لم تعد تُقاس الثروة في القرن الحالي بما تمتلكه الدول من موارد طبيعية أو رؤوس أموال أو تكنولوجيا متقدمة فقط، بل برز مورد جديد لا يقل قيمة عن أيٍ منهما، هو انتباه الإنسان. فكل دقيقة نقضيها أمام شاشة الهاتف، وكل نقرة، وكل مشاهدة، أصبحت جزءًا من اقتصاد عالمي ضخم يتنافس الجميع على اقتناصه.
لكن المشكلة لا تكمن في ظهور “اقتصاد الانتباه” باعتباره نموذجًا اقتصاديًا جديدًا، وإنما في انتقال منطقه إلى كل مناحي الحياة. فبعد أن كانت المنافسة تدور حول جودة المنتج أو قوة الفكرة أو كفاءة الأداء، أصبح النجاح في كثير من الأحيان مرهونًا بالقدرة على جذب الانتباه، ولو على حساب القيمة نفسها.
في الإعلام، لم يعد الخبر الأهم هو الأكثر انتشارًا، بل الخبر الأكثر إثارة. وفي السياسة، قد يحصد التصريح الصادم من الاهتمام ما لا تحققه برامج إصلاحية استغرق إعدادها سنوات. وحتى في المجال الثقافي، أصبحت سرعة الانتشار تتقدم أحيانًا على جودة المحتوى. وكأننا انتقلنا من عصر تقييم الأفكار إلى عصر قياس معدلات التفاعل.
هذه التحولات لا تعني أن التكنولوجيا هي المشكلة، ولا أن وسائل التواصل الاجتماعي شرٌ ينبغي مقاومته. فهي أدوات أتاحت فرصًا غير مسبوقة للتواصل والتعلم والمشاركة. لكن الإشكال يبدأ عندما تصبح قواعد المنصات الرقمية هي التي تحكم المجال العام كله، فيتحول الترند إلى معيار للحقيقة، وعدد المشاهدات إلى مقياس للقيمة، والإثارة إلى الطريق الأسرع نحو التأثير.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي. فالمجتمعات لا تتقدم بالضجيج، وإنما بالأفكار الجيدة، ولا تُبنى باللحظات العابرة، وإنما بالعمل التراكمي. وإذا أصبحت المؤسسات الجادة مضطرة إلى منافسة المحتوى المثير وفق قواعده نفسها، فإننا نخاطر بإفراغ المجال العام من مضمونه، ليصبح الانتصار للأعلى صوتًا لا للأعمق فكرًا.
والتحدي لا يقتصر على وسائل الإعلام أو صناع المحتوى، بل يمتد إلى الأحزاب السياسية، ومؤسسات الدولة، والجامعات، ومراكز الفكر. فهذه المؤسسات مطالبة بأن تطور أدواتها في التواصل مع المواطنين، وأن تتحدث بلغة العصر، لكن دون أن تضحي بالحقائق أو تختزل القضايا المعقدة في شعارات سريعة أو معارك موسمية.
إن بناء الوعي أصبح اليوم جزءًا لا يتجزأ من بناء الدولة. فالمواطن الذي يستطيع التمييز بين الحقيقة والإثارة، وبين النقاش الجاد والضجيج، هو مواطن أكثر قدرة على اتخاذ القرار، وأكثر حصانة أمام الشائعات، وأكثر إسهامًا في استقرار مجتمعه وتقدمه.
لن نستطيع إلغاء اقتصاد الانتباه، فهو جزء من الواقع الذي نعيشه، لكننا نستطيع أن نرفض أن تتحول قواعده إلى المرجعية الوحيدة التي نقيس بها النجاح. فالمجتمعات التي تسمح للترند بأن ينتصر دائمًا على الفكرة، قد تكسب لحظة من التفاعل، لكنها تخسر مستقبلًا كان يمكن أن تبنيه بالمعرفة والعقل والعمل.






