
شهدت الساحة الاقتصادية المصرية مؤخرًا حالة واسعة من الجدل والتساؤلات حول طبيعة الخطوات التي تتخذها الدولة للتخارج من بعض مشاريعها الاستثمارية، ومدى دقة الأرقام المعلنة بشأن حجم الديون السيادية، بالإضافة إلى مصير التعاون المستمر مع صندوق النقد الدولي.
وفي قراءة تحليلية مفصلة للمشهد، وضع الخبير الاقتصادي الدكتور محمد فؤاد، في مداخلة هاتفية مع برنامج الحكاية الذي يقدمه الإعلامي عمرو أديب، النقاط على الحروف، مفككًا التداخل بين الإشاعات والحقائق الاقتصادية، وموضحًا حقيقة ما جرى في أبرز الملفات الساخنة كصفقة محطة “جبل الزيت” وتأجيل طرح “بنك القاهرة”.
نهاية عهد صندوق النقد
أكد الدكتور محمد فؤاد، أن البرنامج الحالي لمصر مع صندوق النقد الدولي من المفترض أن ينتهي بنهاية العام الجاري، وتحديدًا في شهر سبتمبر المقبل، مشيرًا إلى ضرورة أن يكون هذا هو العهد النهائي لمصر مع الصندوق.
ووصف الصندوق بأنه “أشبه بغرفة الإنعاش” التي تلجأ إليها الدولة فقط عند وقوع أزمات هيكلية حادة، كما حدث قبيل تعويم 2016 وفي أزمة سعر الصرف عام 2023، مشددًا على أن استمرار المريض داخل غرفة الإنعاش لفترة طويلة ليس أمرًا جيدًا، وأن الصندوق ليس الملاذ الوحيد لتغطية الفجوة التمويلية المستمرة.
وعن كيفية إدارة الدولة لالتزاماتها المالية وفجوتها التمويلية في حال توقف الاقتراض من الصندوق، أوضح “فؤادط أن العملية تعتمد على “إعادة التدوير الدوري للديون والالتزامات”، وشرح ذلك بأن الجزء الأكبر من الالتزامات السنوية مؤمن عبر ودائع يتم تجديدها بانتظام، إلى جانب إصدار سندات وصكوك جديدة لسداد السندات المستحقة، والاعتماد على المسار الطبيعي للتمويل المتمثل في الأسواق المالية وتسييل الأصول وتشجيع الاستثمار، لحين الوصول بالمسار الاقتصادي إلى نقطة تسمح فيها الإيرادات بتقليل الاقتراض إلى نسب مريحة.
لماذا انخفضت “نسبة” الدين وارتفع “حجمه”؟
وحول تضارب الأنباء بشأن انخفاض الديون المصرية، فجر “فؤاد” مفاجأة بالتأكيد على أن “من يقول إن الدين قلّ كلامه صحيح، ومن يقول إنه زاد كلامه صحيح أيضاً”، مفرقًا بين نوعين من المؤشرات الاقتصادية، المؤشر الأول (المفهوم الحكومي الرسمي) والذي يعتمد على نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، وفي هذا الإطار فإن النسبة في “مسار نزولي” بالفعل نتيجة توسع حجم الاقتصاد والنشاط الاقتصادي.
أما فيما يتعلق بالمؤشر الثاني (الواقع الرقمي الحقيقي)، كشف “فؤاد” أن حجم الدين كـ “رقم مجرد لم ينخفض بل ارتفع منذ بدء البرنامج، وضخّم هذا الارتفاع الضغط المالي؛ حيث التهمت بند الديون وخدمة الدين ما نسبته 65% من إجمالي استخدامات ومصاريف الدولة في العام الماضي، واستقرت عند نحو 64% في العام الحالي.
و كشف الخبير الاقتصادي أنه بالرغم من دخول 35 مليار دولار من صفقة “رأس الحكمة”، والتي تم توجيهها لتغطية المصروفات والمتأخرات، إلا أن حجم الدين الخارجي ارتفع من 155 مليار دولار عقب الصفقة ليصل حاليًا إلى ما بين 165 و166 مليار دولار، مؤكدًا أن التخفيض القطعي لحجم الدين لم يحدث.
مفارقة قطاع البترول
استشهد “فؤاد” بملف قطاع البترول كـ “نموذج مبسط” يشرح كيف تسدد الدولة ديونها ومع ذلك ترتفع المديونية، وأوضح أنه عندما انقطعت الدولة سابقًا عن سداد مستحقات شركات البترول الأجنبية (والتي كانت تبلغ حوالي 6 مليارات دولار)، توقفت تلك الشركات عن تنمية الحقول، مما أدى فورًا إلى تراجع إنتاج مصر من الغاز والوقود من 7 مليارات إلى 3.8 مليار، هذا التراجع أجبر الدولة على استيراد المحروقات والغاز المسال للحفاظ على تشغيل البلاد، ليرتفع حجم استيراد الطاقة من 13 ملياراً إلى 25 مليار دولار هذا العام. وبذلك، تسبب العجز التراكمي في ميزان الطاقة بين عامي 2023 و2025 في إنفاق نحو 42 مليار دولار لتغطية العجز، وهي الفاتورة التي نجمت أساساً عن تأخر سداد الـ 6 مليارات الأصلية.
فلسفة بيع الأصول
وعن الجدل المثار حول بيع أصول الدولة لسداد الديون، قسّم فؤاد الأصول إلى نوعين ليرسم خطاً فاصلاً بين البيع الإيجابي والسلبي: الأصول والشركات المنتجة، حيث أكد أنه لا توجد أي مشكلة اقتصادية في التخارج منها لصالح القطاع الخاص؛ لأن الأصل لا يضيع بل يتحول من ملكية عامة لخاصة، مما يضمن استمرارية تشغيله، وتوفير فرص لتطويره، وتحويله إلى كيان دافع للضرائب يحرك النشاط الاقتصادي بدلاً من بقاء الدولة جاثمة عليه.
بيع الأراضي “السياسات المؤقتة”
أبدى “فؤاد” تحفظه على الاعتماد على بيع الأراضي كمسار مستمر، واصفاً إياها بالصفقات العقارية المؤقتة (One-off) التي يمكن اللجوء إليها فقط في حالات “الزنقة المادية” لفك الأزمات السريعة استغلالاً لملاءة الدولة المالية، لكنها لا تصلح كنهج دائم كونها لا تولد قيمة مضافة مستدامة للمجتمع.
صفقة “جبل الزيت”
وفيما يخص الملف الأكثر إثارة للجدل، وهو محطة “جبل الزيت” لتوليد طاقة الرياح، فند فؤاد الأنباء الشائعة حول قيام مصر ببيع المحطة بقيمة 450 مليون دولار رغم أن تكلفتها الإنشائية بلغت 650 مليوناً، واصفاً هذه المقارنة بـ “المضللة تماماً”.
وشرح “فؤاد” طبيعة ما حدث عبر النقاط الهيكلية قائلاً إن:” الصفقة هي اتفاقية استثمار وتشغيل وشراء طاقة بموجب حق انتفاع يمتد لـ 25 عاماً، وتعود بعدها المحطة بالكامل إلى الدولة المصرية (على غرار عقود الامتياز القديمة دون بند البناء)، وليست عقد بيع مجرد”.
وأضاف أن المحطة تعمل منذ عام 2018 وليست جديدة، والقيمة الاقتصادية لأي محطة طاقة لا تقاس بتكلفة بنائها التاريخية، بل ترتبط بكفاءة التشغيل، وتكاليف الصيانة والإحلال، والديون المحملة عليها، والأهم من ذلك قدرتها الفعلية على بيع الكهرباء المنتجَة، إضافة إلى أنه بموجب الاتفاقية، يدخل المستثمر “شركة كازار” لإعادة إحلال المحطة وتغيير التوربينات والمكن على نفقته، وفي المقابل تلتزم الشركة المصرية لنقل الكهرباء بشراء الطاقة المولدة على مدار الـ 25 عامًا.






