المنطقة الرمادية بين ما هو مقبول ومحظور.. روسيا تختبر حدودها مع حلف الناتو

باتت خيارات أوروبا محدودة في مواجهة الهجمات والاستفزازات الروسية تجاه المواقع العسكرية والدفاعية، ما ينذر باتجاه الوضع نحو المزيد من العواقب غير المتوقعة.
وقالت أورسولا فون دير لاين، رئيسة الجهاز التنفيذي للاتحاد الأوروبي، يوم الأربعاء: «يواجه الأوروبيون حقيقة مُرّة، وهي أن هذا هو الوضع الطبيعي الجديد.. علينا أن نكثف جهودنا، وهذا يعني أن نكون على أهبة الاستعداد للرد على تهور روسيا بشكل أفضل وأسرع».
خلفية الأحداث
أعلن مسؤولون ألمان هذا الأسبوع أن موسكو تقف وراء الهجوم الذي استخدمت فيه طائرة مسيرة مفخخة اصطدمت بطائرة شحن أوكرانية متوقفة، بينما اصطدمت أخرى بطائرة أخرى أثناء إقلاعها، ولم تنفجر أي من الطائرتين.
ووفقًا للمسؤولين، لو نجح الهجوم، لكان من الممكن أن يسفر عن مقتل أو إصابة أشخاص، فضلًا عن عواقب وخيمة.
وأعلنت ألمانيا إغلاق بعثة دبلوماسية وفرض قيود سفر إضافية على الروس، ردًا على الهجوم في لايبزيج، ضمن إجراءات أخرى.
ويعد هذا الهجوم الأكثر دراماتيكية ضمن سلسلة من الهجمات المماثلة، التي تشمل مؤامرات لزرع عبوات حارقة على متن طائرات شحن تابعة لشركة DHL، وتفجير خطوط سكك حديدية في بولندا، وحرق مستودعات ومراكز تسوق في أنحاء أوروبا.
هل اعترفت روسيا بتورطها في الهجمات؟
ينفي الرئيس بوتين مرارًا وتكرارًا تورط روسيا في عمليات التخريب الأوروبية، وألمح إلى أن السلطات الألمانية قد زرعت أدلة على تورط روسيا في هجوم لايبزيج.
ووصف الغرب هذا الأسبوع بـ«أسماك القرش الإمبريالية»، وألمح إلى أن أعداء روسيا سينالون جزاءهم.
يأتي الرد الروسي كنتيجة لما فتحته السلطات الألمانية من تحقيقات في هجمات تخريبية محتملة استهدفت شركة مقاولات دفاعية في ميونيخ ومحطتين فرعيتين للكهرباء.
كما اندلع حريق في مصنع للطائرات المسيرة في بولندا، ورجح المسؤولون أنه ناجم عن عمل تخريبي، وأعلنت المخابرات الدنماركية أن روسيا تجند دنماركيين لمهاجمة شركات دفاعية.
متى بدأت تلك الهجمات؟
بدأت الهجمات بالظهور بعد فترة وجيزة من شن روسيا غزوها الشامل لأوكرانيا في عام 2022، في إطار سعي الرئيس فلاديمير بوتين إلى نقل الحرب إلى الغرب، لكن أفاد المسؤولون الأمنيون في أوروبا بأنها ازدادت مؤخرًا من حيث التواتر والحدة.
وقد أثارت هذه الهجمات، إلى جانب التقارير الحديثة التي نقلت عن أجهزة استخبارات غربية ترجيحها احتمال تخطيط روسيا لنوع من التوغل العسكري أو الاستفزاز على طول الجناح الشرقي لحلف الناتو، قلقًا بالغًا في أوروبا، ودفعت المسؤولين هناك إلى البحث عن حلول.
لماذا تلك الحدة في الهجمات الآن؟
أن تصاعد وتيرة الهجمات يأتي في ظل إحباط الرئيس بوتين من الوضع على أرض المعركة، فالتقدم بطيء والخسائر فادحة، ويعاني الاقتصاد الروسي من ضغوط هائلة جراء الحملة الأوكرانية المتمثلة في الضربات بعيدة المدى ضد مستودعات التجارة الإلكترونية ومصافي النفط ومراكز الدعم اللوجستي العسكري.
ويرى الرئيس بوتين، أن روسيا لا تخوض حربًا مع أوكرانيا فحسب، بل تخوض أيضًا حربًا ضد ما يسميه «الغرب الجماعي»، الذي يحمله مسؤولية تزويد أوكرانيا بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية والتقنيات التي أبقت كييف في المعركة.
ما الذي يجب أن يقلق منه حلف الناتو؟
ما على حلف الناتو القلق منه هو الهجمات الروسية على الكابلات البحرية وخطوط الأنابيب والسفن في المياه الدولية.
ومن المحتمل أيضًا، وإن كان أقل ترجيحًا، حدوث توغلات حدودية في المناطق الناطقة بالروسية في شرق إستونيا ولاتفيا، حيث ستمكن هذه الأعمال الرئيس بوتين من اختبار مدى فعالية رد دول حلف شمال الأطلسي على استفزازاته.
وقد يصبح الوضع مقلقًا في الأشهر القليلة المقبلة، خاصة إذا أثبتت الولايات المتحدة، في عهد الرئيس ترامب، أنها مجرد أداة ضعيفة وليست حجر الزاوية في حلف الناتو.
ما موقف حلف الناتو من استفزازات موسكو؟
لم يسفر أي من الهجمات حتى الآن عن أي قتلى أو جرحى، لكن أي إراقة دماء ستشكل أزمة عميقة لحلف الناتو، الذي أُنشئ خصيصًا لردع أي غزو بري ومواجهته، إلا أنه يفتقر إلى الأدوات اللازمة للرد على صراع يتصاعد ببطء، ولطالما واجه الحلف بالفعل صعوبة في كيفية الرد بشكل مناسب على العدوان الروسي.
وقالت جوليان سميث، السفيرة الأمريكية السابقة لدى الناتو خلال إدارة بايدن: «لقد حالف الحظ روسيا إلى حد كبير.. في مرحلة ما، سينحرف الوضع عن مساره، وسيصاب أحدهم بأذى، وسيشكل ذلك معضلة جديدة للحلف».
كما يمكن لدول حلف الناتو زيادة الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وشن هجمات إلكترونية، وتقويض المصالح الروسية في مناطق أخرى من العالم.
وقد أقرت الحكومة الألمانية في أغسطس مشروع قانون يخول أجهزة استخباراتها تنفيذ عمليات استخباراتية فعالة، كالتخريب والهجمات الإلكترونية.
وفي حال موافقة البرلمان، ستكتسب هذه الأجهزة هذه الصلاحية لأول مرة في تاريخ ألمانيا ما بعد الحرب.
أين واشنطن مما يحدث في القارة العجوز؟
لدى حلف الناتو تحدٍ آخر يتمثل في الحفاظ على وحدة الدول الأعضاء الـ32، فبعد إعلان ألمانيا هذا الأسبوع، أعربت مجموعة من الحلفاء عن دعمها وتضامنها، بمن فيهم السفير الأمريكي لدى الناتو ماثيو ويتاكر.
والجدير بالذكر أن بيانه لم يذكر روسيا بالاسم، بينما، في المقابل، ذكر رئيس الوزراء البريطاني أندي بورنهام روسيا ثلاث مرات في بيانه.
ويعد هذا الإغفال مثالًا على فشل إدارة ترامب في محاسبة الكرملين، فمنذ توليه منصبه العام الماضي، لوّح الرئيس ترامب بين الحين والآخر بإمكانية فرض عقوبات على تجاوزات الرئيس بوتين، لكنه نادرًا ما نفذ ذلك.
وأغفل إلبريدج كولبي، المسؤول الرفيع في البنتاجون، ذكر روسيا تمامًا في الأسبوع الماضي في مقر حلف الناتو، وإنما حث الدول الأوروبية على أخذ زمام المبادرة في دعم أوكرانيا، في إطار جهود تقليص الوجود العسكري الأمريكي في القارة.
وفي يوم الأربعاء، حمّل وزير الخزانة سكوت بيسنت أوكرانيا مسؤولية ارتفاع أسعار الطاقة الذي يثقل كاهل الاقتصاد العالمي، مستشهدًا بهجماتها على صناعة النفط الروسية.
ولم يشر إلى أن روسيا هي من بدأت الحرب، وأنها استهدفت البنية التحتية المدنية الأوكرانية.
يختبر الرئيس بوتين وحدة حلف الناتو مع كل هجوم جديد، وفي الوقت الراهن لا يزال حلف الناتو يحتفظ بقوته الرادعة، متسلحًا بالمادة الخامسة، على الرغم من تردد إدارة الرئيس ترامب، الذي خلق حالة من عدم اليقين بشأن إمكانية العمل تحت راية موحدة.
ويكمن القلق المتزايد في أن القوات الروسية باتت تضم تشكيلات من الطائرات المسيرة، وأعدادًا كبيرة من القدرات الهجومية الدقيقة، وملايين الطائرات المسيرة التكتيكية، مما يسمح لها بتنفيذ ضربات أو عمليات صغيرة، وإن كانت مؤلمة، بفعالية أكبر.
لذا، فإن مسألة إعادة بناء الجيش الروسي لما كان عليه قبل عام 2022 والهجوم على حلف الناتو لا تكمن في السؤال عما إذا كان سيهجم، بل متى سيهجم.






