عربي ودولي

موانئ البحر الأحمر.. خريطة نفوذ تتغير بين دول المنطقة

«عصب» في قلب المعادلة.. وإثيوبيا تبحث عن منفذ بحري وسط تصاعد التنافس الإقليمي

يشهد البحر الأحمر والقرن الأفريقي إعادة تشكيل متسارعة لمعادلات النفوذ، في ظل تزايد أهمية الموانئ والممرات البحرية باعتبارها أدوات رئيسية لبناء شبكات الاستثمار واللوجستيات وتعزيز الحضور السياسي والأمني في المنطقة.

وتبرز في قلب هذه المعادلة إثيوبيا، التي تسعى، بحكم كونها دولة حبيسة، إلى تأمين وصول مستقر إلى البحر الأحمر، وإريتريا التي تتبنى موقفًا شديد الحساسية تجاه أي ترتيبات قد تؤدي إلى توسيع نفوذ قوى إقليمية داخل مجالها البحري، إلى جانب الإمارات التي عززت خلال السنوات الماضية حضورها الاقتصادي واللوجستي في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

وتأتي مدينة عصب الإريترية في مقدمة نقاط التنافس، بالنظر إلى موقعها الاستراتيجي بالقرب من باب المندب، وما ارتبط بها خلال السنوات الماضية من نشاط إماراتي عسكري ولوجستي.

وفي سبتمبر 2026، أعادت التطورات الأمنية حول باب المندب التأكيد على القيمة الاستراتيجية للممر البحري، في وقت لا تزال فيه اضطرابات الملاحة قادرة على التأثير في حركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس.

ولا تدور المنافسة الراهنة حول الموانئ باعتبارها منشآت تجارية فقط، وإنما حول قدرتها على إنتاج نفوذ سياسي وأمني طويل الأمد.

موانئ البحر الأحمر.. من التجارة إلى النفوذ

لم تعد الموانئ الواقعة على البحر الأحمر والقرن الأفريقي مجرد بنية تحتية لخدمة حركة التجارة الدولية، بل تحولت تدريجيًا إلى عناصر مؤثرة في حسابات الأمن الإقليمي وإدارة النفوذ.

وتقدم التجربة الإماراتية نموذجًا واضحًا لتداخل الاستثمار في البنية التحتية البحرية مع أدوات السياسة الخارجية، إذ عززت الشركات الإماراتية العاملة في قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية حضورها في عدد من المناطق الاستراتيجية في البحر الأحمر وشرق أفريقيا.

ولا يعني ذلك أن كل استثمار إماراتي في ميناء يحمل تلقائيًا طابعًا عسكريًا أو أمنيًا، إلا أن البيئة الجيوسياسية للبحر الأحمر تجعل البعد الاقتصادي مرتبطًا، في كثير من الحالات، باعتبارات أوسع تتعلق بالموقع الاستراتيجي وأمن الملاحة وشبكات الإمداد.

وفي هذا السياق، اكتسبت تصريحات وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، التي وصف فيها التحرك الإماراتي في أفريقيا بأنه «إمبريالية الموانئ»، أهمية سياسية، بوصفها تعبيرًا عن رؤية أسمرة للتحولات الجارية في محيطها البحري.

ومن ثم، فإن قراءة الدور الإماراتي في البحر الأحمر تتطلب النظر إلى الاستثمار الاقتصادي والحضور الأمني باعتبارهما مسارين قد يتقاطعان في بيئة جيوسياسية شديدة الحساسية.

عصب.. اختبار للسيادة الإريترية

تمثل عصب نقطة مركزية في الحسابات الإريترية والإقليمية، بسبب موقعها بالقرب من باب المندب، الذي يفصل بين البحر الأحمر وخليج عدن ويشكل بوابة رئيسية لحركة التجارة والطاقة الدولية.

وقد اكتسبت المدينة أهمية إضافية بعد استخدام الإمارات منشآتها خلال الحرب في اليمن، ووفق تقارير الأمم المتحدة، شهدت القاعدة الإماراتية في عصب توسعًا واضحًا، مع إنشاء منشآت مينائية وعسكرية واستضافة معدات وطائرات وسفن إماراتية.

وتكمن أهمية عصب في تحولها من مجرد ميناء إريتري إلى موقع استراتيجي يتداخل فيه الاقتصادي بالأمني، وهو ما يجعل أي وجود أجنبي طويل الأمد داخلها مسألة مرتبطة مباشرة بمفهوم السيادة بالنسبة إلى أسمرة.

وتسعى إريتريا، في هذا السياق، إلى ضبط شروط الشراكات الخارجية بما يحول دون تحول التعاون الاقتصادي أو الأمني إلى نفوذ دائم قادر على التأثير في خيارات الدولة.

إثيوبيا.. معضلة الدولة الحبيسة

منذ استقلال إريتريا عام 1993، أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة، ما جعل تأمين الوصول إلى البحر قضية تتجاوز الاعتبارات الاقتصادية لتلامس الأمن القومي والتجارة والسياسة الخارجية.

وقد أصبحت مسألة الوصول إلى البحر الأحمر أكثر حضورًا في الخطاب الإثيوبي خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تدهور العلاقات مع إريتريا مجددًا.

وفي فبراير 2026، اتهمت أديس أبابا إريتريا بالعدوان العسكري ودعم جماعات مسلحة داخل الأراضي الإثيوبية، بينما أبدت في الوقت نفسه استعدادها للتفاوض بشأن المصالح المشتركة، بما في ذلك الوصول إلى البحر عبر ميناء عصب.

ونفت أسمرة الاتهامات الإثيوبية، ووصفتها بأنها ملفقة، وتكشف هذه التطورات عن مفارقة أساسية؛ فإثيوبيا تحتاج إلى ترتيبات بحرية مستقرة، لكنها تتحرك في بيئة سياسية وأمنية متوترة مع الدولة التي تملك الساحل الأقرب والأكثر أهمية بالنسبة إلى مصالحها.

وبالتالي، فإن أي صيغة مستقبلية للوصول الإثيوبي إلى البحر ستحتاج إلى تحقيق توازن بين الحاجة الاقتصادية والأمنية الإثيوبية والسيادة الإريترية.

الشراكة الإماراتية ـ الإثيوبية عامل إضافي في الحسابات الإريترية، حيث  تصف أبو ظبي وأديس أبابا علاقاتهما بأنها شراكة استراتيجية شاملة.

وفي يناير 2026، أكد البلدان رسميًا عمق شراكتهما والتزامهما بالتعاون في مجالات السلام والأمن وحماية المصالح الاقتصادية، وهو ما يعكس مستوى متقدمًا من التقارب السياسي بين الطرفين.

ولا يعني هذا الإعلان أن الإمارات وإثيوبيا تتبنيان بالضرورة رؤية موحدة بشأن مستقبل البحر الأحمر، لكنه يضيف عاملًا جديدًا إلى حسابات أسمرة.

فالجمع بين الوزن الإثيوبي والقدرات الإماراتية في الاستثمار واللوجستيات يمكن أن يؤثر في توازنات النفوذ بالمنطقة، وهو ما يدفع إريتريا إلى التعامل مع هذه الشراكة باعتبارها جزءًا من بيئة أمنية أوسع.

إسرائيل.. مصالح متقاطعة أم استراتيجية مشتركة؟

تربط الرواية الإريترية بين التحركات الإماراتية والإسرائيلية في القرن الأفريقي، خصوصًا في سياق أرض الصومال وإثيوبيا، غير أن التعامل البحثي مع هذه المسألة يقتضي الفصل بين وجود مصالح متقاطعة وبين إثبات وجود استراتيجية مشتركة ومتكاملة.

فإسرائيل لديها مصالح مباشرة في أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة، بينما تمتلك الإمارات حضورًا اقتصاديًا ولوجستيًا واسعًا في المنطقة، في حين تبحث إثيوبيا عن صيغة مستدامة للوصول إلى البحر.

وقد تتقاطع هذه المصالح في ملفات محددة دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود تحالف موحد يستهدف إريتريا، وعليه فإن الأهم هو دراسة آليات التقاطع بين المصالح بدلًا من تبني فرضية وجود محور مغلق بين هذه الأطراف.

السودان.. الامتداد الغربي للتنافس

يزيد السودان من تعقيد المعادلة الإقليمية، فالساحل السوداني يمثل حلقة أساسية في منظومة البحر الأحمر، بينما أدت الحرب الداخلية المستمرة منذ عام 2023 إلى دخول قوى إقليمية ودولية في شبكة متشابكة من المصالح والتدخلات.

وأصبحت المنافسة السعودية ـ الإماراتية أحد عناصر المشهد الإقليمي في القرن الأفريقي، إلى جانب أدوار مصر وتركيا وقطر وغيرها، مع امتداد التنافس إلى ملفات السودان والصومال وإثيوبيا وإريتريا.

ومن ثم، فإن التحولات في السودان لا يمكن فصلها عن مستقبل التنافس على الموانئ، في ظل ارتباط طرق التجارة والطاقة بالممرات البرية والبحرية وموازين القوى السياسية والأمنية.

مصر.. أمن قناة السويس وتوازن البحر الأحمر

تحتل مصر موقعًا مختلفًا في هذه المعادلة بسبب ارتباط البحر الأحمر مباشرة بأمن قناة السويس، التي تمثل أحد أهم ممرات التجارة العالمية.

وتتمثل المصلحة المصرية الأساسية في الحفاظ على حرية الملاحة، ومنع ظهور ترتيبات إقليمية تسمح لقوة واحدة باحتكار النفوذ في الممر البحري، إلى جانب دعم استقرار الدول المطلة على البحر الأحمر.

كما تكتسب العلاقات المصرية ـ الإريترية أهمية إضافية في ضوء التطورات المرتبطة بإثيوبيا والبحر الأحمر، خصوصًا مع تزايد أهمية أمن باب المندب وتأثيراته المباشرة على الملاحة المتجهة إلى قناة السويس.

وتبدو السياسة المصرية الأكثر فاعلية في دعم توازن إقليمي متعدد الأطراف يحافظ على سيادة الدول الساحلية، ويضمن حرية الملاحة، ويحد من عسكرة الموانئ والممرات البحرية.

السيناريوهات المستقبلية

1. التسوية التفاوضية

قد تتجه إثيوبيا وإريتريا إلى صيغة تسمح لأديس أبابا بالوصول إلى البحر من خلال ترتيبات تجارية وقانونية محددة، مع الحفاظ على السيادة الإريترية.

ويمثل هذا السيناريو أقل الخيارات تكلفة بالنسبة إلى الطرفين، كما يمكن أن يفتح المجال أمام تحويل البحر الأحمر من ساحة للتنافس إلى مجال للتعاون الاقتصادي.

2. المنافسة الممتدة

قد يستمر الوضع الحالي دون حرب مباشرة، بحيث تواصل إثيوبيا البحث عن بدائل للوصول البحري، بينما تعزز إريتريا شراكاتها، وتوسع الإمارات حضورها الاقتصادي واللوجستي، في الوقت الذي تزداد فيه أهمية التحالفات الإقليمية.

ويبدو هذا السيناريو الأكثر قابلية للاستمرار إذا ظلت الأطراف قادرة على إدارة التوتر دون الانتقال إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

3. التصعيد الإقليمي

يتمثل السيناريو الأكثر خطورة في تحول ملف الوصول إلى البحر الأحمر لأزمة عسكرية أو أمنية بين إثيوبيا وإريتريا، خاصة إذا تزامن ذلك مع أزمات السودان والصومال وتصاعد التنافس الخليجي.

وفي هذه الحالة، لن تبقى عصب مجرد قضية ثنائية بين إثيوبيا وإريتريا، بل قد تصبح نقطة ارتكاز لصراع أوسع على شكل النظام الإقليمي للبحر الأحمر والقرن الأفريقي.

المعادلة الجديدة في البحر الأحمر لا تبدو مرشحة للحسم عبر طرف واحد، بقدر ما تتجه نحو مرحلة من إعادة توزيع النفوذ، تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات الأمنية والسياسية.

ويظل ملف الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر أحد أكثر الملفات قابلية لإعادة تشكيل هذه التوازنات، خصوصًا إذا استمر التوتر مع إريتريا وتزامن مع اتساع حضور القوى الإقليمية في الموانئ والممرات البحرية.

وفي هذا السياق، تبدو قدرة دول المنطقة على إدارة التنافس ووضع ترتيبات واضحة لاستخدام الموانئ أكثر أهمية من مسألة السيطرة عليها، إذ إن تحويلها إلى ساحات نفوذ متنافسة قد يزيد من هشاشة الإقليم، بينما يمكن أن يجعلها إطارًا للتعاون والاستقرار إذا ارتبطت المصالح الاقتصادية باحترام السيادة وحرية الملاحة.

وبالتالي، فإن السؤال الأهم خلال المرحلة المقبلة لن يكون: من يسيطر على موانئ البحر الأحمر؟ وإنما: كيف ستتم إدارة النفوذ المتزايد حولها دون أن يتحول التنافس الاقتصادي إلى صراع أمني مفتوح؟

زر الذهاب إلى الأعلى