الجزائر والإمارات.. من تباين المصالح إلى كسر الشراكة

القطيعة الدبلوماسية تعيد رسم خرائط النفوذ في المغرب العربي والساحل
لم تكن القطعية الدبلوماسية بين الجزائر والإمارات في 10 سبتمبر 2026 مجرد أزمة بين دولتين عربيتين، بقدر ما كشفت عن صدام أعمق بين رؤيتين مختلفتين لطبيعة النظام الإقليمي.
فالجزائر تتحرك من تصور أمني يرتكز على السيادة وعدم التدخل ورفض تغيير موازين القوى الإقليمية عبر تحالفات خارجية، بينما بنت الإمارات خلال العقد الأخير شبكة نفوذ تتجاوز حدود الخليج، وتمتد إلى شمال أفريقيا والبحر الأحمر والقرن الأفريقي والساحل.
وعندما أعلنت الجزائر قطع العلاقات، لم تقدم حادثة واحدة باعتبارها السبب المباشر، وإنما تحدثت عن « أعمال استفزازية وعدائية»، مؤكدة أن الوسائل الدبلوماسية للحفاظ على العلاقات قد استُنفدت، وهذه الصيغة مهمة سياسيًا؛ لأنها تشير إلى أن القرار جاء في نهاية مسار طويل من التوتر، وليس نتيجة أزمة طارئة منفردة.
أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة مصالح
المشكلة الأساسية بين الجزائر وأبوظبي تبدو في تراجع الثقة السياسية، فالدول تستطيع إدارة الاختلاف في ملفات مثل التجارة والاستثمار أو حتى بعض القضايا الخارجية طالما ظلت هناك قناعة بأن الطرف الآخر لا يستهدف المصالح الحيوية للدولة، لكن عندما يبدأ أحد الطرفين في النظر إلى تحركات الآخر باعتبارها تهديدًا لتوازناته الأمنية أو السياسية، تتحول الخلافات من ملفات قابلة للتفاوض إلى صراع على النفوذ.
وهذا تحديًا ما يجعل التطورات السابقة للقطيعة مهمة، فقد بدأت الجزائر في فبراير 2026 إجراءات مرتبطة بإنهاء اتفاق خدمات عكست تراجع مستوى التعاون الثنائي قبل أشهر من إعلان القطعية، ومن هنا يمكن قراءة الأزمة باعتبارها عملية تفكيك تدريجي لعلاقة كانت تتآكل سياسيًا قبل أن تنقطع دبلوماسيًا.
المغرب في قلب الحسابات الجزائرية
يصعب فهم الأزمة الجزائرية الإماراتية دون وضع الصحراء الغربية في مركز التحليل.
بالنسبة للجزائر، ليست الصحراء الغربية مجرد قضية حدودية أو نزاع مغاربي، وإنما جزء من تصورها للأمن الإقليمي وموازين القوى في المغرب العربي، ولذلك تنظر الجزائر بحساسية شديدة إلى أي قوة خارجية تقدم دعمًا سياسيًا أو دبلوماسيًا للمغرب في هذا الملف.
في المقابل، عززت الإمارات علاقاتها مع المغرب واتخذت موقفًا داعمًا الموقف المغربي بشأن الصحراء الغربية، وهو ما وضعها بصورة متزايدة في الجانب المقابل للرؤية الجزائرية، لكن الأهم أن القضية لا تتعلق بالصحراء وحدها؛ فهي بالنسبة للجزائر مؤشر على اتجاه أوسع لإعادة تشكيل التوازن المغاربي.
فإذا شعرت الجزائر بأن المغرب يحصل على دعم متزايد من قوى عربية وخليجية ودولية، فإنها لن تتعامل مع ذلك باعتباره تطورًا دبلوماسيًا منفصلاً، بل باعتباره تغييرًا في البيئة الاستراتيجية المحيطة بها.
الإمارات وسياسة النفوذ المتعدد المجالات
خلال السنوات الماضية، انتقلت الإمارات من نموذج الدولة الخليجية ذات النفوذ الاقتصادي إلى لاعب إقليمي يمتلك أدوات متعددة:” الاستثمار، الموانئ، العلاقات السياسية الشراكات الأمنية، والدبلوماسية النشطة،وهذا التوسع لم يكن محصورًا في الشرق الأوسط، بل امتد إلى أفريقيا، وهنا نشأ التعارض مع الجزائر.
فالجزائر تمتلك تصورًا تقليديًا نسبيًا لنطاقها الأمني، خصوصًا في الساحل وشمال أفريقيا، أم الإمارات فتتحرك وفق تصور أكثر مرونة للنفوذ، يسمح لها ببناء شراكات في مناطق بعيدة عن مجالها الجغرافي المباشر، والنتيجة أن البلدين أصبحا بتحركان في المساحات الجيوسياسية نفسها ولكن بأهداف مختلفة.
الساحل نقطة الاصطدام الأخطر
الساحل يمثل أحد أهم مفاتيح فهم الأزمة.
فالجزائر دولة ذات حدود واسعة مع منطقة الساحل، وترى أن عدم الاستقرار في مالي والنيجر وليبيا وغيرها يمكن أن يتحول مباشرة إلى تهديد أمني لها، لذلك فإن أي توسع لنفوذ قوة إقليمية أخرى في هذه المنطقة لا يمكن أن يكون بالنسبة للجزائر مجرد نشاط دبلوماسي أو اقتصادى.
وفي المقابل، أصبحت الإمارات أكثر حضورًا في الملفات الأفريقية، مستفيدة من قوتها الاقتصادية وشبكة علاقاتها الإقليمية، وهنا يظهر التناقض أبو ظبي تنظر إلى أفريقيا باعتبارها مجالاً واسعًا للنفوذ والشراكات، بينما تنظر الجزائر إلى أجزاء كبيرة من أفريقيا القريبة منها باعتبارها امتدادًا لأمنها القومي، هذا الاختلاف في تعريف المجال الحيوي يفسر لماذا أصبحت ملفات أفريقية بعيدة نسبيًا عن العلاقات الثنائية جزءًا من التوتر الجزائري الإماراتي.
السودان وليبيا.. تنافس غير مباشر
لا يمكن أيضًا تجاهل ليبيا والسودان، فالبلدان يمثلان عقدتين استراتيجيتين تربطان شمال أفريقيا بالساحل والبحر الأحمر. وأي اختلاف بين الجزائر والإمارات في مقاربة الأزمات داخل هذه الدول يمكن أن يتحول إلى تنافس غير مباشر، لكن هنا يجب التمييز بين الخلفية السياسية والتحليل وبين السبب الرسمي للقطيعة.
لا توجد حتى الآن معلومات رسمية جزائرية تقول إن السودان أو ليبيا كانا السبب المباشر لقطع العلاقات، لذلك فإن الأدق هو اعتبارهما جزءًا من بيئة التنافس الإقليمي التي راكمت الخلافات لا باعتبارهما سببًا معلنًا للقرار.
إسرائيل .. اختلاف في تعريف التحالفات
يمثل الموقف من إسرائيل طبقة أخرى من الخلاف.
فالجزائر ترفض التطبيع مع إسرائيل وتضع القضية الفلسطينية في صلب خطابها الخارجي، بينما أقامت الإمارات علاقات دبلوماسية مع إسرائيل في 2020 ضمن اتفاقات أبراهام، لكن من الخطأ اعتبار هذا الملف وحده تفسيرًا للقطيعة.
الأهم أنه يكشف اختلافًا أعمق:” الجزائر تنطلق من منظومة سياسية ترى إسرائيل عنصرًا رئيسيًا في احتلال الأمن الإقليمي، بينما تبنت الإمارات سياسة تقوم على بناء شراكات جديدة مع إسرائيل والولايات المتحدة إلى جانب علاقاتها العربية.
وبالتالي فإن الخلاف هنا ليس فقط حول التطبيق، بل حول شكل النظام الإقليمي الذي تريد كل دولة أن تكون جزءًا منه.
لماذا اختارت الجزائر القطيعة؟
القرار يحمل رسالة تتجاوز الإمارات نفسها، عندما تختار دولة قطع العلاقات بدلاً من استدعاء السفير أو تخفيض التمثيل الدبلوماسي، فهي تقول إن الأزمة وصلت إلى مستوى ترى معه أن ادارة الخلاف لم تعد تحقق مصالحها.
وقد يكون القرار الجزائري محاولة لإعادة رسم خطوط حمراء واضحة أمام القوى الإقليمية التي تتحرك في محيط الجزائر، بمعني آخر القطيعة يمكن قراءتها باعتبارها أداة ردع سياسية بقدر ما هي إجراء دبلوماسي، فالرسالة ليست فقط « نحن مختلفون مع الإمارات » وإنما « هناك حدود لما تعتبره الجزائر مقبولاً في محيطها الاستراتيجي ».
لكن هل تستطيع الجزائر احتواء التداعيات؟
هنا تظهر المعضلة، الإمارات ليست دولة هامشية في النظام الإقليمي، وتمتلك علاقات قوية مع المغرب ودول أفريقية وعربية وغربية، لذلك فإن القطعية قد تدفع الجزائر إلى إعادة تقييم شبكة علاقاتها في أفريقيا والعالم العربي، خصوصًا إذا تحولت الأزمة إلى اصطفاف إقليمي أوسع.
وقد تحاول الجزائر في المقابل تعزيز علاقاتها مع دول ترى أنها تشترك معها في مفهوم أكثر تحفظًا تجاه التدخلات الخارجية، إضافة إلى تنشيط حضورها في أفريقيا والساحل.
لكن هذا المسار لن يكون سهلًا؛ لأن أفريقيا نفسها أصبحت ساحة تنافس بين قوى متعددة، من دول الخليج إلى تركيا والصين وروسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
التداعيات على المغرب العربي
أخطر ما في الأزمة أنها تأتي في بيئة مغاربية شديدة الاستقطاب أصلاً.
فالعلاقات الجزائرية المغربية تعاني منذ سنوات من توتر عميق، وملف الصحراء الغربية يمثل مركز هذا الصراع.
وبالتالي فإن دخول الإمارات بصورة أوضح إلى جانب المغرب في عدد من الملفات يزيد من إحساس الجزائر بأنها تواجه بيئة إقيمية أكثر تعقيدًا.
ومن المتوقع أن تصبح الدبلوماسية الجزائرية أكثر تركيزًا على منع تحول الدعم العربي والدولي للمغرب إلى واقع استراتيجي دائم، وهذا قد يؤدي إلى مزيد من التنافس الدبلوماسي الجزائري المغربي داخل أفريقيا.
أفريقيا هي الساحة التالية
المعني الأوسع القطيعة أن أفريقيا لم تعد مجرد مجال للتعاون العربي، بل أصبحت ساحة تنافس على النفوذ بين القوى الإقليمية.
الجزائر تمتلك رصيدًا تاريخيًا في أفريقيا وحضورًا دبلوماسيًا قويًا، خصوصًا في قضايا التحرر وحل النزاعات، والإمارات تمتلك أدوات مختلفة تقوم بدرجة أكبر على الاستثمار والشراكات الاقتصادية والموانئ والعلاقات السياسية.






