذكية.
وتكشف الدراسة أن نحو 71 مليون مواطن يستفيدون من دعم الخبز، بينما يستفيد حوالي 62 مليون مواطن من بطاقات التموين للحصول على السلع المدعومة. كما يستهلك المصريون ما يقرب من 100 مليار رغيف خبز سنويًا.
وتتوقف الدراسة عند قرار رفع سعر رغيف الخبز المدعم في يونيو 2024 من 5 قروش إلى 20 قرشًا، باعتباره أول تحريك لسعر الرغيف منذ أكثر من ثلاثة عقود. ووفقًا للأرقام الواردة في الورقة، فإن تكلفة إنتاج الرغيف تصل إلى نحو 125 قرشًا، بينما تتحمل الدولة الجزء الأكبر من هذه التكلفة، ما يجعل إجمالي فاتورة دعم الخبز يقترب من 120 إلى 125 مليار جنيه سنويًا.
كما تشير الدراسة إلى أن مخصصات دعم الغذاء في موازنة 2024/2025 تبلغ نحو 134.15 مليار جنيه، منها نحو 125 مليار جنيه مخصصة لدعم الخبز وحده، وهو ما يعكس الوزن الكبير لهذا البند داخل الإنفاق العام.
وفيما يتعلق ببرنامج السلع التموينية، توضح الدراسة أن كل مستفيد يحصل على دعم نقدي شهري بقيمة 50 جنيهًا لشراء سلع غذائية أساسية مثل الزيت والسكر والأرز والمكرونة، بينما تصل التكلفة الإجمالية للبرنامج إلى نحو 36.1 مليار جنيه سنويًا.
وتخصص الدراسة جزءًا مهمًا من تحليلها لبرامج التحويلات النقدية، وعلى رأسها برنامج “تكافل وكرامة”، باعتباره النموذج المصري الأقرب لفكرة الدعم النقدي الموجه.
وتوضح أن برنامج “تكافل” يعتمد على تقديم دعم نقدي مشروط للأسر الفقيرة مقابل التزام الأبناء بالتعليم وانتظامهم في الدراسة، بينما يقدم برنامج “كرامة” دعمًا غير مشروط لكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة. وترى الدراسة أن البرنامج وفر خبرة مهمة يمكن الاستفادة منها في أي تحول مستقبلي نحو الدعم النقدي.
كما تستعرض الورقة تجارب دولية مختلفة، من بينها تجربة البرازيل التي اعتبرتها نموذجًا ناجحًا في تطبيق التحويلات النقدية المشروطة من خلال برنامج “بولسا فاميليا”، حيث نجحت الحكومة البرازيلية في دمج عدة برامج دعم داخل منظومة واحدة أكثر كفاءة، مع ربط الاستفادة من الدعم بالتعليم والرعاية الصحية.
في المقابل، تشير الدراسة إلى تجربة الهند باعتبارها مثالًا على المشكلات التي قد تواجه نظم الدعم واسعة النطاق في ظل ضعف الرقابة، حيث عانى نظام توزيع السلع المدعومة من معدلات مرتفعة من الفساد والتسرب وإهدار الموارد.
كما تستعرض تجربة ماليزيا في إصلاح منظومة الدعم، والتي حققت بعض النجاحات المالية لكنها واجهت في الوقت نفسه تحديات اجتماعية وضغوطًا تضخمية أثرت على مستويات المعيشة للفئات الأقل دخلًا.
وبناءً على مراجعة التجارب المحلية والدولية، تخلص الدراسة إلى أن نجاح التحول نحو الدعم النقدي في مصر يتوقف على توافر مجموعة من الشروط الأساسية، أهمها دقة الاستهداف، وربط قيمة الدعم بمعدلات التضخم، وتوافر قواعد بيانات حديثة ومتكاملة، وإشراك المجتمع في مناقشة آليات التنفيذ.
وتحذر الدراسة من أن الإلغاء المفاجئ للدعم العيني قد يؤدي إلى زيادة إنفاق الأسر على السلع في السوق الحر، خصوصًا بين الشرائح الأقل دخلًا في الحضر والريف، كما قد يدفع بعض الأسر إلى تغيير أنماط استهلاكها بصورة تضر بأمنها الغذائي.
ولذلك تقترح الورقة إنشاء مجلس أعلى للدعم يتولى وضع معادلة واضحة لاستحقاق الدعم، وتحديد الشرائح المستفيدة، ومراجعة قيمة الدعم دوريًا وفقًا لمعدلات التضخم، على أن يضم ممثلين عن وزارات المالية والتضامن والتموين، مع عرض توصياته على مجلس النواب.
كما توصي بالاعتماد على بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في تحديد المستحقين، والاستفادة من الخبرات المتراكمة لبرنامج “تكافل وكرامة”، وإجراء حوار مجتمعي واسع قبل اتخاذ أي خطوات تنفيذية.
وتقترح الدراسة خطة زمنية من ثلاث مراحل تبدأ خلال فترة تتراوح بين ستة أشهر وسنة بتأسيس المجلس الأعلى للدعم وإجراء تجارب أولية للتحويلات النقدية، ثم التوسع التدريجي خلال فترة من سنة إلى ثلاث سنوات، وصولًا إلى إمكانية إلغاء الدعم العيني بالكامل على المدى الطويل بعد التأكد من نجاح النظام الجديد وقدرته على حماية الفئات المستحقة.
وتختتم الدراسة بالتأكيد على أن التحول إلى الدعم النقدي يمكن أن يمثل إصلاحًا مهمًا لمنظومة الحماية الاجتماعية في مصر، لكنه يظل مرهونًا بحسن التصميم والتنفيذ التدريجي والقدرة على مواجهة التضخم وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين، حتى لا يتحول الإصلاح من أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية إلى مصدر جديد للضغوط المعيشية على الفئات الأكثر احتياجًا.






