
تشهد منطقة القرن الأفريقي وحوض النيل، منذ مطلع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين تحولات متسارعة في توازنات القوة الإقليمية، نتيجة تشابك المنافسة بين القوى الدولية والإقليمية على الممرات البحرية وموارد الطاقة وسلاسل الإمداد، بالتوازي مع الأزمات السياسية والأمنية التي تشهدها دولة الإقليم، وفي مقدمتها السودان والصومال وإثيوبيا، وقد أوجدت هذه البيئة الاستراتيجية المعقدة فرصًا لإعادة تشكيل خرائط النفوذ، بما دفع عددًا من القوى الإقليمية إلى إعادة تقييم سياساتها تجاه المنطقة، وفي مقدمتها إسرائيل.
وخلافًا للمراحل السابقة التي ركزت فيها إسرائيل على بناء علاقات ثنائية محدودة مع بعض دول شرق أفريقيا، تتجه استراتيجيتها الراهنة نحو بناء شبكة نفوذ متعددة الأبعاد تتداخل فيها الأدوات الدبلوماسية والأمنية والاقتصادية والتكنولوجية والاستخباراتية، بما يعكس امتثالاً من مفهوم “دبلوماسية الأطراف” إلى محاولة هندسة مجال حيوي إقليمي يضمن حماية مصالحها الاستراتيجية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي وحوض النيل.
وتزداد أهمية هذا التحول بالنظر إلى الموقع الجيوسياسي للقرن الأفريقي، الذي يشرف على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر عبر مضيق باب المندب، أحد أكثر الممرات البحرية أهمية في العالم، إذ تمر عبرها نحو 12٪ من التجارة العالمية، إضافة إلى نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز المتهجة إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية، وفق تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD).
كما يمثل حوض النيل إحدى أهم دوائر الأمن المائي والغذائي في أفريقيا والشرق الأوسط، الأمر الذي يجعل أي تغير في موازين القوى داخل الإقليم ذا انعكاسات مباشرة على الأمن الإقليمي.
وفي ضوء التطورات التي شهدها البحر الأحمر منذ أواخر عام 2023، وما رافقها من تهديدات متزايدة لحركة الملاحة الدولية، باتت إسرائيل تنظر إلى القرن الأفريقي باعتباره امتدادًا مباشرًا لأمنها القومى، وليس مجرد ساحة للتحرك الدبلوماسي، كما أسهم تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين وتركيا وروسيا والإمارات في تعزيز أهمية المنطقة باعتبارها إحدى أبرز ساحات إعادة تشكيل النظام الإقليمي.
دوافع إعادة التموضع الإسرائيلي في القرن الأفريقي وحوض النيل
تعكس التحركات الإسرائيلية الراهنة في القرن الأفريقي وحوض النيل جملة من الدوافع الاستراتيجية المتداخلة، التي أعادت رسم أولويات السياسة الخارجية والأمنية الإسرائيلية تجاه الإقليم.
ويأتي في مقدمة هذه الدوافع تأمين خطوط الملاحة في البحر الأحمر، الذي يمثل شريانًا رئيسيًا للتجارة الإسرائيلية مع الأسواق الآسيوية، فقد كشفت اضطرابات الملاحة منذ أواخر عام 2023، عن حجم الاعتماد الإسرائيلي على هذا المسار البحري، بعدما اضطرت شركات شحن عديدة إلى تحويل مساراتها عبر رأس الرجاء الصالح، بما ترتب عليه ارتفاع تكاليف النقل وتأخر سلاسل الإمداد.
كما وفرت اتفاقات أبراهام منذ عام 2020 بيئة سياسية أكثر مرونة لتحرك إسرائيل داخل أفريقيا، عبر توسيع نطاق التعاون مع عدد من الدول العربية والإفريقية، الأمر الذي منحها مساحة أوسع لبناء شراكات أمنية واقتصادية جديدة.
وفي الوقت ذاته، أدى تصاعد التنافس الدولي على القرن الأفريقي إلى تعزيز أهمية المنطقة في الحسابات الإسرائيلية، إذ باتت تل أبيب تسعى إلى تثبيت حضورها في مواجهة التوسع الصيني، والوجود العسكري الأمريكي، والنفوذ التركي، والتحركات الروسية، فضلاً عن الدور المتنامي لبعض القوى الخليجية في إدارة الموانئ والاستثمارات اللوجستية.
وتأتي التطورات الداخلية في السودان، والأزمة المستمرة في الصومال، والتفاعلات المرتبطة بسد النهضة الاثيوبي، ضمن المتغيرات التي دفعت إسرائيل إلى تعزيز حضورها السياسي والأمني والتكنولوجي، باعتبار أن استقرار هذه الملفات يرتبط بصورة مباشرة بمستقبل الأمن الإقليمي في البحر الأحمر وحوض النيل.
من نظرية الأطراف إلى إعادة هندسة المجال الحيوي
ترجع جذور السياسة الإسرائيلية تجاه أفريقيا إلى خمسينيات القرن الماضي، عندما طرح رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول، ديفيد بن جوريون، ما عُرف بـ”نظرية الأطراف”، والتي استندت إلى بناء تحالفات مع الدول غير العربية المحيطة بالعالم العربي، مثل إثيوبيا وتركيا وإيران قبل الثورة الإسلامية، بهدف كسر العزلة الإقليمية وخلق توازن استراتيجي في مواجهة الدول العربية.
واعتمدت إسرائيل خلال تلك المرحلة على أدوات القوة الناعمة، من خلال تقديم الخبرات الزراعية والتقنية، وبرامج التدريب العسكري، والمساعدات التنموية، مستفيدة من موجة استقلال الدول الأفريقية في ستينيات القرن الماضي، حتى تجاوز عدد الدول التي أقامت معها علاقات دبلوماسية ثلاثين دولة.
غير أن هذه العلاقات تعرضت لتراجع ملحوظ عقب حرب أكتوبر 1973، عندما قطعت غالبية الدول الأفريقية علاقاتها مع إسرائيل تضامنًا مع الموقف العربي، إلا أن نهاية الحرب الباردة، وتوقيع اتفاق أوسلو، ثم موجة التطبيع التي دشنتها اتفاقات أبراهام، وفرت لإسرائيل فرصة لإعادة بناء حضورها داخل القارة الأفريقية وفق مقاربة أكثر شمولاً.
وتختلف الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية بصورة جوهرية عن نظرية الأطراف، إذ لم تعد تقتصر على إقامة علاقات سياسية أو أمنية مع عدد محدود من الدول، بل أصبحت تستهدف بناء مجال حيوي متكامل يقوم على ترسيخ المصالح الاقتصادية، وتوسيع التعاون الأمني والاستخباراتي، وتعزيز النفوذ التكنولوجي، وربط الدول الأفريقية بشبكات تعاون طويلة الأمد تمنح إسرائيل حضورًا مؤثرًا في معادلات الأمن الإقليمي.
كما تعكس هذه المقاربة تحولاً في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، من إدارة العلاقات الثنائية إلى السعي نحو بناء منظومة نفوذ إقليمية قادرة على حماية المصالح الإسرائيلية في البحر الأحمر وشرق أفريقيا، ومواكبة التحولات المتسارعة في موازين القوى الدولية داخل الإقليم.
البحر الأحمر.. مركز الثقل في الاستراتيجية الإسرائيلية
أظهرت التطورات الأمنية التي أعقبت اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023، أن البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر بحري بالنسبة لإسرائيل، وإنما تحول إلى أحد أهم دوائر الأمن القومي الإسرائيلي، فقد أدت الهجمات التي استهدفت السفن التجارية إلى اضطراب حركة الملاحة الدولية، وانخفاض النشاط في ميناء إيلات، كما دفعت العديد من شركات الشحن العالمية إلى تحويل مساراتها عبر رأس الرجاء الصالح، الأمر الذي انعكس في زيادة تكاليف النقل والتأمين، وإطالة زمن الرحلات البحرية، وتأثر سلاسل الإمداد العالمية.
وتشير تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD)، إلى أن نحو 12٪ من التجارة العالمية تمر عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، إضافة إلى ما بين 20و 30٪ من تجارة الحاويات العالمية، فضلاً عن نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز المتهجة إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية، وقد أدت اضطرابات الملاحة إلى زيادة زمن الرحلات البحرية بما يتراوح بين 10و15 يومًا في بعض الخطوط التجارية، مع ارتفاع ملحوظ في تكاليف الشحن والتأمين.
وفي ضوء هذه المعطيات، كثفت إسرائيل تعاونها الأمني والاستخباراتي مع الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية والإقليمية بهدف حماية الملاحة الدولية وتأمين خطوط التجارة، كما عملت على توسيع شبكة علاقاتها مع دول شرق المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، بما يعزز قدرتها على مراقبة التحركات البحرية والاستجابة السريعة للتهديدات المحتملة.
ويرى معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) أن أمن البحر الأحمر أصبح جزءاً لا يتجزأ من مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي، في ظل تزايد الاعتماد على هذا المسار البحري في التجارة والطاقة، فضلاً عن ارتباطه بالمشروعات اللوجستية والاستراتيجية المستقبلية.
إسرائيل في قلب التنافس الدولي على القرن الأفريقي
لا تتحرك إسرائيل في القرن الأفريقي بمعزل عن البيئة الدولية. بل في إطار منافسة متزايدة بين القوى الكبرى والإقليمية على النفوذ في واحدة من أكثر المناطق أهمية على المستوى الجيوسياسي.
فقد عززت الصين حضورها الاقتصادي من خلال مبادرة “ الحزام والطريق”، وأصبحت الشريك التجاري الأول للقارة الأفريقية، إذ تجاوز حجم التجارة الصينية مع أفريقيا 280 مليار دولار سنويًا وفق بيانات البنك الدولي، إلى جانب استثمارات ضخمة في الموانئ والسكك الحديدية والبنية التحتية.
في المقابل ، تحتفظ الولايات المتحدة بأكبر قاعدة عسكرية لها في أفريقيا، وهي قاعدة ليمونييه في جيبوتي، التي تمثل محورًا رئيسيًا لعملياتها العسكرية في شرق أفريقيا والبحر الأحمر، كما وسعت تركيا حضورها في الصومال عبر أكبر قاعدة تدريب عسكري خارج أراضيها، بالتوازي مع تنامي الدورين الروسي والخليجي في إدارة الموانئ والاستثمارات اللوجستية.
وفي ظل هذا المشهد، تعتمد إسرائيل على أدوات مختلفة عن أدوات القوى الكبرى، إذ تركز على التكنولوجيا المتقدمة، والأمن السيبراني، والاستخبارات، وإدارة الموارد المائية، والزراعة الحديثة، بما يسمح لها بتعويض محدودية حضورها الاقتصادي مقارنة بالصين أو الولايات المتحدة.
وتسعى تل أبيب إلى توظيف هذه الأدوات لبناء شراكات استراتيجية طويلة المدى مع عدد من دول القرن الأفريقي، بما يمنحها موطئ قدم مؤثر في التوازنات الإقليمية، ويعزز قدرتها على حماية مصالحها الأمنية والاقتصادية في البحر الأحمر وحوض النيل.





