التكنولوجيا تسحب والسيستم يُغرم.. هل يبتلع “الخصم المباشر” المخابز الصغرى؟

مع كل خطوة نحو التحول الرقمي وتحديث الآليات المالية، تبرز تحديات جديدة تتطلب توازنًا دقيقًا بين التطبيق وواقع القطاعات الحيوية، ويأتي قرار تطبيق نظام الخصم المباشر على المخابز والمقرر انطلاقه في الأول من أغسطس، ليضع المخابز في مواجهة صريحة بين أهداف التنظيم والمخاوف من تطبيق المنظومة.

والمواجهة لم ولن تخلو من الخوف، وفي مقدمة التخوفات، يُطرح سؤال جوهري،:”هل استعدت المخابز لهذه القفزة التنظيمية، أم أن المخاوف ستتحول إلى واقع يُربك المنظومة؟”، لاسيما مع حالة الترقب والحذر الشديدين بين أصحاب المخابز.

وتعتمد منظومة الخصم المباشر على ربط عمليات صرف الخبز داخل المخابز البلدية إلكترونيًا بشكل لحظي مع قواعد بيانات الوزارة، وبمجرد إدخال المواطن بطاقته التموينية في ماكينة صرف الخبز، يُخصم عدد الأرغفة المستحقة فورًا من البطاقة، مع تسجيل العملية إلكترونيًا في نفس اللحظة بحسابات هيئة السلع التموينية، بما يضمن متابعة عمليات الصرف بدقة ويحد من أي عمليات تلاعب أو صرف وهمي.

مشكلتنا في التكنولوجيا اللي بتطبق القرار

أصحاب المخابز محل تطبيق المنظومة، أعربوا عن تخوفهم كل منهم على حسب درجة تخوفه من ما هو قادم، ويوضح جمال سيد، صاحب مخبز بلدي في حي المطرية، إن المشكلة تكمن في تطبيق التكنولوجيا مع قرار الخصم المباشر، قائلًا: “مشكلتنا الرئيسية مش في القرار نفسه، مشكلتنا في التكنولوجيا اللي بتطبق القرار، لآن ماكينات الصرف والسيستم بيحصل فيها أعطال يومية والشبكة بتقطع”.

وواصل سيد في حديثه لـ”ليبرالي”، بأن الخصم المباشر “بيحصل في ثواني، ولو اتخصم مني مبلغ بالخطأ بسبب عطل فني، الدورة المستندية عشان أسترد الفلوس دي بتاخد شهور”.

لم تنتهي معاناة سيد، بل استكمل:” لو النور قطع فجأة والعجين باظ، أنا كصاحب مخبز بشيل الخسارة دي من جيبي، والخصم المباشر ميعرفش الكلام ده، هو شايف حصة دقيق وعدد أرغفة مبيعات ومحسوبة بالقرش، وسحب الفلوس أوتوماتيكيًا بيلغي أي مساحة لتقييم الظروف القاهرة اللي بنمر بيها”، متسائلًا:”مين هيتحمل الخسارة والتعطيل ده؟”.

الخصم المباشر يُمثل ضغط مالي على المخابز الصغرى

التخوف مستمر من تطبيق منظومة الخصم المباشر، ويضيف مصطفى العجمي، مدير مخبز في العبور، أنه يوجد عدم تكافؤ في تطبيق المنظومة، قائلًا:” لما تكون الوزارة أو البنك ليهم فلوس تُخصم  فورًا وبشكل مباشر، لكن لما يكون للمخبز مستحقات أو فرق تكلفة إنتاج أو فروق أسعار، بناخد وقت طويل عشان نتحصل عليها”.

وتابع العجمي في حديثه لـ”ليبرالي”، أن الخصم المباشر يُمثل ضغط مالي على المخابز الصغرى، ويدفع بعضها للإغلاق أو تقليل ساعات العمل لعدم القدرة على التكيف مع رأس المال العامل.

كما واصل العجمي، قائلًا:” ماكينة صرف العيش بتهنج والعميل يضرب البطاقة مرتين أو يظهر إن العيش اتصرف وهو متصرفش بسبب ضعف الشبكة، وفي النظام الجديد والخصم المباشر بياخد النسبة أو القيمة بناءً على القراءة اللحظية للماكينة، وعقبال ما التموين أو الشركة المنفذة تراجع الماكينة وتكتشف إن المبيعات دي كانت عطل شبكة’، بيكون المبلغ اتسحب من حسابي خلاص”.

صرف الخبز المدعم بـ 20 قرشًا للرغيف

وعلى الصعيد الرسمي، قال الدكتور شريف فاروق، وزير التموين والتجارة الداخلية، إن منظومة الخصم المباشر، تُمثل تطويرًا تنظيميًا ومحاسبيًا يستهدف إحكام دورة العمل بين أطراف منظومة إنتاج وتداول الخبز المدعم، وتعزيز الحوكمة والشفافية، وتسريع إجراءات التسويات المالية، بما يرفع كفاءة الأداء ويحسن إدارة المنظومة، بخلاف تطوير دورة العمل ورفع كفاءة الإدارة والرقابة باستخدام أحدث النظم الإلكترونية.

وشدد وزير التموين على أن تطبيق المنظومة لن يؤثر على حق المواطن في الحصول على الخبز المدعم، ولن يترتب عليه أي تغيير في سعر الرغيف أو آليات صرفه، ولا ترتبط بتطبيق منظومة الدعم النقدي أو أي تغييرات في قيمة الدعم المقدم للمواطنين،.

وأكد فاروق على أن المواطن لن يشعر بأي تغيير بعد بدء تطبيق الخصم المباشر، إذ سيستمر صرف الخبز المدعم بنفس الحصة المقررة وبسعر 20 قرشًا للرغيف، بينما تقتصر التغييرات على دورة العمل والمحاسبة بين الجهات المشاركة في إنتاج وتوزيع الخبز.

إنتاج 270 مليون رغيف يوميًا

ويستفيد من منظومة الخبز المدعم قرابة الـ 66 مليون مواطن، وإنتاج ما بين 250 إلى 270 مليون رغيف يوميًا، وخصصت الدولة 175 مليار جنيه لدعم الخبز والسلع التموينية خلال العام المالي 2026/2027، مقارنة بـ 160 مليار جنيه في العام السابق.

وفي السياق ذاته، قال خالد فكري، رئيس شعبة المخابز بالقاهرة، إن نظام الخصم المباشر الذي تعتزم وزارة التموين تطبيقه لا يمس المواطن المستفيد من منظومة الخبز المدعم، وإنما يقتصر على تنظيم الدورة المالية بين أصحاب المخابز والمطاحن والهيئة العامة للسلع التموينية، مؤكدًا أن سعر رغيف الخبز ووزنه وحصة المواطن اليومية ستظل كما هي دون أي تغيير.

وأضاف فكري في تصريحه لـ”ليبرالي”، أن النظام الجديد يستهدف إحكام الرقابة على حركة الأموال داخل منظومة الخبز، حيث ستتم جميع التسويات المالية بصورة مباشرة ومنظمة، بما يضمن سرعة المحاسبة ورفع كفاءة إدارة الدعم، دون أن ينعكس ذلك على الخدمة المقدمة للمواطن أو يسبب أي ارتباك في صرف الخبز المدعم.

صاحب المخبز سيحصل على مستحقاته عبر حسابه البنكي

وأوضح رئيس شعبة المخابز بالقاهرة، أن صاحب المخبز سيحصل على مستحقاته عبر حسابه البنكي، ثم يسدد قيمة الدقيق للمطحن وفق آلية الخصم المباشر، بينما تستكمل المطاحن بدورها دورة السداد مع الهيئة العامة للسلع التموينية، مشيرًا إلى أن المنظومة الجديدة تحقق شفافية أكبر في حركة الأموال وتحد من أي أخطاء في عمليات التسوية المالية.

وأكد فكري، على أن جميع المخابز مستمرة في إنتاج وصرف الخبز للمواطنين بصورة طبيعية، وأن الأول من أغسطس لن يشهد أي تغيير بالنسبة للمواطن، سواء في سعر الرغيف البالغ 20 قرشًا أو وزنه البالغ 90 جرامًا، لأن التغيير يخص فقط آلية المحاسبة بين أطراف المنظومة.

ويُقدر عدد المخابز البلدية في مصر بـ 32 ألف مخبز، من بينها نحو 6 آلاف مخبز متوقف عن العمل.

وفيما يخص تخوف أصحاب المخابز من تطبيق المنظومة، عقب رئيس شعبة المخابز بالقاهرة، بأن أصحاب المخابز لا يرفضون مبدأ تطبيق الخصم المباشر، لكنهم طالبوا بمنحهم مهلة كافية لاستكمال التجهيزات الفنية والتدريب على آليات التطبيق الجديدة، وهو ما استجابت له وزارة التموين بتأجيل التنفيذ لمدة شهر ليبدأ التنفيذ اعتبارًا من الأول من أغسطس بدلًا من الأول من يوليو، بما يضمن انطلاق المنظومة دون حدوث أي ارتباك يؤثر على إنتاج الخبز أو انتظام صرفه للمواطنين.

نجاح المنظومة يحتاج سيولة مالية كافية لدى أصحاب المخابز

وأشار فكري إلى أن نجاح المنظومة الجديدة يتطلب توافر سيولة مالية كافية لدى أصحاب المخابز، إلى جانب انتظام عمليات التسوية المالية من جانب الجهات المختصة، حتى لا تتحمل المخابز أعباء إضافية تؤثر على استمرار الإنتاج، مؤكدًا أن التنسيق المستمر بين وزارة التموين والشعبة العامة للمخابز كفيل بتجاوز أي تحديات خلال الفترة الأولى من التطبيق.

بدوره، قال عبد الله غراب، رئيس الشعبة العامة للمخابز، إن تطبيق نظام الخصم المباشر داخل منظومة الخبز المدعم لن يؤثر على المواطنين، ويمثل إجراءً تنظيميًا يخص آليات العمل داخل المنظومة، ولا يترتب عليه أي تغيير بالنسبة للمواطن في الحصول على الخبز المدعم.

وأضاف غراب، أن المرحلة المقبلة ستشهد التحول التدريجي إلى منظومة الدعم النقدي، موضحًا أن المطاحن ستتولى شراء القمح وطحنه، ثم توريد الدقيق إلى المخابز التي تقوم بإنتاج الخبز وصرفه للمواطنين وفقًا للمنظومة الجديدة.

تكثيف الزيارات الميدانية لمتابعة الالتزام بالأوزان وجودة الإنتاج

وأفاد رئيس الشعبة العامة للمخابز، بأن المخابز البلدية تعمل حاليًا في ظل منافسة مع المخابز السياحية، وهو ما يسهم في تحسين جودة المنتج، مؤكدًا استمرار إنتاج رغيف الخبز المدعم بوزن 90 جرامًا وسعر 20 قرشًا دون تغيير.

وشدد غراب على أن الفترة المقبلة، ستشهد تكثيف الزيارات الميدانية للمخابز لمتابعة الالتزام بالأوزان المقررة وجودة الإنتاج والأسعار، بما يضمن تقديم خدمة أفضل للمواطنين والحفاظ على استقرار منظومة الخبز المدعم.