
بداية الأزمة عقب إعلان فتاة مغربية الوصول إلى سبتة سباحة مما شجع الآلف للتدفق نحو المدينة الساحلية
أعادت التطورات المتسارعة في مدينة سبتة، الواقعة على الساحل الشمالي للمغرب والخاضعة للسيادة الإسبانية، ملف الهجرة غير النظامية إلى صدارة المشهد الإقليمي والدولي، بعدما شهدت المدينة موجة عبور جماعية غير مسبوقة خلال ساعات قليلة، ما أثار تساؤلات حول أسباب ما جرى، وما إذا كانت الأزمة مجرد تدفق للمهاجرين الباحثين عن فرصة للوصول إلى أوروبا، أم أنها تحمل رسائل سياسية مرتبطة بالعلاقات المغربية الإسبانية وإدارة ملف الهجرة بين الرباط ومدريد.

وفي ظل تعدد الروايات والتحليلات، تواصلت “ليبرالي” مع رئيسة تحرير إحدى المواقع المغربية رفضت ذكر اسمها، قدمت قراءة للأحداث من واقع متابعتها، مؤكدة أن ما تطرحه يمثل رأيًا وتحليلاً شخصيًا للأزمة، وليس موقفًا رسميًا.
وقالت الصحفية التي تحفظ على ذكر اسمها، في تصريحات خاصة لـ ب”ليبرالي”، إن فهم ما جرى يبدأ من طبيعة مدينة “سبتة” نفسها، موضحة أن سبتة، إلى جانب مدينة مليلية، تقعان داخل الأراضي المغربية وتخضعان للسيادة الإسبانية منذ قرون، وتمثلان أهم المعابر الحدودية بين المغرب وإسبانيا، كما أنهما من أكثر المناطق حساسية في العلاقات بين البلدين، نظرًا لتمسك إسبانيا بسيادتها عليهما، في مقابل اعتبار المغرب أنهما مدينتنا محتلتان.
وأضافت أن الشرارة الأولى للأزمة جاءت عقب إعلان إسباني، وفق ما هو متداول، يفيد بأن من يتمكن من دخول الأراضي الإسبانية من المغرب بطرق غير نظامية لن تتم إعادته إلى بلده، وإنما سيتم استقباله، وهو ما انتشر بسرعة كبيرة بين الشباب، خاصة في مدن شمال المغرب، التي ترتبط جغرافيًا واجتماعيًا بمدينة سبتة.
وأوضحت لـ”ليبرالي”، أن بداية الأحداث ارتبطت بفتاة تبلغ من العمر 19عامًا تمكنت من الوصول إلى مدينة سبتة سباحة عبر البحر، وهو ما أثار اهتمام عدد كبير من الشباب، لتبدأ بعدها حالة من التوافق الجماعي من مدينة المضيق والمناطق المجاورة باتجاه المعبر الحدودي، اعتقادًا بأن فرصة الوصول إلى الأراضي الإسبانية أصبحت متاحة.
وأكدت أن الساعات التالية شهدت تدفقًا غير مسبوق، حيث احتشد آلاف الشباب والمراهقين عند المعبر، وتمكن كثيرون منهم من العبور، سواء عبر المناطق الحدودية أو عن طريق البحر، الأمر الذي أدى إلى فقدان السيطرة على الوضع من جانب السلطات في المغرب وإسبانيا خلال الساعات الأولى، في ظل الأعداد الكبيرة التي حاولت الوصول إلى المدينة.

وأشارت إلى أن التقديرات المتداولة تحدثت عن عبور أكثر من 40 ألف شخص خلال أقل من 24 ساعة، وهو ما وضع مدينة سبتة أمام أزمة غير مسبوقة، بعدما تجاوز عدد الوافدين القدرة الاستيعابية للمدينة، سواء من حيث مراكز الإيواء أو الإمكانات الأمنية والخدمية.
أضافت أن الأزمة دفعت البلدين إلى التحرك سريعًا، حيث جرى التوصل إلى تفاهم بين الرباط ومدريد يقضي بإعادة الوافدين إلى المغرب في أسرع وقت، بما أسهم في احتواء الموقف واستعادة السيطرة على الحدود بعد ساعات من الفوضى.
وحول القراءة السياسية لما جرى، أكدت الصحفية المغربية أن هناك تفسيرات عديدة تتداولها الأوساط السياسية والإعلامية المغربية، إلا أن التفسير الأكثر انتشارًا، من وجهة نظرها، يتمثل في أن ما حدث كان بمثابة رد غير مباشر من المغرب على الإعلان الإسباني بشأن استقبال المهاجرين وعدم إعادتهم.
وأوضحت أن الفكرة المتداولة في هذا السياق مفادها أنه إذا كانت إسبانيا مستعدة لاستقبال أعداد محدودة من المهاجرين، فإنها وجدت نفسها أمام عشرات الآلاف خلال ساعات، وهو ما كشف محدودية الطاقة الاستيعابية لمدينة سبته، وأجبر الجانبين على التحرك بسرعة لإيجاد مخرج للأزمة.

و أضافت أن هذا التفسير لا يستند إلى إعلان رسمي، وإنما يمثل قراءة سياسية متداولة في وسائل الإعلام وبين عدد من المتابعين، مشددة على ضرورة التمييز بين الوقائع المؤكدة وبين التحليلات السياسية التي تحاول تفسير ما جرى.
وفي تفسيرها لاندفاع الشباب نحو سبتة، أشارت إلى أن غالبية من حاولوا العبور ينحدرون من مدن شمال المغرب، وهي مناطق ارتبطت تاريخيا بالوجود الإسباني، كما أن كثيرًا من العائلات لديها أقارب يقيمون في إسبانيا منذ سنوات، وهو ما جعل فكرة الهجرة والعمل في إسبانيا جزءًا من الواقع الاجتماعي لدى عدد كبير من الشباب، الذين ينظرون إلى الضفة الأخرى باعتبارها توفر فرصا اقتصادية ومعيشية أفضل.
وأضافت أن هذا العامل الاجتماعي، إلى جانب سرعة انتشار الأخبار عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كان له دور كبير في تشجيع أعداد واسعة من الشباب على التوجه نحو الحدود بمجرد تداول أنباء عن إمكانية دخول الأراضي الإسبانية وعدم إعادتهم.

واختتمت الصحفية المغربية تصريحاتها لـ”ليبرالي”، بالتأكيد على أن ما حدث يظل حدثًا استثنائيا سيبقى محل نقاش سياسي خلال الفترة المقبلة، مشيرة إلى أن الأزمة كشفت حجم التعقيدات المرتبطة بملف الهجرة في منطقة غرب البحر المتوسط، و أعادت طرح تساؤلات حول مستقبل التعاون المغربي الإسباني في إدارة الحدود، وكيفية تعامل الاتحاد الأوروبي مع موجات الهجرة القادمة من الضفة الجنوبية للمتوسط.
و أكدت أن ما جرى لا يمكن قراءته من زاوية أمنية أو إنسانية فقط، بل يجب النظر إليه في إطار أوسع يأخذ في الاعتبار التداخل بين التاريخ والجغرافيا والسياسة، لافتة إلى أن مدينة سبتة، رغم صغر مساحتها، لا تزال تمثل إحدى أكثر النقاط حساسية في العلاقات بين المغرب وإسبانيا، وأن أي تطور يحدث فيها ينعكس مباشرة على المشهد الإقليمي، ويثير نقاشًا واسعًا حول قضايا السيادة والهجرة والأمن في منطقة البحر المتوسط.









