
لطالما صرح الرئيس ترامب بأن علاقته بأكبر تحالف دفاعي متوترة، وقبل أيام من انعقاد قمة الناتو بأنقرة، كتب الرئيس ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي: “تنفق الولايات المتحدة على الناتو أموالاً أكثر بكثير من أي دولة أخرى لحمايته، دون أن تجني أي فائدة من ذلك، أمر سخيف”، ما مهد للتوتر الذي دام لعقد من الزمان بين زعيم القوة العظمى الرئيسية في الحلف الذي داوم علي انتقاد الحلف والدول الأعضاء.
وهاجم الرئيس ترامب خلال ولايته الأولى، حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والذي مر على إنشاءه 77 عامًا، واصفًا إياه بـ”عفا عليه الزمن”، ومتهمًا أعضاء الناتو بالتقصير في دفع حصتهم العادلة، ليقر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ويعترف بضعف التزام الحلفاء، وأن الحلفاء يعانون من “موت دماغي للناتو”، ليشهد الحلف انتعاشًا في مواجهة الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، والذي حشد الدول الأعضاء لمعالجة النزاع.
أما في ولايته الثانية، استأنف ترامب انتقاداته لحلف الناتو، مركزًا بشكل خاص على تقاسم الأعباء داخل المنظمة، كما تسبب في غضب الدول الأعضاء العام الماضي بإصراره على أن الولايات المتحدة ستستولي على جرينلاند، وفي الأشهر الأخيرة، أعرب الرئيس ترامب عن استيائه الشديد من حلف الناتو لعدم بذله جهودًا كافية لدعم الحرب التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل في إيران.
جدول الأعمال
ويعاني الحلف من الإرهاق من كثرة القمم المعنقدة، وما يحدث الآن هو محاولات لإبقاء الرئيس ترامب ملتزمًا بدعم حلف الناتو، وتجاوز فترة قمة الصيف دون أن يتفكك الحلف، ومن المتوقع أن يكون الالتزام بزيادة الإنفاق الدفاعي وتحسين سلاسل الإمداد الصناعية والعسكرية والحرب على أوكرانيا من بين القضايا المطروحة على جدول الأعمال، وستمثل القمة فرصة أخرى لإدارة ترامب لمواصلة الضغط على الدول الأخرى بشأن إنفاقها الدفاعي.
كما يتوقع الرئيس ترامب، أن يبادر جميع الحلفاء فورًا إلى رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5%، وأن يفعلوا ذلك على وجه السرعة، وامتنع الرئيس دونالد ترامب، يوم الثلاثاء، عن الإفصاح عما إذا كان يعتزم الإعلان عن مزيد من خفض القوات الأمريكية في أوروبا، مكتفيًا بالقول للصحفيين”سنرى”.
هل يتجه الحلف نحو التفكك أم الناتو 3.0
قال الأمين العام لحلف الناتو “مارك روته”، في خطاب ألقاه مؤخراً في واشنطن: “في أنقرة، سنظهر للعالم أننا نفي بالتزاماتنا التي قطعناها في لاهاي العام الماضي، وسنفعل مفهوم الناتو 3.0، أي أوروبا أقوى وحلف ناتو أقوى”.

تأتي فكرة الناتو 3.0 من البنتاجون، حيث تسعى القيادة العسكرية الأمريكية في عهد ترامب إلى تغيير هيكل حلف الناتو كليًا، حيث تتحمل أوروبا مسؤولية أمنها وأن تقلل اعتمادها على الولايات المتحدة، وسحب القوات الأمريكية تدريجيًا، وهو ما يحاول الأمين العام لحلف الناتو منع حدوثه.
جهود روته في منع تفكك حلف الناتو
لن نعرف ما إذا كانت القمة حققت نجاحًا حقيقيًا أم فشلت، إلا بعد انتهاء المؤتمرات الصحفية، وتتمثل مهمة روت في الحفاظ على وحدة الحلف، وهو ما يعني الحفاظ على رضا ترامب، وهو ما أثبت روته نجاحه نسبيًا فيه.
ويعتمد “روته” على بيانات موثقة لإظهار التقدم الذي أحرزه حلف الناتو خلال العام الماضي للرئيس ترامب، فعلى سبيل المثال، زاد الأوروبيون وكندا إنفاقهم الدفاعي بنسبة 20%، وفي قمة الناتو لعام 2025 في لاهاي، التزم الحلفاء برفع إنفاقهم الدفاعي السنوي إلى 5% من ناتجهم المحلي الإجمالي بحلول عام 2025. 2035، ارتفاعًا من نسبة الـ 2%.
وأضاف “روته” أن أولوية الناتو، هي توسيع قواعده الصناعية الدفاعية في جميع أنحاء أوروبا وكندا والولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن أوروبا شهدت بالفعل زيادة في خطوط الإنتاج في المصانع التي تم افتتاحها حديثًا.
كما يؤيد “روته” تأييدًا صريحًا لسياسات الرئيس ترامب التي أثارت استياء بعض أعضاء الحلف، الذين يشكك الكثير منهم في التزام ترامب بالحلف بعد تهديداته بضم جرينلاند، وتشكيكه في التزام الناتو بالدفاع المشترك المنصوص عليه في المادة الخامسة، وهجماته على قادة آخرين، وقراره سحب بعض القوات الأمريكية من ألمانيا، والمراجعة الأوسع نطاقًا التي يجريها البنتاجون للوجود العسكري الأمريكي في أوروبا.
ويصر “روته” على أنه رغم الخلافات، لا يزال التحالف متحدًا مع الولايات المتحدة كشريك كامل.
دور أنقرة
وتُعد تركيا من البلاد القلائل التي يتمتع قائدها بعلاقة جيدة مع الرئيس ترامب، وهو سبب من أسباب جذب ترامب لحضور القمة، حيث قال ترامب في اجتماعه مع روته في المكتب البيضاوي: “لولا حقيقة أن القمة تُعقد في تركيا برئاسة الرئيس أردوغان، لما كنت لأحضرها”.

كما لعبت تركيا دورًا معرقلًا داخل حلف الناتو في السنوات الأخيرة، حيث أبطأت انضمام السويد وفنلندا في عامي 2023 و2024، كما تسببت نزعة تركيا الاستقلالية وعلاقاتها الاقتصادية الوثيقة مع روسيا في توترات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
في الوقت نفسه، تمتلك تركيا ثاني أكبر جيش في الحلف، وصناعة دفاعية مزدهرة، وازداد نفوذها الجيوسياسي بشكل ملحوظ. بسبب دعمها العسكري لأوكرانيا ونفوذها المتزايد في الشرق الأوسط، بعد سقوط نظام بشار الأسد وضعف إيران بعد حروبها مع الولايات المتحدة، لكن يبقى العامل الأهم، هو ميل الرئيس ترامب الشخصي نحو الرئيس أردوغان.
هل سيتخلي ترامب عن حلم جرينلاند
أكد الرئيس ترامب رغبته في أن تسيطر الولايات المتحدة على جرينلاند، مبررًا ذلك بأن الإقليم ذو أهمية استراتيجية بالغة للأمن الأمريكي. ويدرك ترامب أن ذلك سيؤثر سلبًا على علاقته بحلف الناتو. ويجادل ترامب بأن الدنمارك لم تستثمر بشكل كافي في جرينلاند، وحذر من أن موقع الجزيرة يجعلها ذات أهمية متزايدة مع توسع الصين وروسيا في وجودهما في القطب الشمالي.

وكان ترامب قد رفض سابقًا استبعاد العمل العسكري للاستيلاء على جرينلاند، لكنه تحول بشكل كبير إلى الدعوة إلى اتفاقية إطارية طويلة الأجل خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس مطلع هذا العام. ومع ذلك لا يزال مسؤولو الإدارة الأمريكية يبقون الباب مفتوحًا أمام إمكانية اتخاذ إجراءات أكثر حزمًا، مبررين ذلك بأن جرينلاند ضرورية للأمن القومي الأمريكي.
خلافات ترامب ميلوني في قمة الناتو
تخيم على أجواء القمة الخلافات بين ترامب ورئيس الوزاء الإيطالية جورجا ميلوني، لكن الرئيس الأمريكي قال خلال اجتماع ثنائي مع الرئيس أردوغان في أنقرة: “أعتقد أنها شخصية لطيفة، في الواقع، لقد قضينا أسبوعًا جيدًا. كانت علاقتنا متوترة بعض الشيء، وتفاقمت قليلاً لأنها رفضت مساعدتنا مجددًا”. في إشارة إلى رفض إيطاليا المساعدة في الحرب على إيران. وقال ترامب إنه لم يضغط عليها بشدة لطلب المساعدة، وأن رفضها إشراك إيطاليا في الأمر أفسد علاقته بها قليلاً.
ينظر ترامب إلى الكثير من الأمور في السياسة الخارجية على أنها مصالح شخصية، والتحالفات لا تسير مع هذا المنظور. ومع ذلك لا يوجد سبب للاعتقاد بأن الرئيس ترامب يريد أن يرى التحالف يفشل في عهده. فترامب يفضل أن يكون جزءًا من الجانب المنتصر، وإذا ما استطاع الحلف أن يظهر تقدمًا، وأن يعزز دفاعاته، واستطاع الرئيس ترامب أن يكون جزءًا من هذا الحل، فسيكون ذلك نتيجة إيجابية لكلا الأطراف على حد سواء.





