هل تكتب تكنولوجيا العصر شهادة وفاة الرأسمالية؟
تشير العديد من الدراسات والسيناريوهات المستقبلية، إلى جانب تقديرات عدد من خبراء الذكاء الاصطناعي، إلى أنه بحلول عام 2050 قد يصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على أداء ما بين 70% و90% من الوظائف التي يشغلها البشر اليوم. وقد يختلف الخبراء حول دقة هذه التقديرات، لكنهم يتفقون على أن سوق العمل مقبل على تغيرات حادة وغير مسبوقة. والسؤال الحقيقي ليس كم وظيفة ستختفي، بل ماذا سيحدث للنظام الاقتصادي إذا لم يعد الإنسان هو القوة العاملة الرئيسية؟
منذ الثورة الصناعية، قامت الرأسمالية على معادلة بسيطة: يعمل الإنسان، فيحصل على أجر، ثم ينفق هذا الأجر على شراء السلع والخدمات، فتستمر عجلة الاقتصاد في الدوران. لكن ماذا لو أصبحت الشركات قادرة على الإنتاج بكفاءة أعلى، وبعدد أقل بكثير من العاملين، اعتمادًا على الذكاء الاصطناعي؟
قد يبدو ذلك انتصارًا للتكنولوجيا، لكنه يطرح معضلة اقتصادية معقدة. فإذا فقد ملايين البشر وظائفهم أو تراجعت دخولهم، فمن سيشتري ما تنتجه هذه الشركات؟ فالإنتاج وحده لا يصنع اقتصادًا قويًا، بل يحتاج إلى مستهلك يمتلك القدرة على الشراء. وإذا ضعفت القوة الشرائية، فقد تواجه الأسواق أزمة لا تقل خطورة عن أزمة البطالة نفسها.
لهذا السبب بدأ الحديث يتزايد عن أفكار مثل الدخل الأساسي الشامل (راتب شهري تضمنه الدولة لكل مواطن دون اشتراط العمل)، باعتباره أحد الحلول التي قد تحافظ على استمرار النشاط الاقتصادي، بالإضافة لضمان حد أدني من الاستقرار المجتمعي، إلى جانب مقترحات أخرى مثل فرض ضرائب على الأتمتة وإعادة توزيع جزء من العوائد التي تحققها تقنيات الذكاء الاصطناعي.
لكن التحدي لا يقتصر على الاقتصاد. فالمجتمعات الحديثة ربطت قيمة الإنسان بوظيفته، بينما قد يفرض المستقبل إعادة تعريف النجاح، ليصبح قائمًا على الإبداع، والابتكار، والعمل المجتمعي، لا على المسمى الوظيفي وحده. كما سيصبح لزامًا على أنظمة التعليم أن تُعد أجيالًا قادرة على التفكير والتكيف، بدلًا من إعدادها لوظائف قد لا تكون موجودة بعد عقدين.
وربما لا يعني كل ذلك نهاية حتمية للحقبة الرأسمالية، فقد أثبت التاريخ قدرتها على التكيف مع الأزمات والتحولات الكبرى. لكن من المرجح أنها ستكون مضطرة إلى إعادة صياغة قواعدها بما يتناسب مع عصر الذكاء الاصطناعي.
ويبقى السؤال الأهم: إذا كانت الوظائف ستتراجع، والثروة ستتركز بشكل متزايد في التكنولوجيا، فمن الذي سيملك هذه التكنولوجيا؟ هل ستظل الحكومات صاحبة النفوذ الأكبر، أم أن الشركات المالكة للذكاء الاصطناعي ستصبح أقوى من دول بأكملها؟
هذا ما سنناقشه في المقال الثاني: “من سيحكم العالم عندما يصبح الذكاء الاصطناعي أغنى من الدول؟”.





