قمة البريكس في دلهي.. من قبول قواعد النظام العالمي إلى السعي لصناعتها
قمة دلهي.. البريكس تعيد رسم قواعد النظام الدولي
أقيمت قمة مجموعة البريكس في نيودلهي، حيث تتولى الهند رئاسة المجموعة لمدة ثلاثة أعوام، وكان من بين الحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، والرئيس الصيني شي جين بينج، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ورئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا.
ما هي قمة البريكس؟
انطلقت مجموعة البريكس عام 2006 بمبادرة من البرازيل وروسيا والهند والصين، تحت اسم BRIC، وبعد انضمام جنوب أفريقيا إلى المجموعة بعد أربع سنوات، اكتسبت اسمها الحالي BRICS.
ومنذ ذلك الحين، توسع التكتل ليشمل مصر وإثيوبيا وإيران والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وإندونيسيا.
وتشكل دول مجموعة البريكس ما يقرب من نصف سكان العالم، وتساهم بنحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
وقد سعت المجموعة إلى تعزيز نفوذ الاقتصادات النامية في المؤسسات التي هيمنت عليها القوى الغربية تقليديًا، كما دفعت باتجاه إصلاح عدد من الهيئات الدولية، بما في ذلك البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية.
قمة المتناقضات
إن قادة مجموعة البريكس ليسوا حلفاء طبيعيين بالضرورة، إذ يجمع بعضهم تاريخ من النزاعات الحدودية وحتى المواجهات العسكرية، فقد خاضت الهند والصين مواجهة دامية على طول حدودهما المتنازع عليها عام 2020.
كما تقف إيران والإمارات على طرفي نقيض في عدد من صراعات الشرق الأوسط الناتجة عن الحرب الأمريكية ـ الإيرانية، حيث أطلقت طهران صواريخ وطائرات مسيرة استهدفت دولة شريكة لها في مجموعة البريكس، في وقت أحدث فيه الصراع هزات ارتدادية في الاقتصادات العالمية.
لذلك، فإن قدرة الهند على جمع هؤلاء القادة معًا بصورة شخصية تعد إنجازًا بحد ذاته، ودليلًا على ثقلها الدبلوماسي.
التوازنات في النظام الدولي
خيّم التوتر على أجواء قمة البريكس، خصوصًا بشأن محاولات الاتفاق على شكل النظام العالمي الجديد وتحقيق نتائج ملموسة في هذا الإطار، فبالنسبة إلى الصين وروسيا وإيران، توفر مجموعة البريكس وسيلة للحد من نفوذ الولايات المتحدة وأوروبا الغربية.
في المقابل، أبدت الهند تحفظًا على تصوير البريكس باعتبارها تكتلًا معاديًا للغرب، إذ صرح رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال القمة بأن المجموعة «ليست ضد أحد».
ويكتسب هذا التمييز أهمية بالغة بالنسبة إلى دلهي، التي تسعى إلى الحفاظ على علاقاتها مع دول متخاصمة فيما بينها، في إطار سعيها إلى تحقيق الاستقلال الاستراتيجي في زمن الحرب.
البيان المشترك.. نجاح بعد إخفاقات
نجحت القمة في إصدار بيان مشترك، وهو ما فشلت اجتماعات وزراء مجموعة البريكس في تحقيقه مرتين في وقت سابق من هذا العام.
ففي مايو، أخفق وزراء خارجية دول البريكس في الاتفاق على بيان مشترك بسبب الخلافات حول الحرب، إذ تعد إيران عضوًا في المجموعة، وكذلك الإمارات العربية المتحدة التي تعرضت لهجمات إيرانية خلال الصراع.
أما هذه المرة، فقد تم التوصل إلى توافق في الآراء، ولكن من خلال تجاوز القضايا التي تثير خلافات حادة بين الأعضاء، دون تقديم حلول تذكر لها.
وقد تم اعتماد «إعلان نيودلهي» في اليوم الأول للقمة، والذي حمل بصمة هندية واضحة تتمثل في تجنب ذكر الدول بالاسم، لكن اللافت للنظر هو ما أغفله الإعلان ولم يتطرق إليه.
ملف الرسوم الجمركية الأمريكية
أشار الإعلان إلى المخاوف بشأن الزيادات العشوائية في الرسوم الجمركية، وأدان العقوبات الأحادية الجانب، لكنه تجنب تسمية الولايات المتحدة صراحة، في خطوة تهدف على الأرجح إلى تفادي إثارة غضب واشنطن.
وفي الوقت نفسه، دعت المجموعة إلى التعاون من أجل حماية التجارة العالمية وسلاسل التوريد وتدفقات الطاقة والأمن البحري، في ظل ما تسببه الحروب من اضطرابات في حركة التجارة الدولية.
وسبق أن فرضت واشنطن رسومًا جمركية على العديد من دول مجموعة البريكس، بما في ذلك الصين وروسيا والهند.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد وصف المجموعة سابقًا بأنها معادية لأمريكا، كما هدد بفرض رسوم إضافية على الدول التي تصطف إلى جانبها.
وهناك عدد من قادة البريكس الذين يخشون استعداء الرئيس ترامب، الذي سبق أن وصف مقترحات المجموعة، بما في ذلك احتمال الربط بين العملات الرقمية للبنوك المركزية لتسهيل التجارة العابرة للحدود، بأنها معادية لأمريكا.
الشرق الأوسط
فيما يتعلق بالحرب في الشرق الأوسط، حث الإعلان على ممارسة أقصى درجات ضبط النفس. كما أدان الهجمات على البنية التحتية المدنية والمنشآت النووية السلمية، دون توجيه اللوم إلى أي طرف محدد.
وتجنب البيان إدانة الضربات الأمريكية ـ الإسرائيلية أو استهداف إيران لدول الخليج في المنطقة.
ويختلف هذا الموقف عن البيان المشترك الصادر عن قمة البريكس في ريو دي جانيرو العام الماضي، الذي كان قد أدان الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران، واصفًا إياها بأنها انتهاك صارخ للقانون الدولي.
القضية الفلسطينية
تبنت مجموعة البريكس لغة أكثر وضوحًا وصراحة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وأعاد الإعلان التأكيد على دعم حل الدولتين، ومعارضة التهجير القسري للفلسطينيين أو أي إجراءات قد تؤدي إلى إضفاء الشرعية على الاحتلال أو إطالة أمده، وذلك في صياغة دقيقة تستند إلى قرارات الأمم المتحدة القائمة.
الحرب الروسية ـ الأوكرانية
خلا الإعلان تمامًا من أي ذكر للحرب الروسية في أوكرانيا، وهو ما يمثل تحولًا عن بيانات البريكس السابقة، إذ تضمن الإعلان دعوة عامة إلى تسوية النزاعات الدولية عبر الحوار والتشاور والدبلوماسية، دون الإشارة صراحة إلى أوكرانيا.
ويعد هذا الموقف مهمًا بالنسبة إلى روسيا، التي واجهت عقوبات غربية واسعة النطاق منذ غزوها الشامل لأوكرانيا عام 2022.
وفي المقابل، حافظت الهند على علاقات وثيقة مع موسكو، حيث استوردت النفط الروسي وسط اضطرابات في إمدادات النفط العالمية منذ اندلاع الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران.
التوجه نحو التعددية القطبية
جددت مجموعة البريكس التأكيد على التزامها بتعزيز التعددية والنظام متعدد الأقطاب، مشيرة إلى أن العالم متعدد الأقطاب يمكن أن يوسع الفرص أمام الأسواق الناشئة والدول النامية لتطوير إمكاناتها، والاستفادة من عولمة اقتصادية وتعاون اقتصادي شامل ومستدام وعادل ومفيد للجميع.
ودعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى منح تمثيل أكبر لآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية في مجلس الأمن الدولي، معتبرًا أن القوى القائمة حاليًا تقاوم التحول نحو عالم متعدد الأقطاب.
ومن جانبه، قال الرئيس الصيني شي جين بينج، إن على دول البريكس المساعدة في توجيه النظام الدولي نحو مزيد من الإنصاف والعدالة.
بينما دعا رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي دول الجنوب العالمي إلى الانتقال من دور المتلقي للقواعد إلى دور صانع القواعد. وقال مودي أمام القمة إنه يتعين تحويل «هرم الامتيازات» إلى «منصة للشراكة».
اجتماعات القمة
وفرت قمة البريكس منصة لاجتماعات كان من الصعب تصور حدوثها قبل بضعة أشهر فقط، وعلى رأسها الاجتماعات بين الصين والهند، وإيران والإمارات.
كانت هذه أول زيارة للرئيس الصيني شي جين بينج إلى دلهي منذ سبع سنوات، ورغم حالة انعدام الثقة العميقة التي سادت بين الصين والهند منذ النزاع الحدودي عام 2020، فإن حدة تلك التوترات قد خفت نسبيًا، غير أن هناك اختلالًا تجاريًا كبيرًا بين البلدين، يتمثل في عجز يميل بشدة لصالح الصين.
ومن جانبه، قال رئيس الوزراء ناريندرا مودي إن مجموعة البريكس وصلت إلى مرحلة النضج، ودعا دول الجنوب العالمي إلى أن تكون صانعة للقواعد بدلًا من الاكتفاء بقبول قواعد وضعت في أماكن أخرى.
كما شهد اللقاء مصافحة ودية بين الرئيس شي ورئيس الوزراء مودي، خلت من العناق الذي اشتهر به الأخير.
واقتصرت زيارة الرئيس شي على أقل من 24 ساعة، حيث لم يحضر مأدبة العشاء الرسمية التي أقامها رئيس الوزراء مودي مساء السبت.
ووفقًا للبيانات الرسمية، اتفق الزعيمان على تعزيز العلاقات التجارية وروابط النقل، ومعالجة العوائق التي تعترض حركة التجارة.
وعقد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان محادثات مشتركة، في لقاء مباشر يعد الأرفع مستوى بين البلدين منذ اندلاع الحرب.
وقد أتاحت عطلة نهاية الأسبوع لطهران فرصة لإظهار أنها ليست وحيدة في مواجهة الهجمات العسكرية والضغوط الاقتصادية التي تمارسها الولايات المتحدة وإسرائيل.
وفي ظل مساعي إيران للصمود أمام العقوبات الأمريكية، وما تفرضه واشنطن من عملية عزل اقتصادي وحصار بحري لموانئها، اتجه الرئيس بزشكيان نحو تعزيز العلاقات الاقتصادية مع دول مجموعة البريكس، بما في ذلك ماليزيا والهند وإثيوبيا.
وأظهرت القمة أن مجموعة البريكس قادرة على توفير مساحة تتيح للخصوم التحاور والتحرك بعيدًا عن المؤسسات التي يهيمن عليها الغرب.
وتكمن الصعوبة في تحديد ما سيحدث لاحقًا، فمن الواضح أن الدول الأعضاء تتفق على حاجتها الملحة إلى نظام عالمي جديد، إلا أن الإجابة عن تساؤلات جوهرية، مثل ماهية هذا النظام البديل وكيفية الوصول إليه، تظل تحديًا بالغ الصعوبة.
وفي هذا السياق، تبدو قمة نيودلهي خطوة إضافية في مسار تحول مجموعة البريكس من مجرد إطار للتنسيق بين اقتصادات صاعدة إلى منصة تسعى إلى التأثير في قواعد النظام الدولي نفسه؛ أي الانتقال من تقبل القواعد التي يضعها الآخرون إلى المشاركة في صناعتها.






