
مطالبات حقوقية بفتح حوار مجتمعي جدي حول الأزمة.. و”إسحق إبراهيم” لـ”ليبرالي: نأمل خيرًا مع وجود تحركات برلمانية بجانب المسار القضائي
قررت هيئة مفوضي المحكمة الدستورية العليا الأحد، 14 يونيو، حجز الطعن بعدم دستورية القانون رقم 73 لسنة 2021 بشأن شروط شغل الوظائف أو الاستمرار فيها، والمعروف بقانون “الفصل من الوظيفة بسبب تحليل المخدرات”، لكتابة وإيداع تقرير الرأي القانوني لهيئة المفوضين، تمهيدًا لنظر الدعوى أمام دائرة الموضوع.
وينتظر تقرير هيئة المفوضين ما يعرفون إعلاميًا بـ “ضحايا القانون 73” وهم آلاف الموظفين في الجهاز الإداري للدولة بمصر الذين فقدوا وظائفهم بموجب القانون رقم 73 لسنة 2021، الخاص بشروط شغل الوظائف أو الاستمرار فيها، حيث يُفصل الموظف فوراً بمجرد ثبوت إيجابية “تحليل المخدرات”، حتى وإن كان التعاطي بسبب أدوية علاجية لأمراض مزمنة، أو بسبب أخطاء في العينات، مما أدى لتشريد أسرهم، وفق شكاويهم وتقارير حقوقية.
مخالفات عدة
وكشف إسحق إبراهيم، مدير برنامج المساواة وعدم التمييز بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، في حديثه لـ “ليبرالي” عن تفاصيل الجلسة الثالثة أمام هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا، المتعلقة بالدعوى، موضحًا أن هذه القضية أحيلت من الإسكندرية إلى المحكمة الدستورية العليا، وتستند إلى انتهاك القانون لعدد من المبادئ والضمانات الدستورية الأساسية.

وأشار إلى أن الطعن يرتكز على مخالفة القانون لحرمة الجسد، والحق في العمل، ومبدأ تدرج العقوبة، فضلاً عن افتئات القانون على سلطة الإدارة وسلطة القضاء.
وشرح مدير برنامج المساواة وعدم التمييز بالمبادرة المصرية السياق القانوني المعتاد في القضايا العمالية، حيث تشكل جهة العمل لجنة تحقيق في حال وجود مخالفة وتملك إقرار الجزاء، غير أنه في حال كان الجزاء هو “الفصل من الخدمة”، فإن القرار يجب أن يصدر بحكم من المحكمة العمالية المختصة، بما يضمن حق المواطن في اللجوء للقضاء.
أما هذا القانون بحسب، إبراهيم، فيعطي قوة إنفاذ تلقائية بمجرد أن تأتي نتيجة العينة الاستدلالية الأولى إيجابية؛ حيث يتم وقف الموظف عن العمل لحين إجراء التحليل التأكيدي على ذات العينة، وإذا تأكدت إيجابيتها يُفصل الموظف بقوة القانون، وهو ما يعتبره غلًّا ليد جهة الإدارة تماماً عن تطبيق عقوبة أخرى أخف، وغلًا ليد المحكمة عن التدخل، وهو ما يعد افتئاتاً واضحاً على السلطتين.
بارقة أمل
وفي سياق متصل، أشار مدير برنامج المساواة وعدم التمييز بالمبادرة المصرية إلى وجود بارقة أمل تتزامن مع المسار القضائي، تمثلت في تنامي الاهتمام داخل أروقة البرلمان لمناقشة الآثار والتداعيات الاجتماعية الكارثية الناتجة عن تطبيق هذا القانون.
ولفت إبراهيم إلى أن القانون تسبب في تشريد وتدمير مئات الأسر بعد فقدان عائلها لمصدر دخله الوحيد، إلى جانب الوصمة الاجتماعية التي تلاحق الموظف المفصول وتمنعه من إيجاد أي فرصة عمل أخرى. ونوه إلى أن هذه الضغوط أدت في حالات رصدتها المبادرة إلى انهيار النمط المعيشي للأسر، ونقل الأطفال من المدارس، ووصول بعض الحالات إلى الطلاق.
وأوضح إسحق إبراهيم أن البرلمان شهد مؤخرًا تقديم عدد من طلبات الإحاطة والمناقشة من عدة جهات ونواب مهتمين بالدفع نحو تعديل البيئة التشريعية للقانون لتلافي هذه الأضرار الجسيمة
حوار مجتمعي جدي
وطالبت المبادرة المصرية في بيان الأحد 14 يونيو بحوار مجتمعي جدي يفتح الباب لمناقشة تعديلات جوهرية على القانون، تتضمن الفئات التي تخضع لأحكامه، واشتراطات إجراء الاختبارات وطبيعتها وضمانات حقوق العاملين، وتدرج الجزاءات في حالة إيجابية الاختبار، والتعامل مع التعاطي على أنه مشكلة صحية تتطلب برامج إعادة تأهيل، وأن يُعدّل القانون وتقع أحكامه على العاملين بمشاركة النقابات العمالية.

وأكدت ضرورة النظر في وضع ضحايا القانون الذين فُصلوا دون أي حقوق، وتعرضت أسرهم لما يشبه العقاب الجماعي.
أدوية شائعة تعطي نتائج إيجابية
وعن مجريات الجلسة الثالثة لنظر الدعوى (المقيدة برقم 29 لسنة 47 قضائية دستورية)، أمام هيئة المفوضين المنوط بها كتابة تقرير استشاري للمحكمة قبل تحديد جلسة الموضوع، أكد إسحق إبراهيم أن مقيم الدعوى الأساسي مصطفى زكي، ومحامية المبادرة عزيزة الطويل، قدما حزمة من الدفوع والمذكرات المؤيدة لطلباتهما.
وشملت الدفوع استعراضاً لتجارب دول ومواقف منظمات دولية، وعلى رأسها منظمة العمل الدولية، في التعامل مع قضايا تعاطي المخدرات في بيئة العمل.
وفجر إبراهيم مفاجأة بشأن تقديم تقرير علمي استشاري موثق إلى هيئة المفوضين خلال الجلسة، يثبت أن تحليل البول المعتمد حالياً غير دقيق وغير كافٍ.
ورصد التقرير العلمي قائمة طويلة من الأدوية الطبية الشائعة والعادية التي تؤدي إلى ظهور نتائج “إيجابية خاطئة” في التحليل، مما يتسبب في ظلم فادح للموظفين.
مذكرة الدفاع
وتضمنت مذكرة الدفاع إلى هيئة المفوضين وفق بيان المبادرة، أوجه عدم دستورية القانون، ويأتي في مقدمتها أن إجبار الموظف على تحليل المخدرات يخالف مبدأ حرمة الجسد، ويهدر الحريات الأساسية اللصيقة بالشخصية: كالكرامة، والحرية الشخصية، والحياة الخاصة.
وأوضحت مذكرة الدفاع أن تحصين قرار إنهاء الخدمة يهدر مبدأ الشرعية الدستورية، في أوجه عدة منها: تحصين قرار إنهاء الخدمة يغل الرقابة القضائية، الأمر الذى يُعد تعديًا على نص المادة (97) من الدستور، وتحصين قرار إنهاء الخدمة يقوض حق التقاضي والدفاع، والغلو فى الجزاء يهدر مبدأ “تفريد العقاب” القائم على تناسب العقوبة مع الشخص الموقعة عليه، وظروف الجريمة المرتكبة.
وقدم مصطفى زكي المحامي بالنقض ومقيم الدعوى مرافعة شفهية، عدد خلالها أوجه مخالفة القانون لبعض المبادئ والحقوق الدستورية المستقرة، مشيرًا إلى سلب القانون السلطة التقديرية لكل من جهة الإدارة والمحكمة في تقدير العقوبة، ومجازاة العامل بما يناسب ظروفه.
كما دفعت هيئة الدفاع بوجود غلو ظاهر وجسيم في العقوبة المقررة بنص القانون، وحتمية أن يكون الجزاء متناسباً ومتدرجًا حسب طبيعة المخالفة، إذ أن عقوبة إنهاء الخدمة “- بشكل حتمي ومباشر- تدمر البنيان الاجتماعي، وتضر بقطاع عريض من أسر الموظفين بصورة بالغة”.
وقدمت هيئة الدفاع تقريرًا علميًّا استرشاديًّا عن النتائج الإيجابية الزائفة لتحليل المخدرات في البول، وخلص التقرير إلى أن تحليل البول للكشف عن المخدرات هو مجرد وسيلة فحص أولية وليس اختبارًا دقيقًا قاطع النتائج. مشيرًا إلى احتمالية اختلاط وتداخل العينات وحدوث تفاعل متصالب (Cross Reactivity) ما يعطي نتائج “إيجابية زائفة”، بسبب تناول أدوية علاجية مشروعة ومصرح بها.
وتضمن التقرير حصر للأدوية المسببة للخطأ: مثل أدوية قرحة المعدة، الحساسية، نزلات البرد والكحة، المسكنات الروماتيزمية، أدوية القولون، والضغط والسكر التي تتماثل نواتجها مع عينات المواد المخدرة في التحاليل العشوائية.







