
في ظل اتجاه الحكومة لإعادة هيكلة منظومة الدعم والتحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي، تتصاعد التساؤلات بشأن الكيفية التي يمكن بها تنفيذ هذه الخطوة دون الإضرار بملايين الأسر المستفيدة. وفي هذا السياق، يطرح النائب السابق محمد بدراوي رؤية إصلاحية متكاملة تقوم على التدرج والاختيار، معتبرًا أن نجاح المنظومة الجديدة لا يرتبط فقط بتغيير آلية صرف الدعم، وإنما بتوفير ضمانات حقيقية تحافظ على الأمن الغذائي وتمنع أي صدمات معيشية، عبر خارطة طريق تتضمن ثلاث ركائز رئيسية تبدأ بفصل الخبز عن السلع التموينية، وتمر بزيادة القيمة النقدية لمواجهة التضخم، وتنتهي بإعادة النظر في معايير استحقاق الدعم بما يتناسب مع المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية.
وفي تصريحات صحفية خاصة لـ”ليبرالي”، وضع بدراوي “روشتة” متكاملة وخارطة طريق تضمن تطبيق هذا التحول المصيري دون المساس بالأمن الغذائي للملايين. وحذر بدراوي من تبعات التطبيق الإجباري المفاجئ لنظام عاش عليه المصريون لأكثر من نصف قرن، مؤكداً أن نجاح التجربة يرتكز على معادلة ثلاثية الأبعاد: “إتاحة تكنولوجية مرنة، قيمة نقدية استباقية تواجه التضخم، ومراجعة عادلة لشرائح المستحقين”.

فكرة مؤجلة منذ 2016
كشف النائب السابق محمد بدراوي أن فكرة التحول إلى الدعم النقدي ليست وليدة اللحظة، بل جرى نقاشها ودراستها باستفاضة داخل دوائر صنع القرار على مدار السنوات الماضية.
وقال: “هذا الإجراء كان يمثل الخطوة الأخيرة في برنامج الإصلاح الاقتصادي المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي منذ عام 2016. ورغم إدراجه حينها، تقرر تأجيله لنحو 10 سنوات ليمر الإصلاح بمرحلتيه الأولى والثانية أولاً دون تحميل المواطن أعباءً إضافية دفعة واحدة، ونحن الآن نعيش المرحلة الأخيرة من هذا المسار الممتد حتى عام 2030، حيث جرى البدء فعلياً بمرحلة التنقية الأولوية للجداول، والتي أسفرت عن استبعاد قرابة 900 ألف مواطن غير مستحق بناءً على معايير محددة”.
“التحول الاختياري” بدلاً من التطبيق الإجباري
شبه بدراوي حساسية ملف الدعم بملف “الإيجار القديم”، نظراً لتعاقب أجيال كاملة من المصريين على هذا النمط المعيشي لأكثر من 50 أو 60 عاماً. ولتجاوز هذه العقبة النفسية والاجتماعية، يطرح بدراوي بديله العملي حيث أقترح أن يكون التحول من الدعم السلعي إلى النقدي في مرحلته الأولى اختيارياً بالكامل لمدة لا تقل عن عام، وليس إجبارياً.
وأضاف فلسفة التخيير تقم على منح المواطن حرية الاختيار بين البقاء على المنظومة السلعية أو الانتقال للنظام النقدي يزيل حالة القلق والرفض الشعبي. فإذا وجد المواطن أن السلة النقدية تمنحه مرونة حقيقية، سينتقل إليها طواعية وينقل تجربته الإيجابية لغيره، مع الاحتفاظ بحق العودة للنظام القديم خلال فترة تجريبية (من 6 إلى 12 شهراً).
3 ركائز لحماية الأمن الغذائي للمواطن
لضمان ألا يتحول الدعم النقدي إلى عبء جديد، حدد بدراوي ثلاثة شروط أساسية لا تقبل المساومة:
1_ الإتاحة التقنية وضمانات التشغيل “فصل “العيش” عن التموين”
شدد بدراوي على خطورة الأعطال التقنية في منظومة الصرف: “عبارة ‘السيستم عطلان” مقبولة في بعض الخدمات، لكنها مرفوضة تماماً عندما يتعلق الأمر بقوت اليوم ورغيف العيش للمواطن البسيط.”
طالب بدراوي بفصل منظومة “العيش” تماماً عن السلع التموينية خلال المرحلة الأولى “لمدة 3 أشهر على الأقل”، بحيث يُطبق الدعم النقدي على السلع التموينية فقط، بينما يظل رغيف العيش كدعم عيني مباشر بمخبزه وسعره الحالي “20 قرشاً”. هذا الفصل يحمي نحو 40 مليون مواطن يمثل لهم الرغيف المكون الغذائي الأساسي، ويقيهم مخاطر تقلبات السوق الحر أو سقوط الأنظمة الإلكترونية للصرف.
2_ القيمة النقدية الاستباقية في مواجهة غول التضخم
انتقد بدراوي حساب قيمة الدعم النقدي بناءً على الأسعار السائدة وقت إقراره، مطالباً بمرونة مسبقة، ممثلة في زيادة تحوطية” ضاربا المثل “إذا كانت السلة الحالية للأسرة تعادل 1500 جنيه، فيجب صرف 2000 جنيه (بزيادة تحوطية من 25% إلى 30%)؛ وذلك لمواجهة تقلبات الأسعار والتضخم المتوقع في السوق الحرة لضمان عدم تراجع القوة الشرائية للدعم الممنوح.”
3_ مراجعة معايير الاستبعاد وحماية الطبقة المتوسطة
أشار النائب السابق إلى أن موجات التضخم الأخيرة أدت إلى تآكل الطبقة المتوسطة وانزلاق شرائح واسعة منها نحو الطبقة الأكثر احتياجاً، إعادة النظر في شروط الحذف: في ظل تقارير محلية ودولية تشير إلى وقوع ما بين 40% إلى 60% من المواطنين تحت خط الفقر أو حوله، فإن وقف إضافة المواليد الجدد والاستمرار في سياسات الحذف بناءً على معايير قديمة يتنافى مع الواقع الاجتماعي والنمو السكاني “الذي يسجل نحو 2 مليون نسمة سنوياً”، ما يتطلب مراجعة مرنة وديناميكية مستمرة لكافة المعايير لضمان وصول الدعم لمستحقيه الفعليين.





