كواليس صناعة القيادات السياسية.. هل تمتلك الأحزاب كوادر تحكم الغد؟

الكوادر داخل الأحزاب السياسية

عصام هلال: الكادر الحزبي يُصنع بالتأهيل والعمل الميداني لا بالمؤهل الدراسي

سليمان وهدان: لا نبحث عن الوجوه الأكثر شهرة بل عن العقول الأكثر قدرة على التفكير

ريمون ناجي: إعداد الكوادر مشروع دولة قبل أن يكون مشروع حزب

شريف عارف: المال السياسي وتوارث المواقع التنظيمية من أبرز تحديات الحياة الحزبية

أعاد حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن أهمية تنشيط الحياة الحزبية، إلى الواجهة، ملف إعداد الكوادر السياسية باعتباره أحد أهم التحديات التي تواجه العمل الحزبي في مصر، فوجود أحزاب قوية لا يرتبط فقط بعدد الأعضاء أو الانتشار التنظيمي، وإنما بقدرتها على صناعة قيادات تمتلك الوعي السياسي والخبرة التنظيمية والقدرة على التواصل مع المواطنين وتحويل البرامج إلى سياسات قابلة للتنفيذ.

ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة وفي مقدمتها انتخابات المجالس المحلية، تتجه الأحزاب إلى تكثيف برامج التدريب والتأهيل في محاولة لإعداد صفوف جديدة من القيادات القادرة على إدارة العمل السياسي والميداني وسط تأكيدات بأن بناء الإنسان يظل الاستثمار الحقيقي لأي حزب يسعى إلى الاستمرار والتأثير.

منظومة متكاملة لبناء الكوادر
وفي هذا الإطار أكد النائب عصام هلال عفيفي، الأمين العام المساعد لحزب مستقبل وطن، وعضو مجلس الشيوخ، أن الحزب يولي اهتمامًا كبيرًا بإعداد وتأهيل كوادره السياسية من خلال منظومة تدريبية تستهدف رفع الوعي السياسي والتنظيمي والإداري لدى الأعضاء بما يمكنهم من أداء أدوارهم بكفاءة في العمل الحزبي والمجتمعي.

وأوضح في تصريحات لـ”ليبرالي”، أن برامج التأهيل تشمل دورات وورش عمل في مجالات القيادة والإدارة المحلية والتشريعات والعمل البرلماني والتواصل الجماهيري وإدارة الحملات الانتخابية إلى جانب برامج التثقيف السياسي وبناء القدرات.

وأضاف أن الحزب يعمل بصورة مستمرة على إعداد كوادر قادرة على خوض انتخابات المجالس المحلية والمشاركة الفاعلة في العمل المحلي من خلال التدريب العملي والنظري بما يتوافق مع متطلبات المرحلة المقبلة، لافتًا إلى أن أعداد الكوادر التي يتم تخريجها أو اعتمادها تخضع للإحصاءات الرسمية الصادرة عن الحزب.

وأشار “هلال” إلى أن وصف الكادر داخل الحزب يطلق على العضو الذي اجتاز مراحل التأهيل والتدريب وأثبت كفاءة في العمل التنظيمي والميداني وتمكن من تحمل المسؤوليات الحزبية والمشاركة بفاعلية في تنفيذ أنشطة الحزب، مؤكدًا أن اختيار الكوادر يعتمد على الالتزام والانضباط والقدرة على العمل الجماعي وحسن التواصل مع المواطنين والاستعداد للتعلم والتطوير والقدرة على تحمل المسؤولية وخدمة المجتمع وليس على مؤهل دراسي أو فئة عمرية بعينها.

الاستثمار في الإنسان
ومن جانبه، أكد النائب سليمان وهدان، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الجبهة الوطنية، أن قوة الأحزاب لا تُقاس بعدد مقراتها أو حجم عضويتها وإنما بقدرتها على صناعة الإنسان، وإعداد كوادر تمتلك الوعي والكفاءة والانتماء والقدرة على تحويل الأفكار إلى سياسات والطموحات إلى إنجازات.

وقال “وهدان” في تصريحات لـ”ليبرالي”، إن طبيعة العمل السياسي تغيرت ولم يعد المجال يتسع للشعارات أو الخطابات التقليدية في ظل ارتفاع وعي المواطنين وقدرتهم على التمييز بين من يقدم رؤية حقيقية ومن يكتفي بإثارة الجدل، وهو ما يجعل الأحزاب مطالبة بأن تكون مدارس لإعداد القيادات لا مجرد منصات لخوض الانتخابات.

وأضاف أن حزب الجبهة الوطنية يضع بناء الكوادر في صدارة أولوياته انطلاقًا من إيمانه بأن الاستثمار في الإنسان هو الضمانة الحقيقية لاستمرار أي مشروع سياسي وأن الدولة القوية تحتاج إلى أحزاب قوية، والأحزاب القوية لا تُبنى إلا بقيادات مؤهلة تمتلك المعرفة والخبرة وتدرك حجم التحديات التي تواجه الوطن.

وأوضح “وهدان” أن الحزب لا يبحث عن الوجوه الأكثر شهرة وإنما عن العقول الأكثر قدرة على التفكير، والشخصيات الأكثر التزامًا، والقيادات التي تؤمن بأن السياسة تكليفًا قبل أن تكون تشريفًا، وأن خدمة المواطن هي جوهر العمل العام، مؤكدًا أن تجديد النخبة السياسية ضرورة وطنية تستوجب إتاحة الفرصة للشباب والمرأة وأصحاب الخبرات في مختلف المحافظات.

وأشار، إلى أن إعداد الكوادر لا ينفصل عن ترسيخ الثقافة السياسية، موضحًا أن الكادر الناجح ليس من يجيد الحديث أمام الجماهير فقط؛ وإنما من يمتلك القدرة على الاستماع والتحليل وصياغة الحلول والتواصل مع المواطنين والعمل بروح الفريق واحترام الاختلاف وتقديم المصلحة الوطنية على أي اعتبار آخر.

وشدد “وهدان” على أن الانتخابات ليست غاية في حد ذاتها وإنما محطة ضمن مسار طويل لبناء حياة سياسية أكثر نضجًا وفاعلية مؤكدًا أن الرهان الحقيقي اليوم ليس على كثرة الشعارات وإنما على جودة الكوادر القادرة على المشاركة في صناعة القرار وبناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.

الكادر مشروع دولة
من جانبه أكد الكاتب الصحفي ريمون ناجي، عضو المكتب السياسي بحزب المصريين الأحرار، أن الحزب يتعامل مع ملف إعداد الكوادر باعتباره أحد أهم استثمارات الدولة في المستقبل، مشددًا على أن الحزب لا يهدف إلى إعداد مرشحين للانتخابات بقدر ما يعمل على إعداد قيادات وطنية قادرة على إدارة الشأن العام وصناعة السياسات وتحمل المسؤولية في مختلف مواقع العمل التنفيذي والتشريعي والحزبي.

وأوضح “ناجي” في تصريحات لـ”ليبرالي”، أن برامج إعداد الكوادر تقوم على رؤية علمية متكاملة تبدأ بدراسة تاريخ الحياة السياسية المصرية والمدارس الفكرية للأحزاب في العالم وطبيعة النظم السياسية والدستورية المقارنة وفلسفة الدولة الوطنية، وصولًا إلى التدريب العملي على العمل البرلماني والإدارة المحلية وصياغة التشريعات وإدارة الحملات الانتخابية والإعلام السياسي والاتصال الجماهيري وإدارة الأزمات والتفاوض وصناعة القرار، مؤكدًا أن السياسة علم يُدرس وممارسة تُكتسب.

وأضاف “ناجي” أن الحزب لا يؤمن بثقافة الدورات الشكلية أو منح شهادات حضور، وإنما يعتمد على التأهيل المستمر والتقييم العملي لأن الكادر الحقيقي هو الذي يستطيع أن يحول المعرفة إلى أداء والفكر إلى إنجاز.

بيئة دستورية وتشريعية
وأكد أن الحزب يعمل بصورة مستمرة على إعداد كوادره في مختلف المحافظات دون انتظار موعد الانتخابات، مشيرًا إلى أن نجاح المحليات يرتبط بوجود بيئة دستورية وتشريعية وإدارية متكاملة إلى جانب كوادر مؤهلة لإدارة الاختصاصات والموازنات بكفاءة.

واختتم “ناجي” تصريحاته بالتأكيد على أن الحزب لا يقيس الكوادر بعدد الدورات التدريبية، وإنما بقدرتها على تحمل المسؤولية الوطنية بكفاءة، معتبرًا أن الكادر الحقيقي هو رجل دولة قبل أن يكون رجل حزب يحمل مشروعًا لبناء الوطن لا مشروعًا لتحقيق مكاسب شخصية.

الأحزاب مطالبة بصناعة القيادات
بدوره قال الكاتب الصحفي شريف عارف، إن هناك تباينًا واضحًا بين الحديث في السياسة وممارستها الفعلية، موضحًا أن المصريين يمتلكون شغفًا بالنقاش السياسي لكن ذلك لا ينعكس بالقدر نفسه على الانخراط داخل الأحزاب.

وأوضح، في تصريحات لـ”ليبرالي”، أن الانتقال إلى ممارسة سياسية حقيقية يتطلب وجود قضية وطنية واضحة يلتف حولها المواطنون إلى جانب بناء أحزاب قوية تمتلك جذورًا حقيقية وقنوات اتصال فاعلة مع الشارع، مؤكدًا أن العمل السياسي لا يمكن اختزاله في مواسم انتخابية أو في السعي إلى الفوز بالمقاعد.

وانتقد استمرار تأثير المال السياسي وتوارث المواقع التنظيمية داخل بعض الأحزاب، معتبرًا أنهما من أبرز التحديات التي تواجه تطور الحياة الحزبية.

وأكد أن إعداد الكوادر يبدأ من أصغر وحدة تنظيمية وصولًا إلى قمة الهرم الحزبي، مشبهًا دور الأحزاب بالأندية الرياضية في صناعة اللاعبين، موضحًا أن نجاح الأحزاب يرتبط بقدرتها على إعداد كوادر تلامس قضايا المواطنين وتقدم برامج واقعية.

واختتم “عارف” تصريحاته بالتأكيد على أن تجربة الحوار الوطني قدمت نموذجًا مهمًا في إدارة الاختلاف وأن تنفيذ مخرجاته يمثل خطوة أساسية نحو تطوير الحياة الحزبية وتعزيز المشاركة السياسية بما يواكب تطلعات الجمهورية الجديدة.