عربي ودولي

الحوثيون يهددون الملاحة في البحر الأحمر.. باب المندب «مسمار جديد» في صراع الشرق الأوسط

سيطر الحوثيون في اليمن على جزيرة “ميون” ومدينة المخا الساحلية الاستراتيجية عند مدخل البحر الأحمر، وهي بديل حيوي لشحن النفط السعودي وصادرات أخرى، وذلك في ظل استهداف إيران للسفن في مضيق هرمز، وقد أكد مسؤول عسكري رفيع المستوى في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا ومسؤول حوثي نبأ الاستيلاء على الجزيرة.

تُشحن نحو 12% من البضائع العالمية، و 7% من إمدادات النفط، عادة عبر مضيق باب المندب عند الطرف الجنوبي للبحر الأحمر، وهو ممر يحظى بأهمية خاصة بالنسبة للمملكة العربية السعودية، وصرح المتحدث العسكري باسم الحوثيين “يحيى سريع” يوم الجمعة الماضي، بأن الملاحة البحرية آمنة لجميع الشركات باستثناء السفن السعودية، ومع ذلك تسود حالة من القلق في الأسواق، حيث يصف الخبراء سلوك الحوثيين بأنه غير قابل للتنبؤ.

اليمن | الحوثيون يسيطرون على باب المندب والسعودية تقصف مطار المخا

خلفية الأحداث

يمثل هذا التقدم السريع للحوثيين تطورًا استثنائيًا شهدته الساعات الست والثلاثين الماضية في صراع كان قد ظل مجمدًا إلى حد كبير لسنوات، غير أن شرارة تجدد القتال كانت قد أشعلت منذ أشهر وسط الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإيران.

في عام 2021 أعلن التحالف الذي تقوده السعودية ويحارب الحوثيين عن وجود قوات تابعة له في جزيرة ميون، وذلك عقب تقارير أفادت بإنشاء قاعدة جوية مرتبطة بالإمارات العربية المتحدة هناك، وكانت الإمارات قد أنهت مشاركتها في الصراع اليمني وسحبت قواتها في أواخر العام الماضي، إلا أن وضع القاعدة الجوية في جزيرة ميون لا يزال غير واضح، ومن خلال السيطرة على الجزيرة  التي تقسم مضيق باب المندب إلى ممرين مائيين، أصبح لدى الحوثيين الآن موقع فعلي داخل المضيق.

أصدرت القوات الحكومية اليمنية الأسبوع الماضي بيانًا أعلنت فيه عن إطلاق حملة عسكرية خاصة بها لاستعادة السيطرة على العاصمة صنعاء من أيدي الحوثيين، وشن الحوثيون هجمات صاروخية على السعودية يوم الثلاثاء الماضي، مما أسفر عن إصابة 73 شخصًا واندلاع حرائق هائلة في منشآت نفطية سعودية، وردًا على ذلك شنت السعودية أكثر من 50 غارة جوية على اليمن خلال فترة 12 ساعة يوم الأربعاء؛ وقد مثلت هذه الأحداث أعنف مواجهات تشهدها البلاد منذ إقرار خطة السلام التي رعتها الأمم المتحدة عام 2022.

وأعلنت المملكة العربية السعودية يوم الجمعة أنها أغلقت خط أنابيب نفط “الشرق – الغرب” الرئيسي الذي يمتد عبر البلاد كـ “إجراء احترازي” عقب هجمات وقعت في اليوم السابق، ولم تذكر وزارة الطاقة السعودية الجهة التي نفذت تلك الهجمات.

ويعد خط أنابيب “الشرق-الغرب” خط حيوي لاستمرار صادرات النفط السعودية، لا سيما في الأشهر التي تلت تعطل حركة الشحن في مضيق هرمز بسبب التوترات مع إيران. فوفقاً لوكالة الطاقة الدولية تضاعفت صادرات النفط السعودية عبر ميناء البحر الأحمر الذي يمثل نقطة النهاية لخط الأنابيب بأكثر من الضعف منذ الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير.

دونالد ترمب - ويكيبيديا

الولايات المتحدة على الحياد

نسف الحوثيين خطة الرئيس ترامب، الهادفة إلى خنق طهران اقتصاديًا مع الإبقاء على بقاء الصراع العسكري عند مستويات منخفضة، ولا يمكن لواشنطن أن تسمح للحوثيين بالسيطرة وإغلاق المضيق والذي من شأنه أن يصب الزيت على النار في مسألة ارتفاع أسعار الطاقة وتعطيل حركة الملاحة العالمية.

كما أن الدخول في مواجهة مع خصم صمد أمام الهجمات السابقة التي شنتها كل من الرياض وواشنطن، يمثل مهمة جديدة وجبهة تفتح بجانب الجبهة الإيرانية، وأجرى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان اتصالاً هاتفيًا مع الرئيس ترامب، يوم الخميس، وطلب المساعدة العسكرية الأمريكية لقتال الحوثيين، وذكرت المصادر أنه أُبلغ بأن واشنطن لن تتدخل بشكل مباشر في الوقت الراهن، لكنها ستقدم المساعدة في مجال الاستخبارات.

وأكد ترامب يوم السبت، أنه تحدث مع ولي العهد، مشيرًا إلى أن الحوثيين أجروا أيضًا اتصالات بإدارته وطلبوا ألا تنخرط واشنطن بشكل مباشر في الصراع، وأكد مسؤول في إدارة الرئيس ترامب أن الولايات المتحدة تركز على مصالح الأمن القومي، مثل ضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر، مع تمكين الشركاء الإقليميين من تولي زمام المبادرة في إدارة التحديات الأمنية الإقليمية وحلها.

الحوثيون يسيطرون على جزيرة يمنية في باب المندب ويحكمون السيطرة على المضيق | يورونيوز

هل سيتمكن الحوثيين من الاستمرار في السيطرة على مكتسابتهم؟

يعد هذا الإنجاز العسكري الأبرز للجماعة الحوثية منذ سنوات، إذ يثبت أنه على الرغم من الحرب الأهلية المستمرة منذ 12 عامًا، والغارات الجوية السعودية المدمرة، وهجمات القوات الأمريكية والإسرائيلية والبريطانية، لا يزال الحوثيون قوة يحسب لها ألف حساب.

ويعتمد الاحتفاظ بالمكاسب على حجم الجهد الذي سيبذله كل من الحوثيين والحكومة اليمنية، فالحوثيين في وضع قوي يتيح لهم الاحتفاظ بالجزيرة على المدى القصير بفضل سيطرتهم على المناطق المحيطة بها، ومع ذلك فالجزيرة نفسها يصعب الدفاع عنها في مواجهة هجوم برمائي على المدى الطويل، رغم أن شن هجوم كهذا سيكون عملية عالية المخاطر أيضاًا، لذا فإن الحل هو السيطرة على المناطق الساحلية في البر الرئيسي والمناطق النائية التابعة له.

وهو ما يعني أنه إذا أرادت الحكومة اليمينة إعادة السيطرة فسيكون عليها أن تقوم بالتنسيق فيما بينها، وإعادة تسليح القوات الحكومية، مع وجود دعم سعودي لتوحيد القوات القتالية الفعالة، وتقديم تعزيزات عسكرية على المدي الطويل.

9 مقابل 27 سفينة.. أرقام تكشف الفارق في حركة الملاحة بين باب المندب ومضيق هرمز | المصري اليوم

ماذا يُعني ذلك لشركات الشحن؟

يمنح السيطرة المباشرة على حركة الملاحة في باب المندب الحوثيين نفوذًا أكبر بكثير مما كان لديهم من قبل، ومن المرجح أن تبدي شركات الشحن تشككًا إزاء مصداقية البيان الذي صدر بعد ظهر الجمعة، والذي أعلن فيه الجناح العسكري للحوثيين أن الملاحة البحرية آمنة لجميع الشركات باستثناء السفن السعودية، التي تخضع بالفعل للحصار.

زعم الحوثيون في هجماتهم السابقة أنهم يستهدفون فقط السفن المرتبطة بإسرائيل، لكنهم في الواقع أصابوا سفنًا لا تربطها أي صلة بإسرائيل، بما في ذلك ناقلة ترفع العلم النرويجي. ومع ذلك فمن المرجح أن الحوثيين قد يمتنعون عن شن هجمات عشوائية، خشية تكرار سيناريو “عملية راف رايدر” (Operation Rough Rider)، وهي سلسلة من الضربات الجوية والبحرية الأمريكية المكثفة استمرت ستة أسابيع في ربيع عام 2025.

توقيع اتفاقية للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان | سكاي نيوز عربية

تحالف مكة .. التحالف الذي لم يُفعل

أثارت انتصارات الحوثيين بالفعل شكوكًا حول جدوى “تحالف مكة”، وهو اتفاقية للدفاع المشترك أبرمت في شهر أغسطس بين السعودية وباكستان وتركيا؛ إذ لم تبدي كل من إسلام آباد وأنقرة أي رغبة في مساعدة السعوديين، وذلك رغم سلسلة الهجمات الحوثية الأخيرة التي استهدفت مواقع في جنوب المملكة العربية السعودية.

على الرغم من ذلك، صرح وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف في وقت سابق من هذا الأسبوع، بأن أي عدوان غير مبرر على المملكة العربية السعودية، أو امتداد للصراع في اليمن إلى أراضي المملكة، من شأنه أن يفعل اتفاقية مكة للدفاع المشترك، مشدداً على أنه لا ينبغي أن يكون هناك أدنى شك في ذلك، ومع ذلك لم يكشف آصف عن تفاصيل محددة حول الآلية التي سيتم بها تفعيل هذه الاتفاقية.

من المتوقع أن تلعب أنقرة دورًا في الضغط دبلوماسيًا لكبح جماح الحوثيين وإيران، وأن تكثف إسلام آباد الجهود الدبلوماسية، حيث أجرى كل من المشير الباكستاني عاصم منير ووزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود محادثات مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وفي حالة أن فشلت الجهود الدبلوماسية فمن المرجح أن توسع كل من تركيا وباكستان نطاق الدعم الجوي والتقني الذي تقدمانه حاليًا؛ إذ تمتلك إسلام أباد بالفعل سربًا جويًا يضم نحو 16 طائرة متعددة المهام من طراز “جي إف-17 ثاندر” (JF-17 Thunder)، فضلاً عن أنظمة دفاعية وآلاف الجنود المنتشرين في المملكة العربية السعودية.

أنثروبيك تكشف عن دول استخدمت الذكاء الاصطناعي في التجسس | أخبار | الجزيرة نت

أنثروبيك وبرامج تطوير الأسلحة

أعلنت شركة الذكاء الاصطناعي أنثروبيك Anthropic أنها حظرت مستخدمين في شمال اليمن كانوا يستخدمون نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها لتشغيل برامج لتطوير الأسلحة، حيث استخدم بعضهم هواتف ذكية متاحة تجاريًا.

وذكرت الشركة أن نماذجها استخدمت في مساعي لتطوير صواريخ متطورة، والتي تشمل صواريخ باليستية دقيقة وبعيدة المدى وصواريخ فرط صوتية. وأوضحت الشركة أنها حددت هوية هؤلاء المستخدمين خلال تحقيق داخلي وقامت بحظر حساباتهم.

وأشارت أنثروبيك إلى أن الحسابات استخدمت أداة “Claude Code” لتطوير برمجيات توجيه وتحقيق استقرار مركبة طائرة، كما عملت على تطوير أسلحة شملت صاروخاً موجهاً يتيح لمستخدمي الهواتف المحمولة تتبع الأهداف بشكل ذاتي .وأكدت الشركة عدم وجود أدلة تشير إلى نجاح المستخدمين في اليمن في نشر أو تشغيل أي سلاح فعلي.

على ما يبدو أن الحرب الأمريكية الإيرانية ستسمر لما بعد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، ومع تعدد نقاط الاختناق للاقصاد العالمي، يكمن السؤال الحالي ليس حول ما ستقدمه اليمن بل حول ما ستفسده على المنطقة إذا ما استمر الوضع كما هو عليه.

زر الذهاب إلى الأعلى