عربي ودولي

من هرمز إلى باب المندب.. كيف تعيد مصر والسعودية تعريف الأمن الإقليمي؟

لم تكن لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان  في القاهرة، اليوم 15 سبتمبر 2026، مجرد محطة جديدة في مسار العلاقات الاستراتيجية بين البلدين.

 

بل جاءت في لحظة إقليمية شديدة الحساسية جعلت من الجغرافيا البحرية عنوانًا رئيسيًا للأمن والسياسة والاقتصاد في المنطقة.

فلقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وضع أمن الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر في قلب المباحثات، بالتوازي مع تأكيد مصري واضح بأن أمن المملكة ودول الخليج يمثل جزءًا من الأمن القومي المصري.

وتكمن أهمية هذا الموقف في أن القاهرة والرياض لا تتعاملان مع الممرات البحرية باعتبارها طرقًا تجارية منفصلة، وإنما باعتبارها حلقات مترابطة داخل معادلة أمن إقليمي واحدة؛ فهرمز يمثل بوابة رئيسية لحركة الطاقة من الخليج، وباب المندب يمثل المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، بينما تقع قناة السويس في الطرف الشمالي لهذه المنظومة، وأي اضطراب ممتد في إحدى هذه النقاط يمكن أن يتحول سريعًا إلى أزمة في النقاط الأخرى.

من هنا، فإن ما جرى في القاهرة اليوم يكشف عن تطور في مفهوم الشراكة المصرية السعودية، لم يعد التنسيق بين البلدين محصورًا في إدارة الأزمات، وإنما يتجه بصورة متزايدة إلى حماية المجال الاستراتيجي الذي تتقاطع داخله مصالحهما الوطنية.

أمن الملاحة.. عنوان أمني يخفي بأبعاد اقتصادية متصاعدة

تأكيد السيسي ومحمد بن سلمان على ضمان حرية وأمن الملاحة في هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، يحمل دلالة تتجاوز الجانب العسكري المباشر، فالممرات البحرية أصبحت خلال السنوات الأخيرة جزءًا من معادلة القوة الاقتصادية، وأصبح تهديدها قادرًا على التأثير في أسعار الطاقة، وتكاليف التأمين والنقل، وسلاسل الإمداد ومواقع الموانئ، وحتى قدرة الدول على تنفيذ خططها التنموية، وهنا تلتقي الحسابات المصرية والسعودية بصورة شبه مباشرة.

فمصر ترتبط بالبحر الأحمر عبر قناة السويس، التي تمثل أحد أهم مصادر القوة الجيو اقتصادية للدولة المصرية، بينما ترتبط السعودية بالبحر الأحمر من خلال ساحلها الغربي وموانئها ومشروعاتها الاقتصادية والسياحية الكبرى.

وبالتالي، فإن اضطراب الملاحة لا يعني فقط تهديد السفن، وإنما يهدد البيئة التي تتحرك فيها الاستثمارات والموانئ والطاقة والسياحة والخدمات اللوجستية، وهذه النقطة تفسر لماذا أصبح الأمن البحري جزءًا من الشراكة الاقتصادية المصرية السعودية نفسها، فكلما اتسعت المصالح الاقتصادية المشتركة، ازدادت الحاجة إلى بيئة بحرية مستقرة.

لماذا يجتمع هرمز وباب المندب في الحسابات المصرية؟

الدلالة الأهم في تصريحات اليوم هي الجمع بين مضيق هرمز وباب المندب في خطاب واحد.

فالمضيقان يقعان في منطقتين مختلفتين جغرافيًا، لكنهما متصلان استراتيجيًا، هرمز يرتبط بأمن الخليج وتدفقات الطاقة، بينما يرتبط باب المندب بحركة التجارة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر ثم قناة السويس.

وهذا يعني أن أي أزمة واسعة في الخليج يمكن أن تنتقل آثارها إلى البحر الأحمر، والعكس صحيح.

ومن هنا؛ فإن النظرة المصرية إلى أمن الخليج لم تعد منفصلة عن البحر الأحمر، وبالمثل فإن الرؤية السعودية للبحر الأحمر لا يمكن فصلها عن التطورات في الخليج وبحر العرب واليمن.

وعندما يؤكد السيسي أن أمن السعودية ودول الخليج جزء من الأمن القومي المصري، فإن ذلك يعكس هذا الترابط الجغرافي والاستراتيجي، وليس مجرد تعبير دبلوماسي عن التضامن السياسي، وقد تكرر هذا الموقف المصري في الأسابيع الأخيرة، بما يؤكد أنه أصبح جزءًا من خطاب القاهرة في مواجهة التطورات الإقليمية الراهنة.

باب المندب .. نقطة الاختبار الأصعب

إذا كان هرمز يمثل عقدة أساسية في أمن الطاقة، فإن باب المندب يمثل الاختبار الأكثر مباشرة لأمن البحر الأحمر، وهنا يصبح اليمن هو الحلقة المركزية.

فالتطورات العسكرية في اليمن لم تعد قضية داخلية، بعدما أصبحت الساحة اليمنية مرتبطة بصورة مباشرة بأمن الملاحة الدولية، والتصعيد المتصل بالملف اليمني، وما يرتبط به من تداعيات على أمن المملكة وحرية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، جعل استقرار اليمن جزءًا من الحسابات الأمنية المصرية والسعودية في الوقت نفسه، وتشير التغطيات الدولية اليوم إلى أن التطورات اليمنية وأمن باب المندب كانا من الملفات الرئيسية في مباحثات القاهرة، بالنسبة إلى السعودية، يمثل اليمن عمقًا أمنيًا مباشرًا بحكم الجغرافيا والحدود.

أما بالنسبة إلى مصر، فإن اليمن يرتبط بأمن باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس، وبذلك تتقاطع المصالح من زاويتين مختلفتين لتصل إلى النتيجة نفسها، ويصعب بناء أمن مستدام للبر الأحمر من دون معالجة مصادر التهديد المرتبطة بالأزمة اليمنية.

ولهذا كان لافتًا أن يؤكد السيسي دعم مصر للتوصل إلى حل سياسي شامل ومستدام للأزمة اليمنية؛ فالمقاربة المصرية لا تضع الأمن البحري في مواجهة الحل السياسي، وإنما ترى أن حماية الملاحة لا يمكن أن تكون مستدامة من دون تسوية سياسية للأزمة التي تنتج التهديدات.

غزة نقلت الصراع من البر إلى البحر

 

هناك عامل آخر أعاد تشكيل معادلة البحر الأحمر، يتمثل في تداعيات الحرب في غزة.

فالسنوات الأخيرة أظهرت أن الصراعات البرية في الشرق الأوسط، يمكن أن تنتقل إلى المجال البحري، وأن السفن التجارية يمكن أن تتحول إلى أهداف ضمن صراعات لا علاقة مباشرة لها بمسارات التجارة نفسها.

فلم تعد حماية الملاحة مسألة مرتبطة بالقرصنة أو المخاطر التقليدية، وإنما أصبحت مرتبطة بالصراعات الإقليمية وبالقدرة على منع استخدام الممرات البحرية كأدوات للضغط السياسي والعسكري.

ومن هنا؛ فإن الموقف المصري السعودي الرافض لتهديد حرية الملاحة يحمل بعدًا سياسيًا مهمًا، يمكن قراءة الموقف المصري السعودي باعتباره رفضًا.

السودان .. الوجه الآخر لأمن البحر الأحمر

لا تكتمل قراءة الموقف المصري السعودي من البحر الأحمر دون التوقف عند السودان.

فالحرب السودانية لا تمثل أزمة داخلية فحسب، بل تؤثر في البيئة الأمنية والسياسية على الساحل الغربي للبحر الأحمر والقرن الأفريقي، بما يجعل تطوراتها ذات انعكاسات تتجاوز حدود الدولة السودانية.

ومن منظور القاهرة، يرتبط استقرار السودان بصورة مباشرة بالأمن القومي المصري، بينما يمثل استقرار السودان كذلك مصلحة سعودية بالنظر إلى موقعه على البحر الأحمر وتأثير أي اضطراب فيه على البيئة البحرية الإقليمية.

ولهذا يمكن قراءة التأكيد على وحدة الدولة السودانية واستقرارها، إلى جانب المواقف السياسية المعلنة، باعتباره جزءًا من الحفاظ على بيئة إقليمية أكثر استقرارًا حول البحر الأحمر.

وكلما اتسعت حالة عدم الاستقرار في السودان والقرن الأفريقي، زادت احتمالات دخول قوى إقليمية ودولية جديدة إلى هذه المساحة، بما يضيف طبقات جديدة إلى التنافس على الموانئ والممرات البحرية والنفوذ الاستراتيجي.

مصر والسعودية.. من التنسيق إلى تكامل المصالح الأمنية

التطور اللافت في العلاقات المصرية السعودية خلال المرحلة الأخيرة هو الانتقال التدريجي من مجرد، تنسيق المواقف إلى مستوى أعمق من تكامل المصالح الأمنية والاستراتيجية.

فعندما تعلن القاهرة دعمها لإجراءات السعودية لحماية أمنها، بالتزامن مع تأكيد أن أمن المملكة والخليج جزء من الأمن القومي المصري، فإن ذلك يعكس إدراكًا مصريًا بأن أمن المملكة واستقرار منطقة الخليج يرتبطان بصورة مباشرة بالبيئة الأمنية التي تتحرك فيها المصالح المصرية.

وفي المقابل؛ فإن دعم السعودية لمصر واستقرارها ومصالحها الاستراتيجية يكتسب أهمية خاصة في ظل موقع مصر داخل منظومة البحر الأحمر وقناة السويس، وهذا لا يعني بالضرورة الانتقال إلى تحالف عسكري معلن، ولا ينبغي تحميل التصريحات أكثر مما تحتمل، لكنه يعني أن مساحة المصالح الأمنية المشتركة  تتسع، وأن التنسيق بين البلدين يكتسب أهمية أكبر مع تشابك الملفات البحرية والإقليمية.

وهنا تكمن أهمية لقاء اليوم، البلدان لا يواجهان التهديد نفسه بالطريقة نفسها، لكنهما أصبحا يواجهان البيئة الاستراتيجية نفسها.

العامل الدولي.. البحر الأحمر لم يعد ساحة إقليمية فقط

تزداد صعوبة المعادلة بسبب الحضور الدولي المكثف في البحر الأحمر والخليج، فالولايات المتحدة لديها مصالح مباشرة في أمن الملاحة والطاقة، والصين ترتبط بقوة بأمن طرق التجارة، والقوى الأوروبية تعتمد على استمرار تدفق التجارة عبر الممرات البحرية، بينما تسعى قوى إقليمية إلى توسيع نفوذها عبر الموانئ والممرات البحرية.

وهذا يعني أن أي حالة فراغ أو عدم استقرار أمني في البحر الأحمر لن تبقى معزولة عن التنافس الدولي والإقليمي، وإنما قد تجذب قوى أخرى إلى المنطقة، بما يزيد تعقيد الحسابات الأمنية والسياسية.

ومن هنا يمكن فهم أهمية الرؤية المصرية التي طالما شددت على تعزيز دور الدول المشاطئة في حماية أمن البحر الأحمر، بما يضمن أن يكون للدول العربية والإقليمية دور رئيسي في صياغة ترتيبات الأمن البحري في المنطقة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التعاون الدولي الضروري لضمان حرية الملاحة.

فالمعادلة لا تقوم على رفض الدور الدولي من حيث المبدأ، وإنما على ضمان أن يكون الأمن البحري في المنطقة قائمًا على توازن بين المصالح الدولية والدور الإقليمي للدول المشاطئة.

هل تتشكل معادلة أمن عربي جديدة؟

المؤشرات الحالية تسمح بطرح هذا السؤال، لكن من المبكر القول إن معادلة أمن عربية جديدة قد اكتملت، ما يتشكل بالفعل هو تقاطع أمني متزايد بين القاهرة والرياض، تدفع إليه الجغرافيا والتطورات العسكرية  والمصالح الاقتصادية.

فمصر تمتلك موقعًا حاسمًا عند قناة السويس والبحر الأحمر، بينما تمتلك السعودية موقعًا مركزيًا على البحر الأحمر والخليج، وتتقاطع مصالح البلدين مع التطورات في باب المندب واليمن والسودان والقرن الأفريقي، وهذه الجغرافيا تفرض قدرًا متزايدًا من التنسيق، حتى لو اختلفت أولويات البلدين في بعض الملفات،لكن تحويل هذا التقاطع إلى منظومة أمن إقليمي يتطلب أكثر من البيانات السياسية.

ويحتاج إلى تطوير آليات تبادل المعلومات والتقديرات، وتعزيز التعاون بين الدول المطلة على البحر الأحمر، ودعم استقرار اليمن والسودان، وحماية الملاحة، إلى جانب العمل الدبلوماسي لمنع اتساع دائرة الصراع.

ثلاثة سيناريوهات للمرحلة المقبلة

يمكن قراءة المسار القادم من خلال ثلاثة سيناريوهات رئيسية.

الأول :- الاحتواء

وهو السيناريو الذي تنجح فيه الضغوط السياسية في احتواء التعصيد اليمني والإقليمي، بما يسمح باستعادة قدر أكبر من الاستقرار في البحر الأحمر وباب المندب، ويخفف الضغط عن التجارة وقناة السويس.

الثاني:- إدارة التهديد طويلاً

وفيه تستمر التهديدات البحرية دون تحولها إلى حرب إقليمية شاملة، بما يفرض على مصر والسعودية تطوير آليات مستمرة لحماية الملاحة وإدارة المخاطر الاقتصادية والأمنية.

الثالث:- اتساع نطاق الصراع

وهو السيناريو الأكثر خطورة، إذا امتد التعصيد  بين الخليج والبحر الأحمر إلى ساحات أخرى، بما يرفع تكلفة النقل والطاقة ويضع قناة السويس والموانئ والممرات البحرية أمام ضغوط متزامنة.

والسيناريو الثالث هو الأكثر ضغطًا على التنسيق المصري السعودي، لأن اتساع نطاق التهديدات البحرية قد يجعل من الصعب على أي دولة إدارة تداعياتها بصورة منفردة.

زر الذهاب إلى الأعلى