موجة نزوح غير مسبوقة لـ”سبتة”.. هل تحولت الهجرة لورقة ضغط دبلوماسية بين المغرب وإسبانيا؟

لقي ما لا يقل عن 67 شخصًا حتفهم خلال موجة نزوح جماعي للمهاجرين الذين حاولوا دخول جيب سبتة الخاضع للحكم الإسباني من المغرب، وتشير التقديرات إلى أن ما بين 50 ألفًا و60 ألف شخص حاولوا العبور هذا الأسبوع، على الرغم من أن السلطات الإسبانية أفادت بأن معظمهم عادوا إلى المغرب بحلول مساء الجمعة الماضي.

وأفادت السلطات في سبتة بأن العديد من الضحايا غرقوا عندما تدفقت الحشود عبر الحدود برًا وبحرًا يوم الخميس الماضي، مما أدى إلى إرهاق حرس الحدود، وقال مسؤولون إسبان إنهم سيحاولون طرد من دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية في أسرع وقت ممكن، على الرغم من حكم المحكمة العليا الإسبانية الأخير الذي ينص على عدم جواز إعادة المهاجرين الوافدين بحرًا إلى المغرب.

وقال رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، إن عمليات العبور الجماعية تشكل انتهاكًا لوحدة أراضي إسبانيا، وألقى باللوم في هذا التدفق على المعلومات المضللة التي نشرها مهربو البشر عقب قرار المحكمة العليا، وكانت إسبانيا قد أعلنت عن تركيب حاجز احتواء بطول 500 متر على طول حاجز الأمواج الممتد إلى البحر.

خلفية الأحداث
في 29 يونيو الماضي، أصدرت المحكمة العليا الإسبانية حكمًا يقضي بعدم جواز ترحيل المهاجرين الوافدين بحرًا دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة لعدم عبورهم الحدود الجغرافية المنصوص عليها في القانون الإسباني، ويشمل هذا القرار المهاجرين الذين تم اعتراضهم أثناء سباحتهم إلى منطقتي سبتة ومليلية – الواقعتين أيضاً على ساحل شمال أفريقيا – والذين غالبًا ما يتم ترحيلهم فوراً إلى المغرب دون أي إجراءات رسمية.

وانتشرت العديد من التقارير على مواقع التواصل الاجتماعي حول قرار المحكمة العليا الإسبانية، كما شجعت شبكات الإتجار بالبشر عمليات العبور، من خلال تحريف الحكم الصادر مؤخرًا عن المحكمة العليا بشأن إعادة المهاجرين، ووفقًا لهذا التفسير افترض المتاجرون والمهاجرون خطأً أن الحكم يُعني عدم جواز ترحيل أي شخص يحاول الدخول عن طريق البحر، إلا أن القرار القانوني كان محدودًا للغاية.

ما دفع العديد من الشباب المغاربة إلى اعتبارها فرصة للعبور، كما تعد الإحباطات الاقتصادية العامة عاملًا آخر، إذ تظهر إحصاءات رسمية نقلتها وكالة رويترز أن واحد من كل أربعة مغاربة تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا لا يدرسون ولا يعملون ولا يتلقون تدريبًا، كما أن هدوء البحر في هذا الوقت من العام يجعل السباحة خيارًا أكثر جدوى.

سياسات الهجرة الإسبانية واتفاقية إعادة المهاجرين
وقعت إسبانيا والمغرب اتفاقية ثنائية لإعادة قبول المهاجرين عام 1992، تلزم المغرب وفق شروط معينة، باستقبال رعايا الدول الثالثة الذين دخلوا إسبانيا بطريقة غير نظامية عبر أراضيها.

وتسير إسبانيا في اتجاه معاكس للعديد من الدول الأوروبية الأخرى، التي تتجه نحو اليمين وتشدد سياسات الهجرة، في وقت سابق من هذا العام، أعلنت حكومة سانشيز عن برنامج لتسوية أوضاع المهاجرين، وكان من المتوقع أن يمنح 500 ألف مهاجر غير شرعي يقيمون بالفعل في إسبانيا فرصة للحصول على وضع قانوني.

النزاع التاريخي
ليست هذه المرة الأولى التي يحدث فيها هذا في سبتة؛ ففي مايو 2021، تدفق أكثر من 8000 مهاجر إلى سبتة في يومين فقط، وكان ذلك بمثابة رد فعل انتقامي خلال نزاع دبلوماسي حول الصحراء الغربية، وجهت فيه اتهامات واسعة للسلطات المغربية بتخفيف إجراءات الرقابة على الحدود بعد أن سمحت إسبانيا لزعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي، بتلقي العلاج في أحد مستشفيات إسبانيا، مما أدى إلى أزمة دبلوماسية بين الرباط ومدريد، إلا أن حجم التدفق هذه المرة يبدو غير مسبوق.

سبتة ومليلية منطقتان تخضعان للحكم الإسباني منذ عام 1580على ساحل المغرب المتوسطي، وتشكلان معًا الحدود البرية الوحيدة للاتحاد الأوروبي مع أفريقيا، ولطالما كانتا من بين أكثر طرق الهجرة حساسية في أوروبا، وتحميهما أسوار حدودية عالية وتعاون وثيق بين إسبانيا والمغرب لمنع عمليات العبور غير النظامية.

وعلى الرغم من كونهما أراضي خاضعة للسيادة الإسبانية، يطالب المغرب بالسيادة عليهما، مما يجعل الهجرة إليهما ليست مجرد قضية إنسانية، بل مصدرًا متكررًا للهجرة. حيث لا تعترف المغرب بالسيادة الإسبانية على سبتة أو مليلية، وتصف هاتين المنطقتين الإسبانيتين المعزولتين منذ قرون بأنهما محتلتان، ما يدفع إلى التساؤل عما إذا كانت السلطات المغربية قد تقاعست عمدًا عن منع عمليات العبور.

ورغم أن سبتة ومليلية، وهما الجيبان الإسبانيان الآخران في شمال أفريقيا، جزء من منطقة الشنغن، إلا أن عمليات التفتيش الحدودي لا تزال سارية على البضائع والمسافرين بين هاتين المنطقتين وإسبانيا.

رد الفعل الداخلي الإسباني
قال سانتياغو أباسكال، زعيم حزب فوكس اليميني المتطرف:” لقد تسبب بيدرو سانشيز، من خلال برنامجه لتسوية أوضاع المهاجرين على نطاق واسع، في غزو لحدودنا، وهو ما يعاني منه بالدرجة الأولى سكان سبتة الإسبان”، وقال ألبرتو نونيز فيخو، زعيم الحزب الشعبي المحافظ، في مقطع فيديو على قناة X إن حكومة سانشيز “ترفض الاعتراف بأننا نواجه مشكلة خطيرة تتعلق بالأمن القومي”.

أزمة أوسع ومخاوف القارة العجوز
على الرغم من أن إيطاليا لا تشترك في حدود مع إسبانيا، أعلنت إيطاليا أنها ستعيد مؤقتًا تطبيق بعض إجراءات الرقابة الحدودية على القادمين جوا وبحرا من إسبانيا لمدة 30 يوماً، وصرح وزير الخارجية ونائب رئيس الوزراء الإيطالي، أنطونيو تاجاني في تصريح له:” إن التعليق المؤقت لاتفاقية الشنغن فيما يتعلق بإسبانيا خطوة ضرورية لحماية أمن مواطنينا والدفاع عن الحدود الأوروبية”، وكانت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، قد دعت سابقًا إلى تعليق عضوية إسبانيا في اتفاقية الشنغن، التي تسمح عمومًا بالسفر دون تفتيش حدودي داخلي في معظم أنحاء أوروبا.

في الأحوال العادية لا يخضع جميع المسافرين جوا أو بحرا بين إسبانيا وإيطاليا لإجراءات تفتيش حدودية روتينية، إلا أن هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيطالية العامة (RAI) أفادت بأن عمليات التفتيش المستهدفة على بعض الوافدين ستبدأ في الأول من أغسطس وتستمر لمدة شهر، ونقلت (RAI) عن مصادر في وزارة الداخلية قولها إن هذه الإجراءات ستقتصر على مواطني الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي القادمين من إسبانيا إلى إيطاليا، وذلك للتحقق من أهليتهم للدخول، وبحسب هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيطالية (RAI)، لن يواجه مواطنو إسبانيا ودول الاتحاد الأوروبي الآخرون المسافرون إلى إيطاليا، وكذلك المسافرون من إيطاليا إلى إسبانيا، أي متطلبات إضافية.

رد الفعل الأمريكي.. استغلال الأزمة للترويج للانتخابات النصف التجديدية
انتقدت وزارة الخارجية الأمريكية سياسات الهجرة الإسبانية، وقالت إن الحادثة كانت نتيجة مباشرة لـ”جهود الحكومة الإسبانية المتعمدة لتمكين وتسهيل الهجرة غير الشرعية الجماعية إلى أوروبا”، وفي غضون ذلك، حذر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من أن تدفق المهاجرين يعد مثالًا لما سيحدث إذا لم ينتخب الجمهوريون في نوفمبر، وهو ما قال إنه يجب أن يكون محور نقاش في انتخابات التجديد النصفي.

من المرجح أن يكون المغرب ربما خفف من رقابة حدوده كتحذير لإسبانيا، بعد أن أبدى رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، رغبة في تحسين العلاقات مع الجزائر، المنافس التاريخي للمغرب على النفوذ في الساحل الشمالي الغربي لأفريقيا، كما تشير استطلاعات رأي عديدة إلى أن غالبية الإسبان يعتقدون الآن أن هناك عددًا كبيرًا جدًا من المهاجرين في البلاد، ويجب إجراء انتخابات عامة بحلول الصيف المقبل، ولن تساعد الصور القادمة من سبتة، سانشيز على الفوز.